ترامب الجريح: هل يتعثّر مشروعه لإعادة رسم الشرق الأوسط؟
كابي طبراني*
لم تكن هزيمة الجمهوريين في الانتخابات النصفية الأميركية مجرد انتكاسة لحزب الرئيس دونالد ترامب، بل ضربة سياسية لرئيسٍ بنى صورته على القوة والقدرة على فرض إرادته في الداخل والخارج. فبعد عامين من عودته إلى البيت الأبيض، يجد نفسه أمام كونغرس يسيطر عليه الديموقراطيون بمجلسَيه، ما يُقيّدُ قدرته على تنفيذ أجندته الداخلية ويُعرّض إدارته لمزيدٍ من المساءلة، فيما يحتفظ بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية. وهنا تكمن المفارقة التي قد تجعل النصف الثاني من ولايته أكثر تعقيدًا من الأول: فالرئيس الذي تضيق أمامه فرص الإنجاز في الداخل قد يجد في الساحة الدولية مجالًا لتعويض خسائره وتسجيل انتصار يضمن له مكانًا في التاريخ. غير أنَّ طموحه إلى ترك إرث سياسي كبير يصطدم بواقع دولي وإقليمي لا يخضع لإرادته وحده، خصوصًا في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الحروب والتسويات والتحالفات مع حسابات قوى محلية وإقليمية تملك بدورها القدرة على تعطيل المشاريع الأميركية أو تعديل مسارها.
ليس توجُّه الرؤساء الأميركيين إلى الملفات الخارجية في أواخر ولاياتهم ظاهرة جديدة، لكن ترامب يختلف عن كثيرٍ من أسلافه في ميله إلى القرارات المفاجئة وتفضيله الضغوط المباشرة والصفقات السريعة على المسارات الديبلوماسية الطويلة. ومع انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديموقراطيين، ستزداد القيود على سياساته الداخلية، بينما تبقى أمامه مساحة واسعة للتحرك خارجيًا. مع ذلك، فإنَّ اتساع الصلاحيات الرئاسية لا يعني حرية مطلقة؛ فالكونغرس يستطيع التأثير في التمويل والتعيينات والرقابة، كما أنَّ الحروب الطويلة تفرض قيودها الاقتصادية والسياسية على أيِّ إدارة. من هنا، فإنَّ السؤال ليس ما إذا كان ترامب سيصبح أكثر اندفاعًا بعد هزيمته، بل كيف سيتعامل مع التناقض بين رغبته في تحقيق إنجازات تاريخية وتراجع قدرته على حشد التأييد الداخلي لها.
تبدو إيران الاختبار الأكثر إلحاحًا لهذه المعادلة. فقد شكّلت الحرب معها، وما رافقها من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، أحد أسباب الغضب الانتخابي من الجمهوريين. مع ذلك، لم يُبدِ ترامب ندمًا على قرار خوضها، بل أكد أنه كان سيتخذه مجددًا. وقد تدفعه هذه المفارقة إلى أحد مسارَين: البحث عن تسوية تُتيحُ له إعلان تحقيق أهداف الحرب، أو مواصلة الضغط العسكري لانتزاع تنازلات يُقدّمها بوصفها انتصارًا. لكن المشكلة أنَّ إيران ليست مجرد ملفٍّ عسكري يمكن حسمه بتفوق القوة الأميركية؛ فهي طرفٌ في شبكة من التوازنات الإقليمية، وأيُّ تصعيدٍ جديد قد يمتدُّ إلى أمن الخليج والملاحة والطاقة، ويُقوّض فرص التسويات الأخرى التي تسعى واشنطن إلى رعايتها. كما أنَّ إنهاء الحرب لا يكفي وحده لإرساء الاستقرار، ما لم يترافق مع ترتيباتٍ أمنية تُقلّصُ احتمالات تجدّد المواجهة.
وهنا تتضح العلاقة الاستراتيجية بين الملفات التي تبدو منفصلة في المشروع الشرق أوسطي لترامب. إنَّ التوصُّلَ إلى تفاهُمٍ مع إيران قد يُهيّئ بيئة أكثر ملاءمة لترتيبات أمنية في لبنان واستقرار غزة وتوسيع التعاون العربي – الإسرائيلي. وفي المقابل، فإنَّ استمرار المواجهة مع طهران قد يُعقّد تنفيذ الاتفاقات القائمة، ويزيد الضغوط على الحكومات العربية، ويجعل الحديث عن نظام إقليمي جديد سابقًا لأوانه. غير أنَّ هذه العلاقة لا تعني أنَّ واشنطن تمتلك خطة متكاملة أو أنَّ جميع الأطراف تتبنّى تصوُّرًا واحدًا للمنطقة. فإسرائيل تنظر إلى إيران أساسًا من زاوية التهديد الأمني، بينما تعطي دول الخليج أولوية متزايدة للاستقرار والتنمية وتجنّب الحروب، في حين تبقى القضية الفلسطينية عنصرًا أساسيًا في تحديد حدود أي تقارب عربي مع إسرائيل. ومن ثمَّ، فإنَّ التحدّي الأميركي لا يقتصر على جمع هذه الأطراف حول طاولة واحدة، بل على التوفيق بين أولويات قد تتعارض في مسائل جوهرية.
تحتل غزة موقعًا مركزيًا في هذه المعادلة. فبعد إنشاء “مجلس السلام” برئاسة ترامب، وإطلاق ترتيبات انتقالية لإدارة القطاع وإعادة إعماره، بات مستقبل غزة جُزءًا من اختبارٍ أوسع لقدرة الولايات المتحدة على تحويل وقف الحرب إلى تسوية سياسية مستدامة. لكن ثمّةَ فارقًا بين إدارة مرحلة انتقالية وإنهاء صراع تاريخي. فإعادة الإعمار تحتاج إلى تمويل وأمن ومؤسسات قادرة على العمل، فيما يتطلب السلام معالجة قضايا السيادة والحقوق الوطنية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل. وإذا ظلَّ المشروع محصورًا في الترتيبات الأمنية والاقتصادية، فقد ينتج استقرارًا هشًّا لا يعالج أسباب النزاع. كما أنَّ نجاح “مجلس السلام” لا يُقاس فقط بحجم الأموال التي يستطيع تعبئتها، بل بمدى انتقال المسؤولية إلى مؤسسات فلسطينية تتمتع بالشرعية والقدرة على الحكم، وبوجود أفق سياسي واضح يمنع تحوّل الإدارة الانتقالية إلى وضع دائم بلا تسوية.
لا يقلُّ لبنان أهمية في اختبار صدقية المشروع الأميركي. فاتفاق الإطار الثلاثي الذي وقّعته الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل في حزيران (يونيو) الماضي وضع خريطة طريق لإنهاء النزاع، تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب، وبسط سلطة الدولة اللبنانية، ومعالجة ملف سلاح “حزب الله”. غير أنَّ الاتفاق كشف منذ البداية صعوبة الانتقال من المبادئ إلى التنفيذ. فإسرائيل تربط انسحابها بضماناتٍ أمنية ونزع سلاح الحزب، بينما يتمسّك لبنان بسيادته وإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي على أراضيه. والمشكلة هنا ليست تقنية تتعلق بجدول زمني للانسحاب، بل سياسية واستراتيجية: كيف يمكن بناء ترتيبات أمنية دائمة إذا لم تتوافر الثقة المتبادلة، ولم تمتلك الدولة اللبنانية الوسائل اللازمة لفرض سلطتها، ولم تحصل على ضمانات بأنَّ الانسحاب سيكتمل وأنَّ الأعمال العسكرية لن تتجدد؟ إنَّ الضغط على بيروت وحدها لا يكفي، كما أنَّ مطالبة إسرائيل بالانسحاب من دون آلية أمنية قابلة للتحقق لن تحل المعضلة. وما لم تقترن الالتزامات المتبادلة بضمانات دولية ودعم فعلي للمؤسسات اللبنانية، فقد يبقى الاتفاق إطارًا سياسيًا أكثر منه تسوية قابلة للحياة.
في هذا السياق، أضافت الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول (أكتوبر) عاملًا جديدًا إلى هذه الحسابات. فقد خسر معسكر بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية، من دون أن تتمكّن المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت من ضمان تشكيل حكومة بديلة حتى الآن. ومع أنَّ عددًا أكبر من النواب أوصى بتكليف آيزنكوت، فإنَّ الانقسامات بين الأحزاب، ولا سيما الخلاف حول التعاون مع الأحزاب العربية، تجعل مستقبل الحكومة المقبلة غير محسوم. وهذا الغموض لا ينعكس على لبنان وحده، بل يمتد إلى غزة والعلاقة مع الفلسطينيين وإمكان توسيع اتفاقات أبراهام. فاستمرار نتنياهو أو وصول حكومة أخرى قد يُغيّر أسلوب التفاوض والأولويات السياسية، لكنه لا يضمن تلقائيًا تحوُّلًا جذريًا في المواقف الإسرائيلية من الأمن والحدود والدولة الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، فإنَّ خسارة الجمهوريين الكونغرس قد تدفع أي حكومة إسرائيلية مقبلة إلى إعادة النظر في اعتمادها السياسي على ترامب وحده، والسعي إلى ترميم العلاقات مع الحزبين الأميركيين. وهكذا، لم يعد الرئيس الأميركي يواجه معارضة داخلية متزايدة فحسب، بل واقعًا إسرائيليًا متغيّرًا قد يُعيدُ رسم حدود ما تستطيع واشنطن تحقيقه.
في قلب هذه التحوّلات تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها طرفًا قادرًا على التأثير في اتجاه المشروع الأميركي، لا مجرد دولة تسعى واشنطن إلى ضمها إلى اتفاقات أبراهام. فالتطبيع السعودي – الإسرائيلي، إذا تحقّق، سيُمثل تحوُّلًا استراتيجيًا كبيرًا، لكنه يظل مرتبطًا بالموقف السعودي من إقامة الدولة الفلسطينية. وهذا الموقف يمنح الرياض قدرة على التأثير في مضمون أي تسوية، لأنَّ توسيع العلاقات الإقليمية لا يمكن فصله عن شرعية الترتيبات السياسية التي ستقوم عليها. كما أنَّ المملكة، إلى جانب بقية دول الخليج، معنية بتجنُّب مواجهة جديدة مع إيران والحفاظ على بيئة مستقرة لمشاريعها الاقتصادية الكبرى. من هنا، فإنَّ أولوياتها لا تتطابق بالضرورة مع أولويات واشنطن أو إسرائيل؛ فهي تنظر إلى الأمن الإقليمي من زاوية تشمل التنمية والاستثمار وتنويع الاقتصاد، وليس فقط موازين القوة العسكرية. وتلك ليست معارضة للشراكة الأميركية، بل تعبير عن مصالح وطنية وإقليمية ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند صياغة أي نظام أمني جديد.
لعلَّ البُعدَ الاقتصادي هو الأكثر أهمية في فَهمِ حدود المغامرة السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. فالحروب لا ترفع أسعار النفط والغاز فحسب، بل تزيد كلفة التأمين والشحن، وتُربك سلاسل الإمداد، وتؤثّر في ثقة المستثمرين وتدفقات رؤوس الأموال. وبالنسبة إلى دول الخليج التي تستثمر موارد ضخمة في التنويع الاقتصادي والسياحة والتكنولوجيا والبنية التحتية، فإنَّ الاستقرار لم يعد مجرّد مطلب أمني، بل شرطٌ أساسي لنجاح التحوّل الاقتصادي. وفي المقابل، يمكن لتسويات مستدامة في غزة ولبنان أن تفتح فرصًا لإعادة الإعمار والتكامل الاقتصادي، لكن رأس المال لا يستطيع أن يحلَّ محل التسوية السياسية. فالاستثمارات تحتاج إلى مؤسسات وقوانين وضمانات وأمن مستدام، ولا يمكن أن تزدهر طويلًا في ظل نزاعات قابلة للاشتعال عند كل أزمة.
لا تقتصر هذه المُعضلة على الشرق الأوسط. فأوروبا تراقب مستقبل الالتزامات الأمنية الأميركية، وأوكرانيا تخشى أن تتحوّل إلى موضوع مساومة مع موسكو، فيما تتابع الصين أي تبدّل في حسابات واشنطن الاستراتيجية. وقد يسعى ترامب إلى تسجيل إنجازات متزامنة في أكثر من منطقة، لكن تعدد الملفات لا يعني امتلاك القدرة على حسمها. بل إنَّ محاولة فرض تسويات سريعة قد تنتج اتفاقات هشّة إذا لم تُبنَ على مصالح متبادلة وضمانات قابلة للتنفيذ. وهذا هو التحدي الذي يواجه أي رئيس أميركي في نهاية ولايته: إنَّ القوة تستطيع فتح أبواب التفاوض، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان استمرار ما ينتج منه.
لقد أظهرت الانتخابات النصفية حدود قوة ترامب داخل الولايات المتحدة، فيما كشفت الانتخابات الإسرائيلية تعقيدات إضافية أمام مشاريعه الشرق أوسطية. وقد يطمح إلى مغادرة البيت الأبيض وقد أنهى الحرب مع إيران، وأعاد إعمار غزة، ووسّع اتفاقات أبراهام، وأرسى تسوية بين لبنان وإسرائيل. لكن نجاح هذه الطموحات لن يتوقف على قراراته وحده، بل على قدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى ترتيبات تستجيب لمصالحها وتتحمل اختبار الزمن. وبالنسبة إلى دول الخليج، فإنَّ الدرس الأهم ليس انتظار ما ستقرره واشنطن، بل استخدام ثقلها السياسي والاقتصادي والديبلوماسي للمشاركة في صياغة مستقبل المنطقة. فالمسألة لا تتعلق فقط بما إذا كان ترامب سيترك وراءه شرق أوسط أكثر استقرارًا، بل بمَن سيملك القدرة على رسم هذا الاستقرار، وبأيِّ شروط، ولصالح مَن.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ ستة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). وأخيرًا “أمن الخليج في زمن التحولات الكبرى”: البحث عن نظام استراتيجي جديد”، (2026). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



