الصحراء “المغربية”… ما بعد “المينورسو”

كابي طبراني*

لم يخسر المغرب معركة الصحراء في مجلس الأمن الدولي بسبب الفيتو الروسي، كما لم يحسمها نهائيًا بتعثر تجديد ولاية بعثة “المينورسو”. فما جرى في 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 كشف عن حقيقة سياسية أعمق: لقد نجحت الرباط في تغيير اتجاه النقاش الدولي حول النزاع، إلى حدٍّ بات معه استمرار الآليات القديمة موضع خلاف بين القوى الكبرى، بعدما شكّلت طوال عقود إطارًا شبه ثابت لإدارة القضية.

المشروع الأميركي، الذي حظي بتأييد إحدى عشرة دولة قبل أن تُسقطه روسيا بحق النقض، لم يكتفِ بالدعوة إلى تمديد مهمة البعثة الأممية، بل سعى إلى إعادة تحديد طبيعتها، وجعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية المرجعية الحصرية للمفاوضات. في المقابل، أخفق المشروع الروسي، الذي تمسّك بالصيغة التقليدية للبعثة، في تأمين الأغلبية اللازمة لاعتماده. والنتيجة أنَّ مجلس الأمن لم يتوصّل إلى قرار جديد، فيما بات مستقبل “المينورسو” أمام مرحلةٍ من الغموض المؤسسي.

لكنَّ قراءة الفيتو الروسي باعتباره موقفًا مناهضًا للمغرب وحده تُغفِلُ جانبًا أساسيًا من المشهد. فموسكو، التي تربطها علاقات استراتيجية وثيقة بالجزائر، تحرص أيضًا على الاحتفاظ بعلاقاتها مع الرباط. وهي تعترض، في الوقت نفسه، على منح واشنطن قدرة شبه منفردة على تحديد المرجعية النهائية لتسوية نزاع إقليمي. من هنا، فإنَّ المواجهة داخل المجلس تعكس تنافسًا على النفوذ الدولي بقدر ما تعكس خلافًا حول مستقبل الصحراء.

هذه المفارقة تمنح التقدُّم المغربي دلالةً إضافية. إنَّ الرباط لم تصل إلى موقعها الحالي نتيجة ظرف ديبلوماسي عابر، بل بفضل سياسة طويلة النفس، جمعت بين الاستمرارية في الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، وتوسيع الشراكات الدولية، وتعزيز حضورها الاقتصادي والأمني في أفريقيا. كما استفادت من تنامي الاقتناع لدى عدد من العواصم الغربية بأنَّ الاستفتاء الذي ارتبطت به مهمة “المينورسو” منذ إنشائها سنة 1991 لم يعد مسارًا عمليًا لإنهاء النزاع.

كان القرار 2797، الصادر في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، محطة مهمة في هذا التحوُّل، إذ عزز مكانة مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسًا للمفاوضات، من دون أن يحسم الوضع القانوني النهائي للإقليم. ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال الدولي محصورًا في كيفية إحياء استفتاءٍ تعثّر لعقود، بل أصبح متعلقًا بقدرة الحكم الذاتي على توفير تسوية سياسية قابلة للتنفيذ وتحظى بضمانات كافية.

هنا تكمن قوة المقاربة المغربية، ولكن أيضًا مسؤوليتها. فالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يطرح إطارًا يمكن أن يوفّق بين وحدة الدولة وخصوصية المنطقة، ويتيح لسكان الصحراء إدارة شؤونهم من خلال مؤسسات محلية ذات صلاحيات فعلية. غير أنَّ نجاح هذه الصيغة يتوقف على وضوح الضمانات الدستورية والسياسية والقضائية، وعلى مدى مشاركة السكان في صنع القرار، لا على اتساع التأييد الديبلوماسي وحده.

إنَّ المكاسب الدولية تفتح الطريق أمام التسوية، لكنها لا تمنحها تلقائيًا شرعية مستدامة. وهذه الشرعية تُبنى حين تتحوّل المبادرة السياسية إلى مؤسسات فاعلة، وحين يشعر السكان بأنَّ الحكم الذاتي يمنحهم قدرة حقيقية على إدارة شؤونهم والاستفادة من ثروات منطقتهم. ومن شأن هذا المسار أن يعزز الحجة المغربية، وأن يجعل الحل المقترح أكثر إقناعًا من استمرار نزاع مفتوح على احتمالات مجهولة.

في المقابل، لا ينبغي التقليل من المخاطر التي يطرحها تعثر تجديد ولاية “المينورسو”. فالبعثة، رغم عجزها عن تنفيذ مهمتها الأصلية المتعلقة بالاستفتاء، أدت دورًا في مراقبة الوضع الميداني واحتواء التوترات. وغيابها، في ظلِّ هشاشة وقف إطلاق النار منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، قد يخلق فراغًا أمنيًا لا يخدم المغرب ولا الاستقرار الإقليمي. كما أنَّ انتهاء تفويضها لا يعني تلقائيًا خروج قضية الصحراء من اختصاص الأمم المتحدة أو حسم وضع الإقليم قانونيًا.

لذلك، فإنَّ المصلحة المغربية تقتضي الجمع بين الثقة التي تمنحها المكاسب الديبلوماسية والحذر الذي تفرضه تعقيدات المرحلة المقبلة. فالمغرب يستطيع الدفاع عن موقفه السيادي، وفي الوقت نفسه تأكيد التزامه بالحلِّ السياسي ومنع التصعيد. بل إنَّ قدرته على إدارة هذه المرحلة بهدوء قد تعزز صورته شريكًا موثوقًا لدى القوى الدولية التي تبحث عن الاستقرار في شمال أفريقيا والساحل.

لا يمكن فصل مستقبل الصحراء عن التنافس المغربي ـ الجزائري، الذي أصبح أحد أبرز عوامل تعطيل التكامل المغاربي. فالجزائر ترى في النزاع قضية مرتبطة بتقرير المصير والتوازن الإقليمي، بينما يعتبره المغرب مسألة سيادة ووحدة ترابية. وبين المقاربتين، تستمر كلفة القطيعة السياسية والحدود المغلقة والفرص الاقتصادية الضائعة. ولا يعني تقدم الموقف المغربي أنَّ هذه التناقضات ستختفي تلقائيًا، لكنه قد يفتح مجالًا لإعادة التفكير في كيفية إدارتها.

الأجدى أن يتحوّل الحكم الذاتي، بدل أن يبقى عنوانًا للمواجهة الديبلوماسية، إلى فرصة لإطلاق دينامية إقليمية مختلفة. فالمغرب يمتلك مقومات اقتصادية وتنموية مهمة في أقاليمه الجنوبية، من الموانئ والبنية التحتية إلى الطاقة المتجددة والربط التجاري مع أفريقيا. وإذا اقترنت هذه المشاريع بمشاركة محلية واسعة وضمانات مؤسساتية راسخة، فإنها تستطيع أن تجعل الاستقرار أكثر جاذبية من استمرار النزاع.

لقد أظهر الفيتو الروسي حدود التوافق الدولي، لكنه لم يُلغِ التحوُّل الذي أنجزه المغرب في موازين الدعم السياسي. كما أنَّ إخفاق مجلس الأمن في تجديد ولاية “المينورسو” لا ينبغي أن يُقرَأ نهايةً للتاريخ الديبلوماسي للقضية، بل بداية اختبار جديد لمدى قدرة الأطراف على تجاوز إدارة الجمود نحو بناء تسوية قابلة للحياة.

لقد قطع المغرب شوطًا مهمًا في كسب معركة المرجعية السياسية للحل. أما المعركة الأهم، فهي تحويل هذا التقدُّم إلى سلامٍ مستدام. فالقوة الحقيقية للمبادرة المغربية لن تتجلى في انتهاء مهمة بعثة أممية، بل في قدرتها على جعل الحكم الذاتي إطارًا للاستقرار والتنمية، وفتح أفق جديد لمنطقة طال انتظارها لتسوية تُنهي النزاع بدل أن تكتفي بإدارته.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ ستة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). وأخيرًا “أمن الخليج في زمن التحولات الكبرى”: البحث عن نظام استراتيجي جديد”، (2026). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى