لبنان بين “التَفَاهُوقْراطيا” و”الكَفَاؤُقْراطيا”
هنري زغيب*
قبل أَن أَكتُبَ هذا المقال، بحثْتُ عن مفرداتٍ بالعربية تفي معنى ما قرأْتُهُ هذا الأُسبوع في دراسةٍ عن الحكْم والحكَّام والحوكَمة، تركيزًا على الأَنظمة الديموقراطيَّة.
حِيال مفردات Mediocracy وMeritocracy وDemocracy، وهي تعني تباعًا: حُكْم التافهين، وحُكْم الأَكفياء (الجديرين المستحقِّين) وحُكْم الشعب (ديموقْراطيًّا)، وحِيال ما العربيةُ (ولعلَّها أَجْملُ اللغات وأَغناها إِطلاقًا) تُتيح من اشتقاقاتٍ وتراكيبَ واستيعابِ مفرداتٍ منحوتةٍ من ضمن النُظُم والقَواعد والأُصُول، وجدتُ الأَقربَ اشتقاقًا: “التَفَاهُوقْراطيا” و”الكَفَاؤُقْراطيا” و”الديموقْراطيا”..
لن أُعمِّم في هذا المقال، كي لا أَحرُمَ قلَّةً من الوفاء لها.. لكنَّ معظم مَن تَوَلَّوا السُلطة في لبنان منذ الاستقلال – وربما منذ ولادة لبنان الكبير – (من رؤَساء ونوَّاب ووزراء وكبار المسؤُولين)، لم يَحكُموا بعدالة الكفاءَة بل بزبائنية التفاهة، ولم يبنُوا دولةَ مواهب بل دولةَ مذاهب.. وأَكثر: لم يكونوا في خدمة الدولة بل جعلُوا الدولة في خدمتهم وخدمة نَسْلهم وأَزلامهم ومحاسيبهم.. من هنا أَنهم السببُ المباشر في تَدَهْوُر الدولة، وتاليًا في هجرة شبابنا عند تخرُّجِهم، وانصراف أَدمغتِنا حين يَيْأَسون من إِصلاح وضْع الدولة المريض، لأَنهم لا يجدون في وطنهم فرصةَ عملٍ تناسب كفاءتهم، ولا أُفقَ مستقبلٍ يتَّسع لجدارتهم، ولا إِمكانَ عملٍ يستحقُّ مواهبهم..
ذات كنتُ أُحاضر قبل أَيام، سأَلني شابٌّ بصوتٍ رجراجٍ من غضَب وقرَف ويأْس، إِن كان المسؤُولون في لبنان يقرأُون (ومعظمُهم لا يقرأُون ليس عن جهل بل عن تجاهل) ما يجري من تطوُّر وتقدُّم في سائر بلدان العالم. وأَعطاني مثالًا عليها سنغافورة..
وبعدما أَجبْتُه بما في قلبي ووجداني من غضَب على ما وصلْنا إِليه بسبب الذين عهدًا بعد عهدٍ أَوصلُونا إِليه، تذكَّرتُ وضْع جزيرة سنغافورة (5 ملايين نسمة على 725 كلم مربع) وكيف رئيسُ وزرائها “لي كْوانْ يُو” (1923-2015) تولَّى الحُكْم (بين 1959 و1990)، وحقَّق استقلالها سنة 1965، ونهضَ بها من جزيرة فقيرة ينخرها فساد سياسييها، إِلى إِحدى أَغنى دُوَل العالم وأَكثرها تقدُّمًا.. كيف؟ بنزاهة سياسيين على رأْسهم رئيسٌ نزيهٌ صارم، وَضَعَ رؤْيةً لحُكْمه، وسْتراتيجيا قصيرةً للتنفيذ طويلةً للبقاء، فجعلَ بلاده نموذجَ الدول التي تُطهِّر صفوف سياسييها من الفاسدين، فَنَقَلَها من حكْم التافهين (التَفَاهُوقْراطيا) إِلى حكْم الأَكفياء (الكَفَاؤُقْراطيا)..
ومع سنغافورة، تذكَّرتُ نموذجًا آخَر: ذات كنتُ سنة 2006 في شانغهاي (مدينة 30 مليون نسمة)، وقفتُ أَمام لافتةٍ على مدخل دار البلدية، لَفَتَتْني أَرقامٌ جاء فيها: “رؤْية 2000- 2025” وتحتَها “رؤْية 2025-2050”.. إِذًا: مسؤُولوها يخطِّطون لمستقبلها شَعبًا وإِداراتٍ وعمرانًا. وقبل سنوات، طالعَتْنا “رؤْية السعودية 2030” يعمل ولي العهد الأَمير محمد بن سلمان على تحقيقها مرحلةً بعد مرحلة.. فهل قرأْنا يومًا في لبنان عن خطةٍ أَو تصميمٍ أَو رؤْيةٍ لِغَدٍ قريبٍ أَو وسيط؟
أَعود هنا إِلى سؤَال ذاك الشاب في نهاية محاضرتي: “هل سياسيُّونا يقرَأُون، يتابعون، يطَّلعون، …”؟ طبعًا لا.. معظمُهم لا يُريدون، لأَنهم متنعِّمون بما حيَّكُوه حولهم من أَتباعٍ ومناصرين وأَزلام، ونظامٍ ديموقراطيٍّ “يُـجَعْلِكُونَه” وُجهةَ نظَرٍ على قياسهم لتمرير ما يناسب رخاءَهم على أَكتاف الشعب، فينتقلون عمْدًا من “الديموقْراطيا” إِلى “التَفَاهُوقْراطيا” و”الفَسَادُوقْراطيا”، ويواصلون تدنيسَ دولةِ لبنان مزرعةً لهم وعشيرةً وقبيلةً يحكمونها وراثيًّا ويتحكَّمون بها “فَسَاديًّا”..
وما دام هؤُلاء يتناسلون في الحكْم منذ عقود، من عهدٍ إِلى عهد، ومن ولايةٍ إِلى ولاية، فسيظلُّ هذا الشابُّ في محاضرتي يَشْعر، مثْل رفاقه وأَترابه وأَصدقائه، أَنْ لا مكانَ في بلده لكفاءَاته وجَدارته واستحقاقه (“الكَفَاؤُقْراطيا”) ولا حتى للديموقراطيا المطبَّقة أُصولًا.. وطالَما في لبنان سياسيون من زُمرة التَفَاهُوقْراطيا”، فسيبْقى نزْفُ الهجرة يحرمُنا من طاقاتنا الشابَّة المتفوِّقة، المرصود عليها وضْعُ رؤْيةٍ مستقبليةٍ لدولة لبنان، رؤْيةٍ تفتح أُفُقَ الأَمَل: أَمَلِ أَلّا يبقى لبنانُ ضحيةَ دينوصوراتِ “التَفَاهُوقْراطيا” المتحَكِّمة به منذ سنين تافهة.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).



