مَن يَحكُمُ العالم عندما لا يستطيعُ أحدٌ التحكُّمَ به؟
كابي طبراني*
في عالمٍ تمتلك فيه الولايات المتحدة أقوى جيش، وتحتفظ بأوسع شبكة من التحالفات، وتواصل فيه الصين توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي، تبدو مفارقة النظام الدولي الجديد أكثر وضوحًا من أيِّ وقتٍ مضى: تتعاظم أدوات القوة، لكنَّ القدرة على التحكُّم بنتائج استخدامها تصبح أكثر تعقيدًا. فالدول الكبرى تستطيع فرض عقوبات، وشنّ عمليات عسكرية، والتأثير في الأسواق والتكنولوجيا، لكنها لا تستطيع دائمًا إجبار خصومها على تغيير سلوكهم، أو حلفائها على تبنّي خياراتها، أو شركائها الاقتصاديين على الانحياز إليها. وليست هذه المفارقة دليلًا على نهاية القيادة الأميركية أو بداية هيمنة صينية محتومة، بل تعبيرًا عن تحوُّلٍ أعمق في طبيعة القوة نفسها، وفي القواعد التي تحكم ممارستها.
لقد اعتاد العالم، منذ انتهاء الحرب الباردة، على نظامٍ دولي تمتّعت فيه الولايات المتحدة بموقع استثنائي، مكّنها من التأثير في الاقتصاد العالمي والترتيبات الأمنية والمؤسسات الدولية. ولا تزال واشنطن تحتفظ بمزايا عسكرية ومالية وتكنولوجية يصعب على أيِّ قوة أخرى مجاراتها مجتمعةً. غير أنَّ التحوّلات التي شهدتها العقود الأخيرة جعلت النفوذ أقل ارتباطًا بالتفوّق التقليدي وحده، وأكثر اعتمادًا على شبكات التجارة والتمويل والتكنولوجيا، وعلى قدرة الدول على بناء الشراكات وإدارة المصالح المتعارضة. فالعالم لا ينتقل ببساطة من قيادة أميركية إلى قيادة صينية، وإنما يتّجه نحو بيئة دولية أكثر تشابكًا، تتنافس فيها القوى الكبرى، وتوسّع الدول المتوسطة والصغيرة خياراتها، وتكتسب فيها جهات غير حكومية قدرة متزايدة على التأثير في الأمن والاقتصاد الدوليين.
لعلَّ البحر الأحمر يقدّم أحد أكثر الأمثلة دلالة على هذا التحوّل. فالحوثيون، الذين نَشَؤوا في سياق صراعٍ يمني محلي، باتوا قادرين على تهديد الملاحة الدولية وإرباك حركة التجارة ورفع كلفة حماية أحد أهم الممرّات البحرية في العالم. وقد أدّى الدعم الإيراني في مجالات التسليح والتكنولوجيا والخبرة العسكرية دورًا محوريًا في تطوير قدراتهم، إلى جانب الخبرات المحلية وشبكات الإمداد والتمويل التي استفادوا منها. لكنَّ أهمية هذه التجربة لا تكمن في تصوير الجماعة قوةً لا تُقهَر، أو اعتبار قدرتها على التعطيل انتصارًا استراتيجيًا، بل في كشف صعوبة مواجهة تنظيمات تستطيع التكيّف مع الضربات وإعادة بناء بعض قدراتها عبر شبكات متعدّدة الأطراف. فالعمليات العسكرية قد تُدمّر منصّات إطلاق ومخازن أسلحة، والعقوبات قد تعرقل التمويل والتسليح، لكنَّ إنهاء التهديد بصورة مستدامة يحتاج إلى استراتيجية أوسع تعالج مصادر الإمداد والظروف السياسية التي تسمح باستمراره.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات المرحلة الراهنة: لم تفقد القوة العسكرية قيمتها، لكنَّ الفجوة بين القدرة على إلحاق الضرر بالخصم والقدرة على تحقيق نتيجة سياسية دائمة أصبحت أكثر وضوحًا. وينطبق الأمر، بدرجات مختلفة، على أدوات الضغط الاقتصادي أيضًا. فالولايات المتحدة لا تزال في قلب النظام المالي العالمي، ويحتفظ الدولار بمكانته المهيمنة، كما تتمتّع الشركات والمؤسسات الأميركية بنفوذ واسع في قطاعات التمويل والتكنولوجيا المتقدّمة. ومع ذلك، فإنَّ تنوّع سلاسل الإنتاج، وتوسّع التجارة مع الصين، وتطوّر ترتيبات مالية وتجارية مكمّلة، يمنح بعض الدول هامشًا أوسع للمناورة. ولا يعني ذلك اقتراب نهاية هيمنة الدولار أو ظهور نظام اقتصادي بديل متكامل، بل يعني أنَّ استخدام النفوذ المالي لم يعد يجري في بيئة تفتقر فيها الدول الأخرى إلى الخيارات بالقدر الذي كان قائمًا في السابق.
من هذه الزاوية، يبدو الصعود الصيني أكثر تعقيدًا من الصورة الشائعة عن قوة تسعى ببساطة إلى إزاحة الولايات المتحدة واحتلال مكانها. فبكين تريد بلا شك توسيع نفوذها وتقليص قدرة واشنطن على تحديد قواعد اللعبة الدولية منفردةً، لكنها تستفيد في الوقت نفسه من الأسواق والمؤسسات التي يقوم عليها النظام القائم. وهي تسعى، عبر علاقاتها الاقتصادية ومبادراتها الديبلوماسية والأمنية، ومنها مبادرة الأمن العالمي، إلى اكتساب دور أكبر في صياغة الأولويات الدولية. غير أنَّ هذا الطموح لا يلغي التناقضات المرتبطة بالسياسات الصينية، ولا المخاوف من ممارساتها الإقليمية أو من انتشار تقنيات المراقبة والقيود السياسية المرتبطة بنموذجها الداخلي. فالتحدّي بالنسبة إلى بقية العالم لا يتمثّل في الاختيار بين قبول النفوذ الصيني أو رفضه بالكامل، بل في التمييز بين فرص التعاون معه والمخاطر التي قد تنشأ عن تحوّله إلى مصدر جديد للهيمنة.
وتكشف مواقف دول جنوب شرق آسيا عن أهمية هذا التمييز. فهذه الدول، على اختلاف ظروفها وحساباتها، تجمع بين علاقات اقتصادية وثيقة مع الصين وشراكات أمنية وسياسية متفاوتة مع الولايات المتحدة وحلفائها. وهي لا تسعى بالضرورة إلى استبدال قوة مهيمنة بأخرى، بل إلى منع أيِّ طرفٍ من احتكار خياراتها الاستراتيجية. غير أنَّ هذه المقاربة ليست سهلة، لأنَّ اشتداد المنافسة الأميركية–الصينية قد يفرض عليها قرارات صعبة في مجالات التكنولوجيا والاتصالات وسلاسل الإمداد والتجارة. فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني الوقوف خارج صراعات القوى الكبرى، وإنما امتلاك القدرة على إدارة تداعياتها وتقليل كلفتها، من دون التفريط بالمصالح الوطنية الأساسية.
تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في الخليج العربي، حيث تتداخل اعتبارات الأمن التقليدي مع تحوّلات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا. فدول مجلس التعاون الخليجي لا تزال تدرك أهمية الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة، وما توفّره من قدرات عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية يصعب تعويضها في المدى المنظور. لكنها، في الوقت نفسه، توسّع علاقاتها الاقتصادية مع الصين، وتنفتح على قوى دولية أخرى، وتستثمر في تنويع اقتصاداتها وتطوير صناعاتها وقدراتها الدفاعية. وليس في ذلك تناقض بالضرورة، لأنَّ الحفاظ على الشراكات الأمنية القائمة لا يتعارض مع السعي إلى تقليل الاعتماد المفرط على أي شريك خارجي. فدول الخليج لا تبحث عن استبدال مظلّة حماية بأخرى، بقدر ما تحاول الانتقال من مفهوم الأمن القائم أساسًا على الضمانات الخارجية إلى مفهوم أشمل يرتكز أيضًا على المناعة الاقتصادية والتكنولوجية والقدرة الذاتية.
لكنَّ هذا التحوّل يحمل تحدّيات لا تقل أهمية عن الفرص التي يتيحها. فالتعاون التكنولوجي مع الصين قد يثير حساسيات أميركية تتعلّق بأمن المعلومات والأنظمة الدفاعية، كما أنَّ الارتباط العميق بالأسواق العالمية يجعل اقتصادات الخليج عرضة لتداعيات العقوبات والتوتّرات التجارية واضطرابات سلاسل الإمداد. لذلك، لا يكفي تنويع الشراكات الديبلوماسية والاقتصادية لتحقيق استقلال استراتيجي فعلي؛ إذ لا بدَّ من بناء قدرات وطنية في البحث العلمي والصناعات المتقدّمة والأمن السيبراني والدفاع، وتعزيز التنسيق الخليجي لحماية الممرّات البحرية والمنشآت الحيوية وأمن الطاقة. فالحماية الخارجية تظلّ ضرورية، لكنها لم تعد كافية وحدها لضمان أمن طويل الأمد في عالم تتغيّر فيه مصادر التهديد وأدوات النفوذ بوتيرة متسارعة.
مع ذلك، سيكون من الخطأ افتراض أنَّ تراجع قدرة أي قوة منفردة على التحكّم بالنظام الدولي سيؤدّي تلقائيًا إلى عالمٍ أكثر توازنًا وعدالة. فقد يحمل تعدّد مراكز النفوذ مخاطر إضافية إذا لم ترافقه قواعد واضحة لإدارة المنافسة ومنع النزاعات. فالدول المتوسطة قد تكتسب مساحة أوسع للمناورة، لكنها قد تتعرّض أيضًا لضغوط متناقضة من القوى الكبرى، فيما تستطيع الجماعات المسلّحة استغلال الخلافات الدولية لتعزيز قدرتها على التعطيل. وقد تصبح المؤسسات الدولية أقل فاعلية إذا تحوّلت إلى ساحات لتبادل الاعتراضات بدلًا من إنتاج التسويات. ومن هنا، فإنَّ المشكلة ليست في توزّع القوة بحدّ ذاته، بل في احتمال أن تتغيّر موازينها بسرعة تفوق قدرة النظام الدولي على تطوير قواعد تضبط استخدامها.
وهذا ما يضع الولايات المتحدة والصين أمام اختبارٍ يتجاوز المنافسة على النفوذ. فالولايات المتحدة لا تزال مؤهّلة لأداء دور قيادي أساسي في الحفاظ على الاستقرار الدولي، ليس فقط بفضل قدراتها العسكرية والاقتصادية، بل أيضًا بما تمتلكه من تحالفات ومؤسسات وشبكات ابتكار ومعرفة. غير أنَّ استدامة هذا الدور تتطلّب الجمع بين الردع والمصداقية، وبين الدفاع عن المصالح الأميركية واحترام مصالح الشركاء، بدلًا من افتراض أنَّ التفوّق يمنح واشنطن قدرة غير محدودة على تحديد خيارات الآخرين. أما الصين، فعليها أن تدرك أنَّ النفوذ التجاري لا يضمن قبولًا سياسيًا دائمًا، وأنَّ الدعوة إلى احترام السيادة والتعاون الدولي تفقد صدقيتها إذا لم تنعكس في التعامل مع الدول الأصغر والمنازعات الإقليمية. ففي عالمٍ تتكاثر فيه البدائل، قد تكون القدرة على كسب الثقة أكثر استدامة من القدرة على فرض التبعية.
إنَّ السؤال عمَّن يحكم العالم لم يعد يجد إجابته في ترتيب الدول بحسب حجم جيوشها أو اقتصاداتها، على أهمية هذه المقاييس. فالقوة ستظلّ عنصرًا حاسمًا في العلاقات الدولية، لكنَّ تأثيرها سيتوقّف أكثر فأكثر على كيفية استخدامها، وعلى قدرة أصحابها على بناء شراكات تستند إلى المصالح المتبادلة وقواعد يمكن الدفاع عنها. وبالنسبة إلى دول الخليج، لا تكمن الفرصة في الابتعاد عن حليفٍ لمصلحة آخر، بل في امتلاك خيارات أوسع وقدرات أقوى تتيح لها حماية مصالحها وسط التنافس الدولي. أما بالنسبة إلى القوى الكبرى، فالتحدّي الحقيقي ليس إثبات قدرتها على التأثير في العالم، بل تعلّم حدود قدرتها على التحكّم به. فالعالم لا يفتقر إلى الأقوياء؛ ما يفتقر إليه هو قواعد تجعل قوتهم عامل استقرار، لا مصدرًا دائمًا للفوضى.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ ستة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). وأخيرًا “أمن الخليج في زمن التحولات الكبرى”: البحث عن نظام استراتيجي جديد”، (2026). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



