أميركا والصين وباكستان في الشرق الأوسط… أَينَ الهند؟
كابي طبراني*
ينشغل العالم بمستقبل الدور الأميركي في الشرق الأوسط، وبالنفوذ الصيني المتنامي، وبالحضور الأمني الباكستاني الذي بدأ يفرض نفسه في حسابات المنطقة. لكنَّ سؤالًا أساسيًا يكاد يغيب عن هذا النقاش: أين الهند، الدولة الأكبر سكانًا في العالم، وإحدى أكبر قواه الاقتصادية، من التحوّلات التي تُعيدُ رَسمَ موازين القوى في الخليج والشرق الأوسط؟
تبدو المفارقة لافتة. فالهند التي تطمح إلى أن تصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم، وترتبط بالخليج بشبكةٍ واسعة من المصالح التجارية والطاقوية والمالية والبشرية، لا تتمتع حتى الآن بنفوذٍ سياسي وأمني يوازي حجم حضورها الاقتصادي. لقد أصبح استقرار الخليج شرطًا من شروط صعودها، لكنَّ دورها في صياغة الترتيبات التي تحمي هذا الاستقرار لا يزال محدودًا. تلك إحدى المُعضِلات الاستراتيجية التي كشفتها الحرب على إيران: كيف يمكن لقوة آسيوية بهذا الحجم أن تعتمد في جانبٍ أساسي من أمنها الاقتصادي على منطقة لا تؤدّي دورًا متناسبًا مع مصالحها في تحديد مستقبلها؟
لم يعد الخليج بالنسبة إلى نيودلهي مجرّد مصدرٍ للنفط والغاز أو سوق واسعة لصادراتها. فقد تحوّل خلال العقود الماضية إلى ركيزة أساسية للاقتصاد الهندي، تتداخل فيها التجارة والاستثمارات والطاقة والعمالة والتحويلات المالية وسلاسل الإمداد. بلغ حجم التبادل التجاري السلعي بين الهند ودول المنطقة، بما فيها العراق وإيران، نحو 208 مليارات دولار في السنة المالية 2025-2026، أي ما يقارب 17% من تجارتها الخارجية. يعيش في الخليج أيضًا نحو عشرة ملايين هندي، فيما أصبحت الاستثمارات الخليجية مصدرًا مهمًّا لتمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا في بلادهم.
تكشف هذه الأرقام عمق الترابط، لكنها تكشف أيضًا حجم المخاطر. فالاضطراب الذي يصيب مضيق هرمز لا يتوقف أثره عند ناقلات النفط، بل ينتقل إلى المصانع والمزارع والأسواق الهندية، ويرفع كلفة الغذاء والأسمدة والكهرباء والنقل. وقد أظهرت الحرب أنَّ تنويع مورّدي الطاقة لا يكفي لحماية اقتصاد يرتبط بالخليج عبر مصالح يصعب تعويضها دفعة واحدة.
نجحت الهند نسبيًا في احتواء الصدمة الأولى، بعدما وسّعت مشترياتها النفطية من روسيا وأفريقيا والولايات المتحدة، مستفيدةً من مرونة اقتصادها وقدرتها على تعديل سلاسل الإمداد. لكنَّ البدائل جاءت بكلفة أعلى ومسافات نقل أطول، وبعضها ظلّ مرهونًا باستثناءات أميركية من العقوبات. أما اضطراب إمدادات الغاز، وخصوصًا من قطر، فقد كشف هشاشة أكبر، نظرًا إلى ارتباط هذا المورد بإنتاج الأسمدة والصناعة والاستهلاك المنزلي. الصمود الاقتصادي، مهما بدا مشجّعًا، لا يلغي الانكشاف الاستراتيجي.
المشكلة الأعمق أنَّ نيودلهي اعتادت التعامل مع الخليج من منظور المصالح الاقتصادية والعلاقات الثنائية، أكثر من النظر إليه باعتباره جُزءًا من بيئتها الأمنية المباشرة. وقد نجحت طوال سنوات في المحافظة على علاقات متوازنة مع دول الخليج وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، مستفيدةً من قدرتها على التواصل مع أطرافٍ متعارضة. غير أنَّ الحرب جعلت هذه المرونة أكثر صعوبة. فحماية ملايين الهنود المقيمين في المنطقة، وضمان مرور ناقلات الطاقة، والحفاظ على الشراكات الدولية، باتت أهدافًا تتداخل وتتعارض أحيانًا.
هنا تبرز مفارقة القوة الهندية. فالدولة التي تطمح إلى موقعٍ متقدّم في النظام الدولي لا تزال تعتمد بدرجةٍ كبيرة على ترتيبات أمنية لا تشارك في صياغتها بما يتناسب مع مصالحها. تستطيع البحرية الهندية حماية بعض السفن وتعزيز تعاونها مع سلطنة عُمان، لكنها لا تملك حضورًا إقليميًا يوازي حجم ارتباط اقتصادها بالممرات البحرية الخليجية. كما أنَّ انشغالها بمواجهة التحدّي الصيني والتوتر المزمن مع باكستان يحدّ من قدرتها على توسيع التزاماتها العسكرية.
ازدادت هذه المُعضِلة تعقيدًا مع صعود الدور الباكستاني في الترتيبات الأمنية الخليجية، ولا سيما من خلال تعزيز التعاون الدفاعي مع السعودية. لا يعني ذلك أنَّ إسلام آباد أصبحت بديلًا من نيودلهي، أو أنَّ دول الخليج تنظر إلى علاقاتها الآسيوية بمنطق المحاور المتنافسة. لكنه تطوّرٌ يستحقُّ التوقف عنده: باكستان توسّع حضورها في المجال الأمني، بينما تبقى الهند، رغم ثقلها الاقتصادي الأكبر، أقل تأثيرًا في هذا الجانب من المعادلة.
الصين بدورها حاضرة بقوة في المشهد. فهي شريكٌ تجاري رئيسي لدول الخليج، ومشترٍ أساسي لنفطها، وتتمتع بقدرات مالية واحتياطات طاقة تمنحها هامشًا أوسع لامتصاص الصدمات. حضورها العسكري في جيبوتي، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، يضيف بُعدًا استراتيجيًا إلى نفوذها الاقتصادي. تجد الهند نفسها بذلك أمام واقعٍ غير مريح: منافسها الصيني يوسّع نفوذه الاقتصادي، وخصمها الباكستاني يعزّز علاقاته الأمنية، فيما يظلّ دورها السياسي أقل من وزن مصالحها.
لكنَّ الخليج ليس ساحة مُغلَقة أمام الهند، ولا ينبغي أن يتحوّل إلى امتدادٍ لصراعات القوى الآسيوية. فدول المنطقة تحتاج إلى شراكات متنوّعة ومستقرة، والهند تملك مقوّمات تجعلها شريكًا مهمًا: سوقًا ضخمة، وقاعدة صناعية وتكنولوجية متنامية، وروابط بشرية عميقة، ومصالح مشتركة في أمن الطاقة والملاحة. المطلوب ليس أن تُنافس نيودلهي واشنطن عسكريًا، أو أن تدخل في سباق نفوذ مع بكين وإسلام آباد، بل أن تنتقل من الاستفادة من استقرار الخليج إلى الإسهام المنظّم في حمايته.
يبدأ ذلك بتعزيز التعاون البحري وتبادل المعلومات الأمنية، وتطوير الموانئ ومسارات النقل البديلة، وتوسيع الاحتياطات الاستراتيجية من الطاقة، إلى جانب بناء آليات دائمة لحماية الجاليات الهندية خلال الأزمات. تحتاج نيودلهي أيضًا إلى دورٍ ديبلوماسي أكثر حضورًا في جهود التهدئة، وإلى شراكاتٍ إقليمية تتجاوز العلاقات الثنائية المتفرّقة من دون أن تنزلقَ إلى اصطفافاتٍ عسكرية.
لقد أثبتت الحرب أنَّ أمن الخليج ليس مسألة إقليمية محدودة، بل أحد شروط استقرار الاقتصاد الآسيوي. والهند، بحجمها السكاني وطموحها الاقتصادي واتساع مصالحها، لا تستطيع أن تبقى مُتلقّية لنتائج الترتيبات الأمنية التي يصوغها الآخرون. السؤال لم يعد ما إذا كانت الهند معنية بمستقبل الشرق الأوسط، بل متى وكيف ستترجم هذا الارتباط العميق إلى دورٍ سياسي واستراتيجي يوازي مكانتها. فالقوة الاقتصادية التي تعتمد على استقرار الآخرين، من دون أن تسهم في ترسيخه، تظلّ مكشوفة مهما اتسع حجم اقتصادها.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ ستة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). وأخيرًا “أمن الخليج في زمن التحولات الكبرى”: البحث عن نظام استراتيجي جديد”، (2026). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



