سرابُ بوتين في البحر الأحمر: كيفَ أضاعَ الكرملين حُلمَ القاعدة السودانية؟
من ذهب السودان إلى حربه الأهلية، تكشف شهادة ديبلوماسي روسي سابق كيف تحوّل طموح موسكو إلى سلسلة من الرهانات الخاسرة، وكيف جعلت تقلّبات الكرملين السياسية مشروع قاعدته البحرية رهينةً لصراعات السلطة وحسابات القوى الإقليمية.

سيرغي كونياشين*
مضى نحو عقد على إعلان روسيا، بفخر، عزمها إنشاء قاعدة بحرية في السودان، في خطوةٍ كانت تطمح من خلالها إلى ترسيخ موقعها بين القوى المؤثرة في البحر الأحمر. لكن السنوات التي تلت ذلك الإعلان غيّرت المشهد جذريًا. فقد شهد السودان تعاقب أنظمة الحكم، ثم انزلق إلى حرب أهلية، فيما شنّت روسيا حربها على أوكرانيا. واليوم، تتفاقم أزمة عالمية في حركة الشحن البحري، لم تعد تقتصر على مضيق هرمز، بل امتدت تداعياتها إلى البحر الأحمر أيضًا.
ورُغم مرور كل هذه السنوات، لم ترَ القاعدة الروسية النور، من دون أن يُعلَن رسميًا التخلي عن المشروع. وفي الوقت الذي تحاول فيه موسكو التكيّف مع عزلتها الدولية المتزايدة، تواصل البحث عن موطئ قدم ونفوذ في أفريقيا، وفق حسابات خاصة تفرضها ظروفها الراهنة.
قد توحي التحركات الديبلوماسية الروسية الأخيرة بأنَّ موسكو حسمت أخيرًا موقفها من الحرب الأهلية السودانية، واختارت الوقوف إلى جانب أحد طرفيها. ففي 11 أيلول (سبتمبر)، عرقلت روسيا في الأمم المتحدة مُقترحًا تدعمه الولايات المتحدة لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور منذ عام 2005، بحيث يشمل السودان بأكمله، مؤكدة أنها “لن تسمح حتى بمجرد تلميح لتوسيع القيود”. وبعد ذلك بأسبوعين، في 25 أيلول (سبتمبر)، عقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لقاءً لافتًا مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، بعد خمسة أيام فقط من إعلان مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، أنَّ واشنطن لا تعترف بالحكومة المدعومة من الجيش السوداني، وأن تعاملها معها يقتصر على اعتبارها “سلطة أمر واقع”.
غير أنَّ هذه التحركات لا تعكس بالضرورة تحوّلًا استراتيجيًا في السياسة الروسية بقدر ما تكشف استمرار نهج مألوف: الانحياز إلى الطرف الذي ترجّح موسكو كفّته في اللحظة الراهنة. ومن واقع تجربتي ديبلوماسيًا روسيًا عمل في الخرطوم بين عامي 2014 و2018، أستطيع القول إنَّ هذا السلوك يختصر إلى حد بعيد طريقة تعامل الكرملين مع السودان، ومع أفريقيا عمومًا. فعند كل منعطف رئيسي في تاريخ السودان الحديث، جاءت الاستجابة الروسية ردّ فعل على تطورات سبقتها، وغالبًا بعد فوات الأوان. وكان مشروع القاعدة البحرية في البحر الأحمر من أبرز ضحايا هذا النهج المتقلّب.
الواقع أنَّ الحديث عن علاقات روسية ـ سودانية بالمعنى المؤسسي المتعارَف عليه يبدو مضلّلًا؛ فمثل هذه العلاقات لم تتبلور يومًا على أسس ثابتة. ما قام فعليًا كان أقرب إلى علاقة شخصية بين الرئيس فلاديمير بوتين ومَن يتولى السلطة في السودان في مرحلة معينة. وخلال السنوات التسع الماضية، وجد الكرملين نفسه مضطرًا إلى التفاوض على أعلى المستويات مع ثلاثة أشخاص مختلفين على الأقل. وفي كل مرة كان السودان يشهد فيها اضطرابًا سياسيًا، كانت التفاهمات السابقة تتبدد، لتجد موسكو نفسها أمام مهمة إعادة بناء علاقاتها من نقطة الصفر.
ذهب الدم
بدأت موسكو مفاوضاتها لإنشاء قاعدة بحرية على البحر الأحمر عندما كان السودان لا يزال تحت حكم عمر البشير، الذي استولى على السلطة بانقلاب عسكري عام 1989. وخلال زيارته إلى سوتشي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، قال البشير، وفقًا لمحضر نشره الكرملين: “نحن بحاجة إلى حماية من الإجراءات الأميركية العدوانية”، مقترحًا مناقشة إمكان “استخدام قواعد عسكرية في البحر الأحمر”.
في الفترة نفسها تقريبًا، حصلت شركة “أم-إنفست” (M-Invest)، التابعة ليفغيني بريغوجين، مؤسس شبكة المرتزقة الروسية، على امتيازات للتنقيب عن الذهب في السودان، وفقًا لوزارة الخزانة الأميركية. وكان فرع للشركة قد سُجّل في السودان خلال صيف ذلك العام باسم “مِروي غولد” (Meroe Gold).
اعتمدت عمليات التعدين في مواقع “مِروي غولد” على وسائل بدائية لخفض التكاليف وزيادة الأرباح، واستعانت بمئات العمال المحليين في ظروف عمل قاسية بلغت، عمليًا، حدّ العبودية. ورغم الاستخدام الخطير للزئبق، لم يحصل العمال السودانيون على معدات للوقاية. وبحسب مصادري، أصيب كثيرون منهم بتسمّم كيميائي حاد، فيما توفي بعضهم. أما الذين حاولوا الاحتجاج على هذه الممارسات، فتعرّضوا لقمع وحشي على أيدي مرتزقة “مجموعة فاغنر” التابعة لبريغوجين، وسط تواطؤ ضمني من الأجهزة الأمنية في نظام البشير.
وقعت أبرز هذه الحوادث في محيط منطقة أبو حمد، التي تحمل اسم منجم الذهب القريب منها، في ولاية نهر النيل. ففي عام 2017، شهدت المنطقة احتجاجات واسعة على أنشطة التنقيب الروسية وما تسببت به من تلوّث بيئي. وخلال قمع تلك الاحتجاجات، أطلق عناصر من “مجموعة فاغنر” النار على المتظاهرين بأسلحةٍ آلية.
وبحسب تقارير غير رسمية، أسفر إطلاق النار في أبو حمد عن مقتل ما لا يقل عن 73 شخصًا، بينهم أطفال. وهكذا، فإنَّ روسيا، التي دأبت على اتهام الدول الأوروبية بارتكاب جرائم استعمارية خلال القرون الماضية، لم تقدّم في السودان، خلال القرن الحادي والعشرين، نموذجًا أفضل. ولم تكتفِ السلطات السودانية بعدم التدخل لمنع هذه المجزرة بحق مواطنيها، بل سعت أيضًا إلى التستر على المعلومات المتعلقة بها وبحوادث مماثلة.
تكشف وثائق حصل عليها “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد” (OCCRP) وصحيفة “لوموند” أنَّ شركة “أم-إنفست” دفعت ملايين الدولارات إلى شركة “أسوار للأنشطة المتعددة”، التي يديرها جهاز الاستخبارات العسكرية السوداني. كذلك، تنازلت الرئاسة السودانية لمصلحة “مروي غولد” عن حصة الدولة البالغة 30 في المئة في عدد من المشاريع. وكانت الطائرات التابعة لشركات التعدين الروسية تستخدم رموز نداء عسكرية، ما أتاح لها التحليق بعيدًا من أنظمة التتبع؛ وهو ترتيب ما كان ليصبح ممكنًا لولا الرعاية التي حظيت بها هذه الأنشطة من أعلى مستويات السلطة السودانية.
تغيير في قمة الهرم
لتحقيق كل تلك المكاسب، بدا أنَّ الكرملين لم يكن بحاجة إلى استمالة أكثر من شخصٍ واحد في السودان. لكن الاعتماد على هذا الشخص وحده كان يعني أيضًا أنَّ رحيله قد يطيح بكل ما حققته موسكو. وهذا ما حدث في نيسان (أبريل) 2019، عندما أطاح قادة عسكريون سودانيون بالرئيس عمر البشير، في خضم احتجاجات شعبية حاشدة شارك فيها الآلاف. وكان من بين هؤلاء القادة محمد حمدان دقلو موسى، المعروف باسم “حميدتي”.
بعد الإطاحة بالبشير، انتقلت السلطة رسميًا إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، فيما تولى حميدتي منصب نائبه. وعلى خلاف حميدتي، الذي كانت تربطه علاقات وثيقة بالشركة العسكرية الخاصة التابعة ليفغيني بريغوجين، لم يكن البرهان معروفًا لدى الحكومة الروسية. فلم يرد اسمه قط في التقارير والإيجازات والبرقيات المشفّرة الكثيرة التي أعددناها، أنا وزملائي، وأرسلناها إلى موسكو. ولم يكن أحد يعرف على وجه الدقة مَن هو أو إلى أي جهة يميل. وفجأة، وجد هذا الرجل، المجهول بالنسبة إلينا، نفسه على رأس السلطة في السودان.
لم يكن مستغربًا، والحال هذه، أن تجد السياسة الخارجية لبوتين، بطابعها الشخصي الشديد واعتمادها على تصورات جامدة، صعوبة في التعامل مع شخصية مثل البرهان. فقد واصل الكرملين، لفترة طويلة، اتصالاته بحميدتي، الذي كان يعرفه منذ عهد البشير، بينما قدّم في الوقت نفسه دعمًا رسميًا لمجلس السيادة الانتقالي برئاسة البرهان.
لم يرَ أحد في هذا التناقض مشكلة آنذاك. لكنه تحوّل لاحقًا إلى معضلة حقيقية عندما أعلن الرجلان الحرب أحدهما على الآخر. أما في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، فلم يكن احتمال اندلاع صراع بينهما واردًا أصلًا في حسابات الكرملين.
في عام 2020، وهو العام الذي فرضت فيه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شركتي “أم-إنفست” (M-Invest) و”مروي غولد” (Meroe Gold)، باعتبارهما واجهتين لمجموعة “فاغنر” في السودان، ولاتهامهما بوضع “خطط لقمع المحتجين المطالبين بإصلاحات ديموقراطية”، عرضت الحكومة الروسية على الرئيس فلاديمير بوتين اتفاقية لإنشاء قاعدة لوجستية بحرية على البحر الأحمر. ووافق بوتين على المقترح، قبل أن تُوقَّع الاتفاقية في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه.
بموجب الاتفاقية، حصلت روسيا على حق نشر ما يصل إلى 300 عسكري ومدني في بورتسودان، واستقبال أربع سفن حربية في وقت واحد، بما فيها سفن تعمل بالطاقة النووية. وحُدّدت مدة الاتفاقية بخمسة وعشرين عامًا، منح السودان خلالها موسكو حق استخدام شريط ساحلي يضم أرصفة بحرية، من دون أي مقابل مالي.
لكن هذا الترتيب بدأ يتصدّع منذ عام 2021. فقد وقّع الجانب السوداني الاتفاقية في الخرطوم في 23 تموز (يوليو) 2019، باسم “مجلس السيادة الانتقالي”، بعد ثلاثة أشهر من الإطاحة بنظام البشير. أما التوقيع الروسي فلم يتم إلّا في الأول من كانون الأول (ديسمبر) 2020، في موسكو. وفي تموز (يوليو) 2021، أحال بوتين الاتفاقية إلى مجلس الدوما للمصادقة عليها، لكن الخرطوم أعلنت، بعد ذلك بوقت قصير، عزمها مراجعة بنودها، بحجة أنَّ الوثيقة أُعدّت في عهد النظام السابق من دون مراعاة المصالح الوطنية السودانية في المرحلة الجديدة، فضلًا عن أنها لم تحصل على موافقة البرلمان السوداني.
في تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه، أقدم البرهان وحميدتي على حلّ المكوّن المدني في الحكومة السودانية، الذي كان يمثّل آخر قوة موازنة للمؤسسات الأمنية والعسكرية المتنافسة على السلطة. وكان كل منهما يسعى إلى إحكام سيطرته على الحُكم.
مع ذلك، تصرّف المسؤولون الروس كما لو أنَّ شيئًا لم يتغيّر. فقد أعلن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، في تصريحٍ لوكالة “إنترفاكس”، أنَّ الجيش الروسي يتولى متابعة ملف القاعدة البحرية على البحر الأحمر، مؤكدًا أنَّ “الأمور تسير وفقًا لما هو مُخطَّط له”.
في شباط (فبراير) 2023، زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الخرطوم، حيث التقى البرهان وحميدتي كلًا على حدة. وبعد الزيارة، أعلن أنَّ تعديلات أُدخلت على الاتفاقية الأساسية، وأنَّ الوثيقة أصبحت تنتظر مصادقة البرلمان السوداني. وكان لافروف يعلم، بطبيعة الحال، أنَّ البرلمان السوداني لم يعد موجودًا. وربما كان يدرك أيضًا احتمال أن يتحوّل الرجلان اللذان تفاوض معهما إلى خصمين يتبادلان إطلاق النار بعد بضعة أشهر.
حرب شاملة
في 15 نيسان (أبريل) 2023، شنّت قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي هجومًا على الجيش السوداني، لتدخل البلاد في حرب أهلية مدمّرة لا تزال مستمرة. في البداية، وجدت موسكو نفسها منحازة إلى طرفٍ لم تختره في تلك اللحظة، بل كان خيارها قد تحدّد منذ عام 2017، عندما قرّر يفغيني بريغوجين أنَّ مصالحه تقتضي التعامل مع الرئيس عمر البشير وحليفه حميدتي، الذي كان يسيطر على أنشطة تعدين الذهب.
قُتل بريغوجين في عام 2023، وأُعيد تنظيم وحداته المسلحة تحت اسم “الفيلق الأفريقي” (Africa Corps)، الذي أصبح خاضعًا لوزارة الدفاع الروسية. ولم يبقَ من إرثه في السودان سوى عدد محدود من المقاتلين، ربما لا يتجاوز بضع مئات، وفق تقديرات مستقلة. ومع رحيله، فقد الكرملين الأداة الأساسية التي كان يعتمد عليها لتنفيذ سياسة بوتين في السودان، بل الأداة الوحيدة التي كانت متاحة له عمليًا.
في 7 آذار (مارس) 2024، أشار ممثل روسيا أمام مجلس الأمن الدولي، للمرة الأولى، إلى استعداد “الحكومة السودانية”، أي حكومة البرهان، للتوصل إلى تسوية، ودعا “الطرف الآخر”، في إشارة إلى حميدتي، إلى تقديم المصلحة الوطنية على “الطموحات الشخصية”. وفي اليوم التالي، امتنعت موسكو عن التصويت على قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار خلال شهر رمضان، وهو قرارٌ كان من شأنه إضعاف موقف الجيش السوداني، الذي كان يخوض آنذاك معارك ضد قوات الدعم السريع لاستعادة ضواحي الخرطوم.
منذ ذلك الحين، أخذت التحرّكات الروسية في السودان تتبع بدقة تطورات المعارك وموازين القوى على الأرض. ففي أواخر نيسان (أبريل)، زار نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف بورتسودان، وأكد اعتراف موسكو بـ”مجلس السيادة الانتقالي” باعتباره الممثل الشرعي للشعب السوداني. وكانت موسكو قد استضافت، قبل ذلك بأسبوع، أحمد مفضل، رئيس جهاز الاستخبارات السوداني في حكومة البرهان، الذي يُقال إنَّ الجانب الروسي عرض من خلاله على الجيش السوداني تقديم “مساعدات عسكرية عالية الجودة وغير محدودة”.
في 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2024، أسقطت قوات الدعم السريع طائرة شحن من طراز “إيل-76” فوق شمال دارفور، كانت تنقل إمدادات للجيش السوداني من بورتسودان إلى مدينة الفاشر المحاصرة. وكان على متنها روسيان وثلاثة عسكريين سودانيين. ومن خلال تحليل بيانات تتبّع الرحلات الجوية، توصّل صحافيون في وكالة “رويترز” إلى أنَّ الطائرة نفسها كانت، حتى تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، تنقل شحنات لمصلحة قوات الدعم السريع عبر تشاد، قبل أن تغيّر وجهتها في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، لتصبح في خدمة الجيش السوداني.
تغيير الولاءات
في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) منفردة في مجلس الأمن الدولي، دعمًا لـ”مجلس السيادة الانتقالي”، فأحبطت مشروع قرار بريطاني يدعو إلى وقف إطلاق النار في السودان. وقبل التصويت، قال ديبلوماسي في مجلس الأمن لوكالة “فرانس برس”، طالبًا عدم الكشف عن هويته، إنَّ روسيا باتت تبدو “أكثر انحيازًا بشكل واضح” إلى معسكر البرهان. وقد رحّب البرهان نفسه رسميًا بالموقف الروسي في اليوم ذاته. وبعد ثلاثة أسابيع، أعرب وزير الخارجية السوداني المكلّف عن شكره للسفير الروسي أندريه تشيرنوفول، مشيدًا بما وصفه بـ”إحباط روسيا لمؤامرة كبرى تهدف إلى التدخل الأجنبي”.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، بلغ عدد النازحين قسرًا في السودان، بحلول تشرين الأول (أكتوبر) 2026، نحو 11.3 مليون شخص، وهو رقم يتجاوز العدد الإجمالي للاجئين والنازحين داخليًا من أوكرانيا. كما تجاوز عدد القتلى 150 ألف شخص. وفي 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2025، سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد حصار دام ثمانية عشر شهرًا. ووثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل أكثر من ستة آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى، وما لا يقل عن ستين ألفًا على مدى ثلاثة أسابيع.
وقد ارتكب أعمال العنف هذه في دارفور، التي تصنّفها الولايات المتحدة رسميًا إبادة جماعية، مسلحو “الجنجويد” أنفسهم، الذين باتوا يُعرفون اليوم باسم “قوات الدعم السريع”، والذين اعتبرهم الكرملين طوال سنوات شركاءه الرئيسيين في السودان. وفي الوقت الذي كان فيه مقاتلو حميدتي يرتكبون المجازر بحق سكان الفاشر، قدّمت حكومة البرهان إلى موسكو مقترحًا جديدًا بشأن إنشاء القاعدة البحرية الروسية.
بحلول عام 2026، كان الجيش السوداني قد استعاد السيطرة على الخرطوم ومعظم مناطق كردفان، فيما وقفت روسيا في وجه محاولات توسيع حظر الأسلحة المفروض على السودان. وجاءت مبررات موسكو أمام مجلس الأمن صريحة على نحو لافت، إذ تساءلت عن سبب عدم إثارة مسألة الحظر عام 2023، “حين هددت قوات الدعم السريع بالاستيلاء على الخرطوم”، وعما إذا كان طرحها اليوم يعود إلى أنَّ “الحكومة وقواتها المسلحة باتت تتمتع بتفوق ميداني لا جدال فيه”.
بذلك، تقرُّ موسكو علنًا باستعداد الكرملين لدعم الأطراف القادرة على تحقيق النصر حتى من دون مساعدته. فـ”السياسة” الروسية تتحرك في الاتجاه الذي تدفعها إليه الظروف، ويبقى السؤال الحقيقي الوحيد: مَن الذي يمسك بزمام توجيهها؟
في شباط (فبراير) 2024، أوضح السفير الروسي أندريه تشيرنوفول أنَّ السودان “لم يتمكّن بعد من إتمام” إجراءات التصديق على اتفاقية القاعدة البحرية “بسبب حلِّ البرلمان”. وبعد عام، أعلن وزير الخارجية السوداني علي يوسف، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو، أنَّ “السودان وروسيا توصّلا إلى تفاهم متبادل بشأن اتفاقية القاعدة البحرية الروسية”. لكن تشيرنوفول عاد في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 ليؤكد أنه “نظرًا للصراع العسكري الراهن، فقد تم تعليق التقدم في هذه المسألة في الوقت الراهن”.
في الشهر التالي، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” البنود الرئيسية للمقترح السوداني الجديد، ليتبيّن أنها تكاد تتطابق تمامًا مع مسودة اتفاقية عام 2020. وهكذا، لم يتغيّر شيء يُذكر خلال السنوات الخمس التي أعقبت إعداد تلك الوثيقة، باستثناء الأشخاص الذين وقّعوا عليها أو أدلوا بتصريحات بشأنها.
ورقة مساومة
وفقًا لصحيفة “سودان تريبيون”، أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، خلال لقائه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في كانون الأول (ديسمبر) 2025، أنَّ مشروعَ إنشاء القاعدة البحرية الروسية قد جُمِّد، مُتعهّدًا بإبقائه مُعلَّقًا ما دامت الحاجة تقتضي ذلك. ويبدو أنَّ الخرطوم تستخدم مشروع القاعدة الروسية على البحر الأحمر ورقة مساومة مع الدول الغربية، قبل أن تُعيدَه إلى الأدراج كلما واجهت اعتراضًا من الرياض.
بين عامي 2022 و2024، امتنعت السودان عن التصويت على جميع قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بأوكرانيا. لكن في 24 شباط (فبراير) 2025، صوّتت الخرطوم ضد القرارات التي تقدّمت بها الدول الأوروبية والولايات المتحدة. وفي كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، صوّتت أيضًا ضد قرار يتعلق بإعادة الأطفال الأوكرانيين، لتنضم إلى مجموعة من اثنتي عشرة دولة فقط اتخذت هذا الموقف المثير للجدل. وجاء ذلك في وقت اختارت فيه مصر والمملكة العربية السعودية، اللتان تمدّان الجيش السوداني بالسلاح، الامتناع عن التصويت.
بذلك، ذهبت الخرطوم في دعم موسكو أبعد مما ذهب إليه داعموها أنفسهم، في خطوة يُرجَّحُ أنها تندرج ضمن حساباتها مع روسيا. فهي تستخدم ما يمكن اعتباره “أرخص عملة” في السياسة الدولية، أي صوتها في الأمم المتحدة، الذي لا يمنحها وزنًا فعليًا يُذكر. ومع ذلك، يبدو الكرملين مُستعدًا لقبول هذا المقابل، في مؤشر إلى مدى تقلّص هامش المناورة المُتاح له في السودان.
يحظى جيش البرهان حاليًا بدعم مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وإيران، ما يجعل الساحة مزدحمة بالقوى الخارجية حتى من دون احتساب روسيا. في المقابل، تتلقى قوات الدعم السريع دعمًا من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تُعد مركزًا رئيسيًا للالتفاف على العقوبات المفروضة على روسيا والسودان، بما فيها تلك المرتبطة بتجارة الذهب.
ومن شأن انحياز موسكو الكامل إلى الجيش السوداني أن يضعها في مواجهة مع أبوظبي، فيما يبقى خيار دعم قوات الدعم السريع مستبعدًا تمامًا، بعدما باتت في موقع الطرف الخاسر. وهكذا، يجد الكرملين نفسه شريكًا ثانويًا في تحالف من القوى الخارجية، لا يملك فيه سوى توظيف حق النقض (الفيتو) الذي يتمتع به في مجلس الأمن الدولي.
لذا، تتضح هنا أسباب إخفاق روسيا في إقامة قاعدتها العسكرية في السودان. فالمشروع لم يكن، في الأساس، جُزءًا من سياسة روسية متكاملة تجاه السودان، بل خطوة إضافية في سياق مواجهة موسكو مع الغرب. غير أنَّ انقلابَين عسكريين وحربًا أهلية مدمّرة أطاحت بحسابات الكرملين، الذي عجز منذ ذلك الحين عن استعادة زمام المبادرة. ففي كل منعطف حاسم من تاريخ السودان الحديث، كانت موسكو تتأخر عن الأحداث بخطوات عدة. ولم يكن ذلك مجرّد سوء حظ، بل نتيجة طبيعية لاستبدال العلاقات المؤسسية بين الدول بروابط شخصية مع حاكم يفتقر إلى الكفاءة ويتسم بالفساد.
لقد بات واضحًا أنَّ مشروع إنشاء قاعدة بحرية روسية في بورتسودان خرج من دائرة الاحتمالات العملية ما دام السودان غارقًا في حربه الأهلية. فالرياض وواشنطن لن تسمحا بتنفيذه، فيما يحتاج البرهان، في الظروف الراهنة، إلى دعمهما أكثر بكثير من حاجته إلى موسكو.
بل إنَّ فُرَصَ إقامة القاعدة تبدو معدومة حتى بعد انتهاء الحرب. فإذا خرج الجيش السوداني منتصرًا، فستكون أولويته تسوية التزاماته تجاه القاهرة والرياض وأنقرة، التي زوّدته بالسلاح. أما روسيا، فقد لا تنال، في أفضل الأحوال، أكثر من برقية ديبلوماسية منمّقة تشكرها على استخدامها حق النقض في مجلس الأمن. وهكذا، فإنَّ حلم الكرملين بفرض نفوذه على البحر الأحمر لم يكن، وربما لن يكون، أكثر من سراب.
- سيرغي كونياشين، دبلوماسي روسي سابق عمل في أفريقيا والشرق الأوسط.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.