المغرب ورئيسة الحكومة… حين تُصبِحُ السابقة مسارًا
كابي طبراني*
لم يكن المشهد في القصر الملكي بالرباط يوم الثلاثاء 29 أيلول (سبتمبر) 2026 عاديًا في التاريخ السياسي للمغرب. استقبل الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري، مُنَسِّقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وعيّنها رئيسةً للحكومة، وكلّفها تشكيل الحكومة الجديدة بمقتضى الفصل 47 من الدستور. للمرة الأولى منذ استقلال المملكة، أصبحت امرأة على رأس السلطة التنفيذية الحكومية.
لكن اختزال الحدث في عبارة “أول امرأة” يظلم دلالته.
فالمنصوري لم تصل إلى رئاسة الحكومة بقرارٍ معزول عن العملية السياسية، ولم يجرِ اختيارها فقط لتسجيل سابقة تتعلّق بالمرأة. حزب الأصالة والمعاصرة الذي تقوده ضمن قيادة جماعية تصدّر الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 أيلول (سبتمبر)، وحصل على 97 مقعدًا من أصل 395، متقدمًا على التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعدًا، وحزب الاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54. وبموجب الفصل 47 من الدستور، يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدّر انتخابات مجلس النواب.
وهنا تكمن الدلالة الأولى للحدث المغربي: المرأة لم تصل هذه المرة إلى موقعٍ رفيع لأنَّ الدولة أرادت فقط أن تفتح لها الباب، بل وصلت أيضًا لأنَّ حزبها وصل أولًا إلى صناديق الاقتراع.
هذا فارقٌ مُهم.
من السهل أن تحتفل المجتمعات بتعيين امرأة وزيرة أو سفيرة أو مسؤولة في مؤسسة عامة. والأصعب أن تصبح المرأة جُزءًا طبيعيًا من التنافس على أعلى مواقع القرار، وأن يُنظَرَ إليها بوصفها سياسية تحمل برنامجًا وتخوض انتخابات وتقود حزبًا وتُفاوض على ائتلافٍ حكومي، لا باعتبارها ممثلةً للنساء فحسب.
المنصوري نفسها ليست وافدة جديدة على السياسة. هي محامية، دخلت العمل السياسي في العقد الأول من الألفية، وكانت من مؤسسي حزب الأصالة والمعاصرة عام 2008. أصبحت عام 2009 رئيسة للمجلس الجماعي لمراكش، وانتُخبت للبرلمان، ثم عادت إلى رئاسة مراكش عام 2021، وتولّت بين 2021 و2026 وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، قبل أن تصل إلى رئاسة الحكومة.
أي أنَّ المسار لم يبدأ من القصر الملكي يوم التعيين، بل من البلدية والحزب والبرلمان والوزارة وصندوق الاقتراع.
وهذا ربما يكون أهم ما يمكن أن يقوله المغرب اليوم عن وصول المرأة إلى السلطة.
شهد المغرب خلال العقود الماضية تحوّلًا تدريجيًا في حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. لكن رئاسة الحكومة مختلفة، ليس فقط لأنها أعلى منصب حكومي، وإنما لأنها تضع المرأة في موقع المسؤولية المباشرة عن إدارة الاقتصاد والسياسات الاجتماعية والتفاوض بين الأحزاب ومواجهة البرلمان والرأي العام.
وهذا يحمل رسالة تتجاوز المنصوري نفسها.
فحين تستطيع فتاة مغربية أن ترى امرأة رئيسة للحكومة، لا يعود السؤال النظري عمّا إذا كان هذا الموقع “مُتاحًا” للمرأة بالمعنى نفسه. السقف الذي كان قائمًا سقط مرة واحدة، وما كان استثناءً غير مسبوق يصبح بعد حدوثه احتمالًا طبيعيًا للأجيال التالية.
غير أنَّ الرمزية وحدها لا تصنع تحوُّلًا اجتماعيًا، والاختبار الحقيقي يبدأ بعد الصورة الرسمية للتعيين.
إنَّ المغرب يدخل المرحلة الجديدة وفي داخله أسئلة ثقيلة عن التشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية. كما أنَّ نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة تراجعت إلى نحو 38 في المئة، مقارنة بنحو 51 في المئة في انتخابات 2021، وهو رقمٌ يضع أمام الحكومة الجديدة مسألة الثقة في المؤسسات السياسية، لا مجرّد مسألة تكوين أغلبية برلمانية.
كما تأتي الحكومة في وقتٍ يستعد المغرب لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2030 مع إسبانيا والبرتغال، بما يحمله ذلك من استثمارات ضخمة في البنية التحتية، ومن سؤالٍ موازٍ لا يقل أهمية: كيف يمكن تحويل الإنفاق الكبير إلى تنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟
لذلك ستكون المفارقة أنَّ المنصوري صنعت التاريخ بمجرّد وصولها، لكنها لن تستطيع أن تحكُمَ بالتاريخ.
بعد اليوم الأول ستصبح، قبل كل شيء، رئيسة حكومة يُسأل أداؤها كما يُسأل أداء أيّ رئيس حكومة: ماذا فعلت بالاقتصاد؟ ماذا فعلت ببطالة الشباب؟ ماذا تغيَّر في المدرسة والمستشفى؟ هل تحسّنت الخدمات؟ هل تقلّصت الفوارق؟ وهل شعر المواطن بأنَّ السياسة قادرة على تغيير شيء في حياته؟
وهذا في حدِّ ذاته شكلٌ آخر من أشكال المساواة.
أما عربيًا وأفريقيًا، فينبغي وضع السابقة المغربية في سياقها الصحيح.
المنصوري ليست أول امرأة ترأس حكومة في العالم العربي ولا في أفريقيا. سبقتها نساء إلى رئاسة الحكومات في دول أفريقية عدة، كما أصبحت نجلاء بودن في تونس عام 2021 أول امرأة تتولى رئاسة حكومة في العالم العربي. والمنصوري هي، وفق التقارير المنشورة عن تعيينها، ثالث امرأة تصل إلى رئاسة حكومة عربية.
لكن ذلك لا ينتقص من أهمية الحدث المغربي؛ بل ربما يجعله أكثر دلالة.
فالقضية لم تعد البحث عن “أول امرأة” في كل مرة، وإنما ما إذا كانت الحالات الفردية تتحوّل تدريجًا إلى واقعٍ سياسي عربي وأفريقي لا يحتاج إلى الدهشة كلما حدث.
والمغرب يحمل في هذا المجال وزنًا خاصًا. فهو بلد عربي وأفريقي ومتوسطي في آنٍ واحد، وله علاقات سياسية واقتصادية متنامية في أفريقيا، وارتباط وثيق بأوروبا، وحضور في العالم العربي. لذلك فإنَّ الصورة التي يُقدّمها عن المرأة والدولة والمؤسسات تنتقل خارج حدوده.
أما الرسالة العربية هنا فهي لا تحتاج إلى خطابات كبيرة عن “تمكين المرأة”. إنها أبسط وأقوى: ليس هناك سببٌ سياسي أو مؤسساتي يجعل رئاسة الحكومة حكرًا على الرجل.
لقد تجاوزت المرأة العربية منذ زمن فكرة إثبات قدرتها على التعليم والعمل وإدارة الشركات والجامعات والوزارات. ومع ذلك بقي الوصول إلى رأس السلطة التنفيذية نادرًا للغاية. وبين حضور النساء الواسع في الجامعات وأسواق العمل وبين حضورهن المحدود في المواقع السياسية العليا، لا تزال فجوة كبيرة في معظم المنطقة.
السابقة المغربية لا تغلق هذه الفجوة، لكنها تضعف إحدى الحجج التي أبقتها مفتوحة.
أما أفريقيًا، فالقصة مختلفة قليلًا. القارة سبقت أجزاء أخرى من العالم في وصول النساء إلى مواقع رئاسة الدولة والحكومة والبرلمانات، لكنها لا تزال تعاني تفاوتًا كبيرًا بين دولة وأخرى. لذلك يضيف المغرب حالة جديدة إلى تجربة أفريقية أوسع في اختبار القيادة النسائية، ولكن ضمن خصوصيته الدستورية والسياسية.
يمكن للحدث أن تكون له دلالة أخرى في العلاقة بين المغرب وعمقه الأفريقي. فالرباط تحاول منذ سنوات تقديم نفسها قوة اقتصادية واستثمارية أفريقية، من المصارف والاتصالات والأسمدة إلى الطاقة والبنية التحتية. ومع رئاسة امرأة للحكومة، يضاف إلى هذه الصورة بُعدٌ سياسي واجتماعي يمكن أن يدخل في مفهوم القوة الناعمة المغربية.
لكن لا يكفي أن تكون المرأة على رأس الحكومة لكي يصبح البلد نموذجًا للمساواة. سيُنظر أيضًا إلى عدد النساء في الحكومة الجديدة، وإلى حضورهنَّ في الإدارة والاقتصاد والمؤسسات المنتخبة، وإلى السياسات التي تمسُّ المرأة في العمل والأسرة والحماية الاجتماعية والفرص الاقتصادية.
إنَّ الرمز يفتح الباب؛ السياسة هي التي تُحدّد ما يوجد وراءه.
ثمة دلالة أعمق في ما حدث تتصل بتطوُّر الدولة المغربية نفسها.
منذ دستور 2011، سعى المغرب إلى توسيع دور المؤسسات المنتخبة ضمن النظام الملكي الدستوري، ونصَّ الفصل 47 تحديدًا على أن يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب. وفي حالة المنصوري، اجتمعت السابقة الاجتماعية مع الآلية الدستورية: حزبها تصدّر، والملك عيّنها رئيسة للحكومة وفق النص الدستوري.
وهذا يجعل الحدث مختلفًا عن مجرّد تعيين امرأة في منصبٍ كبير.
إنه يقول إنَّ تطور المجتمعات لا يحدث دائمًا عبر القطيعة والصدام. أحيانًا يحدث من داخل المؤسسات نفسها، حين تتغير تدريجيًا هوية الأشخاص الذين يستطيعون الوصول إلى المواقع التي كانت يومًا حكرًا على فئة واحدة.
ولعلَّ التحدي الأكبر أمام المنصوري سيكون ألّا تبقى في الذاكرة باعتبارها “أول امرأة” فقط.
إذا نجحت حكومتها، سيصبح السؤال بعد سنوات أقل ارتباطًا بجنس رئيس الحكومة وأكثر ارتباطًا بما أنجزته الحكومة. وإذا حدث ذلك، تكون السابقة قد حققت معناها الحقيقي: أن يصبح وجود امرأة في الموقع أمرًا طبيعيًا لا يحتاج في كل مرة إلى تفسير.
المغرب سجّل في 29 أيلول (سبتمبر) 2026 تاريخًا جديدًا في مساره السياسي. لكن التاريخ لا يمنح الحكومات حصانة، ولا يعالج البطالة، ولا يخفض الأسعار، ولا يصلح المدرسة والمستشفى.
فاطمة الزهراء المنصوري دخلت التاريخ لحظة تعيينها.
أما منذ تلك اللحظة، فقد بدأت السياسة.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



