الصومال على حافة انتكاسة جديدة: صراعُ السلطة يُنعِشُ الإرهاب

بينما تستعيد “حركة الشباب” المتطرفة في الصومال نفوذها في مناطق سبق تحريرها، تتفاقم الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والولايات، ويضع التنافس الإقليمي على القرن الأفريقي، ولا سيما الدور التركي، مستقبل الدولة الصومالية أمام اختبار صعب.

الرئيس حسن شيخ محمود: تمديد ولايته فجّر الخلافات مع الولايات الفيدرالية وعمّق الأزمة السياسية في البلاد.

مقديشو – محمد سليم*

يواجه الصومال مفارقة استراتيجية تكشفُ التناقض بين المكاسب العسكرية التي حققها خلال السنوات الماضية في مواجهة “حركة الشباب” المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، وبين عجزه المستمر عن بناء توافق سياسي يضمن الحفاظ على تلك المكاسب. ففي الوقت الذي تتلقى فيه الحكومة الفيدرالية في مقديشو دعمًا عسكريًا وأمنيًا من تركيا والولايات المتحدة وشركاء أفارقة، وتتواصل العمليات ضد التنظيم المتشدّد، تتجدّد المواجهات بين السلطة المركزية وخصومها في بعض الولايات، وتستعيد “حركة الشباب” مواقع ونفوذًا في مناطق سبق أن خسرتها أمام القوات الحكومية والمقاتلين المحليين. ولا تكمن خطورة هذه التطورات في احتمال تراجع السيطرة العسكرية وحده، بل في أنها تكشف أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة الصومالية، والعلاقة بين المركز والأطراف، وقدرة المؤسسات الأمنية على العمل بعيدًا من الصراعات السياسية. ويزداد المشهد تعقيدًا مع تحوُّل الصومال إلى ساحةٍ ذات أهمية متنامية في التنافس الإقليمي والدولي على القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بحيث باتت الحرب على الإرهاب تتداخل مع الصراع على السلطة داخليًا ومع حسابات النفوذ الاستراتيجي خارجيًا.

لقد دخلت الأزمة السياسية مرحلة أكثر خطورة خلال عام 2026، بعدما أقرَّ البرلمان في آذار (مارس) تعديلات دستورية مددت الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى خمس، بما يسمح للرئيس حسن شيخ محمود بالبقاء في منصبه حتى أيار (مايو) 2027، بدلًا من انتهاء ولايته وفق الجدول السابق في أيار (مايو) 2026. وأثارت هذه التعديلات اعتراضات من تحالفٍ معارض يضمُّ شخصيات سياسية وقيادات من ولايتي “بونتلاند” و”جوبالاند”، إلى جانب الرئيس السابق لولاية جنوب غرب الصومال، عبد العزيز حسن محمد لفتاغرين. وازدادت حدة الخلاف بعدما أعلنت اللجنة الانتخابية إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في نيسان (أبريل) وأيار (مايو) 2027، وهو جدول رفضته المعارضة باعتباره امتدادًا لترتيبات سياسية لم تحظَ بتوافق وطني. وهكذا لم يعد الخلاف مجرّد تنافس بين شخصيات على السلطة، بل أصبح صراعًا حول قواعد النظام السياسي نفسه، وحدود صلاحيات الحكومة المركزية، ومستقبل التوازن بين مؤسسات الدولة الفيدرالية والولايات المكوِّنة لها.

صراعات السلطة تفتح الطريق أمام “حركة الشباب”

تكشف المواجهات في ولاية جنوب غرب الصومال، ولا سيما في محيط مدينة بيدوا، عن النتائج الأمنية المباشرة لهذا الانقسام. ففي نهاية آذار (مارس)، سيطرت القوات الحكومية على المدينة وأُبعد لفتاغرين عن السلطة، قبل أن تتجدد المواجهات مع القوات الموالية له خلال الأشهر التالية. ووفقًا لبيانات مشروع رصد مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها “أكليد”، سُجل ما لا يقل عن 78 اشتباكًا بين فصائل المعارضة والقوات المدعومة من الحكومة الفيدرالية في إقليم باي خلال الفترة الممتدة من الثاني من شباط (فبراير) إلى 28 آب (أغسطس) 2026، تركز معظمها في منطقة بيدوا. وفي الوقت نفسه، واصلت “حركة الشباب” تنفيذ هجمات في الإقليم، ما كشف تزامن تصاعد الصراع السياسي المسلح مع استمرار التهديد الإرهابي. ولا تعني هذه الوقائع وجود تنسيق بين المعارضة والتنظيم المتشدّد، لكنها تثير تساؤلات جدية بشأن قدرة الحكومة على توزيع مواردها العسكرية والأمنية بين جبهات متعددة.

تفاقمت الأزمة خلال أيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر)، عندما جددت القوات الموالية للفتاغرين هجماتها على مواقع تابعة للقوات الفيدرالية والإدارة المحلية. وفي منتصف تشرين الأول (أكتوبر)، تمكنت قوات المعارضة من السيطرة على بلدة بورحكبة، الواقعة على الطريق الرئيسي بين مقديشو وبيدوا، ما أدى إلى قطع أحد أهم خطوط الإمداد والوصول إلى عاصمة الولاية. وأظهرت هذه التطورات أنَّ المواجهة لم تعد مقتصرة على اشتباكات متفرقة، بل تحولت إلى صراع على الطرق والمواقع الاستراتيجية المحيطة بالمدينة. وفي موازاة ذلك، اتهمت مقديشو شخصيات معارضة بوجود صلات مالية أو أمنية مع “حركة الشباب”، وأدرجت لفتاغرين وتسعة آخرين على قائمة عقوبات مالية في 13 تشرين الأول (أكتوبر)، فيما رفض المعنيون الاتهامات واعتبروها محاولة لتبرير إقصائهم سياسيًا. ولم يكن الإعلان عن العقوبات مصحوبًا بعرضٍ علني لأدلة مستقلة تسمح بتقييم تلك الاتهامات، وهو ما يجعل التمييز بين المعارضة السياسية والتعاون الفعلي مع تنظيم إرهابي ضرورة أساسية للحفاظ على مصداقية مؤسسات الدولة.

لا يمكن استبعاد سعي “حركة الشباب” إلى استغلال الانقسامات المحلية أو إقامة تفاهمات ميدانية مؤقتة مع مجموعات مسلحة تناصب الحكومة العداء، لكن احتمال حدوث ذلك لا يبرر اعتبار جميع الخصوم السياسيين حلفاء للتنظيم. في المقابل، لا تستطيع القوى المعارضة التي تلجأ إلى السلاح أن تتنصّل من مسؤوليتها عن إضعاف الجبهة الداخلية، حتى في غياب أي ارتباط تنظيمي بينها وبين الحركة الإسلامية المتشددة. وقد برزت خطورة هذا التداخل مجددًا في أواخر تشرين الأول (أكتوبر)، عندما أدت مواجهات بين القوات الحكومية و”حركة الشباب” في إقليم باي إلى خسائر بشرية كبيرة، وسط خلاف بشأن حجمها وظروف العملية العسكرية. وانتقد مسؤولون صوماليون سابقون توظيف القوات المدرَّبة في عمليات قالوا إنها تأثرت بالصراع السياسي، بينما أكدت وزارة الدفاع أنَّ عملياتها تستهدف التنظيم المتشدد. ولا تثبت هذه التصريحات أنَّ القرارات السياسية تسببت مباشرة في الخسائر، لكنها تكشف تراجع الثقة بين أطراف النظام السياسي بشأن إدارة الحرب، في وقت تحتاج فيه القوات الأمنية إلى قيادة موحدة وأولويات واضحة.

تزداد خطورة هذه الانقسامات في ضوء التطورات الميدانية في وسط الصومال، حيث استعادت “حركة الشباب” خلال عامي 2025 و2026 نفوذًا واسعًا في أجزاء من هيران وشبيلي الوسطى. ووفقًا لتقرير الوكالة الأوروبية للجوء الصادر في حزيران (يونيو) 2026، كانت الحركة تسيطر، حتى نهاية آذار (مارس)، على بلدات ومواقع استراتيجية في شبيلي الوسطى، بينها آدم يبال والحوادلي والباراف وفيدو ونور دوغلي، بعد هجوم أتاح لها استعادة مساحات كانت قد خسرتها منذ عام 2022. وتكتسب هذه المناطق أهمية تتجاوز حدودها الإدارية، لأنها تقع على امتداد طرق تربط التجمعات السكانية بالمراكز التجارية والمناطق الزراعية، وتؤثر مباشرة في حركة القوات والإمدادات والأسواق. ولا تحتاج “حركة الشباب” إلى السيطرة الدائمة على جميع المدن كي تفرض حضورها؛ فالتحكُّم بالطرق وفرض الإتاوات وتهديد القوافل وعزل الحاميات العسكرية يمكن أن يمنحها نفوذًا اقتصاديًا وأمنيًا واسعًا من دون احتلالٍ مستمر للمراكز الإدارية. وتكشف هذه القدرة إحدى المشكلات الأساسية في الاستراتيجية الحكومية، وهي أنَّ استعادة الأراضي بالقوة العسكرية لا تعني بالضرورة الاحتفاظ بها.

كانت التعبئة المحلية التي شهدتها مناطق وسط الصومال منذ عام 2022، ولا سيما مشاركة مجموعات “مكاويسلي” المؤلفة من مقاتلين محليين ينتمون إلى مجتمعات ريفية وعشائر مختلفة، قد شكلت عنصرًا مهمًا في مواجهة “حركة الشباب”. ولم تكن مشاركة هؤلاء مجرد استجابة لخطط عسكرية وضعتها مقديشو، بل عكست أيضًا رفضًا اجتماعيًا لممارسات التنظيم، خصوصًا ابتزاز السكان وفرض الضرائب بالقوة. غير أنَّ هذا التعاون قام على تفاهم ضمني: يساهم السكان في طرد المسلحين من مناطقهم، وتلتزم القوات الحكومية في المقابل بحمايتهم ومنع عودة التنظيم والانتقام ممن تعاونوا معها. وعندما تعجز الحكومة عن الوفاء بهذا الالتزام، تصبح المجتمعات المحلية أمام خيارات قاسية، تتراوح بين مواصلة المقاومة وتحمّل كلفتها البشرية والاقتصادية، أو النزوح، أو البحث عن تفاهمات اضطرارية مع التنظيم. ومن هذه الزاوية تكتسب التقارير التي تحدثت في مطلع تشرين الأول (أكتوبر) عن اتصالاتٍ بين بعض زعماء عشيرة الحوادلي و”حركة الشباب” في إقليم هيران أهمية خاصة، رغم عدم حسم نطاق تلك الاتصالات بصورة مستقلة. فهي تعكس المخاوف التي تنشأ عندما تفقد المجتمعات المحلية الثقة بقدرة الدولة على توفير الحماية، وهي خسارة قد تكون أشد خطورة من فقدان موقع عسكري، لأنَّ استعادة الأرض ممكنة بعملية جديدة، أما استعادة ثقة السكان فتحتاج إلى حضور مؤسسي مستمر.

تركيا بين دعم الدولة ومخاطر الانحياز السياسي

في قلب هذه المعادلة يبرز الدور التركي، الذي أصبح خلال السنوات الماضية أحد أهم عناصر الدعم الخارجي للدولة الصومالية. فالعلاقة بين أنقرة ومقديشو لم تعد مقتصرة على المساعدات الإنسانية أو التعاون الاقتصادي، بل تطورت إلى شراكة أمنية وعسكرية تشمل التدريب والتجهيز وبناء القدرات الدفاعية، إلى جانب مصالح تركية متنامية في المجالات البحرية والطاقة والبنية التحتية. وتدير تركيا منشأة لتدريب القوات الصومالية منذ عام 2017، كما عززت تعاونها الاستراتيجي مع مقديشو منذ عام 2024 عبر اتفاقات شملت الدفاع والتعاون البحري. وفي نيسان (أبريل) 2026، أكدت مشاركة ثلاث مقاتلات تركية من طراز “أف-16” في عرض جوي فوق مقديشو اتساع الحضور العسكري لأنقرة، بالتزامن مع تقدم خطط استكشاف موارد الطاقة البحرية. ومن الطبيعي أن تنظر تركيا إلى استقرار الصومال باعتباره شرطًا لحماية هذه المصالح وترسيخ نفوذها في القرن الأفريقي، خصوصًا أنَّ الموقع الجغرافي للبلاد يمنحها أهمية استراتيجية عند تقاطع المحيط الهندي وخليج عدن، وعلى مقربة من باب المندب والبحر الأحمر.

لكن اتساع الحضور التركي يضع أنقرة أمام تحدٍّ يتجاوز أهداف التعاون العسكري المعلنة، إذ إنَّ دعم حكومة تواجه نزاعات مسلحة مع خصومها الداخليين قد يُفسَّر، في نظر بعض القوى المحلية، باعتباره انحيازًا إلى طرفٍ في الصراع على السلطة. وقد ظهرت هذه الحساسية في الاتهامات التي وجهها أنصار لفتاغرين إلى تركيا بشأن استخدام طائرات مقاتلة ضد مواقع تابعة لهم خلال المواجهات في بيدوا ومحيطها. ولم تثبت التقارير المستقلة المتاحة هوية الطائرات التي نُسبت إليها الضربات المزعومة أو مسؤولية أنقرة عنها، بينما لم تؤكد تركيا تنفيذ تلك العمليات. ومن الضروري التمييز بين وجود مقاتلات تركية في الصومال، وهو أمرٌ موثق، وبين إثبات استخدامها ضد خصوم سياسيين للحكومة الفيدرالية، وهو ادعاء مختلف يحتاج إلى أدلة مستقلة وموثوقة. غير أنَّ عدم ثبوت الاتهامات لا يلغي أهمية السؤال الذي تثيره بشأن الحدود التي ينبغي أن يلتزم بها الدعم العسكري الخارجي في دولة تعاني من انقسامات سياسية وأمنية عميقة.

إذا اقتصر هذا الدعم على بناء قدرات وطنية ومواجهة “حركة الشباب” ضمن قواعد واضحة، فإنه يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار. أما إذا استُخدِمَت القدرات العسكرية الخارجية لترجيح كفة طرف سياسي على آخر من دون مبررات أمنية موثقة، فإنَّ النتائج قد تكون معاكسة للأهداف المعلنة، لأنَّ المجتمعات التي تشعر بأنها مُستَهدَفة بقوة تدعمها دولة أجنبية قد تفقد ثقتها ليس فقط بذلك الشريك الخارجي، بل بالمؤسسات الوطنية التي تستعين به أيضًا. مع ذلك، فإنَّ تحميل تركيا وحدها مسؤولية الانتكاسات الأمنية الصومالية أو تصويرها باعتبارها المحرك الرئيسي للصراعات الداخلية ينطوي على تبسيط لأزمة أكثر تعقيدًا. فالتوتر بين الحكومة الفيدرالية والولايات، والخلافات بشأن الانتخابات والصلاحيات الدستورية وتوزيع الموارد، كلها مشكلات ترتبط بصعوبة بناء نظام سياسي يحظى بقبول واسع في بلد أنهكته عقود من الحروب والانقسامات. والمسؤولية الأولى عن إدارة هذه الخلافات تقع على عاتق القيادة الصومالية والقوى السياسية المحلية، لا على الشركاء الخارجيين.

لكن ذلك لا يعفي أنقرة من إدراك أنَّ حجم نفوذها يمنحها مسؤولية إضافية في تجنُّب الانجرار إلى الصراعات الداخلية، وأنَّ مصالحها الطويلة الأمد ترتبط باستقرار الدولة الصومالية بمختلف مؤسساتها ومكوناتها، وليس بمصير حكومة واحدة أو بتحالف سياسي قد تتغير موازينه. فالنفوذ الذي يستند إلى مؤسسات وطنية مستقرة أكثر قابلية للاستمرار من النفوذ المرتبط بأشخاص أو ترتيبات سياسية مؤقتة. كما أنَّ نجاح التعاون العسكري لا يمكن قياسه بعدد الجنود الذين يتلقّون التدريب أو المعدات التي تُسلَّم إلى القوات الحكومية وحدها، بل بمدى مساهمته في بناء مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على أداء وظائفها بعيدًا من التجاذبات الحزبية والإقليمية. ومن مصلحة تركيا نفسها ألّا تتحوّل شراكتها مع مقديشو إلى موضوع خلاف دائم بين المكونات الصومالية، لأنَّ مثل هذا التحول قد يضعف الاستقرار الذي تحتاج إليه لحماية استثماراتها ومصالحها الاستراتيجية.

التنافس الإقليمي ومستقبل الدولة الصومالية

لا يمكن فصل هذه الحسابات عن التنافس الإقليمي والدولي المتزايد على القرن الأفريقي. فالصومال، بساحله الطويل المطل على المحيط الهندي وخليج عدن، يحتل موقعًا مهمًا في المعادلة الأمنية للممرات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط. وقد ازدادت أهمية هذه الجغرافيا مع الاضطرابات التي شهدتها الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة، وتصاعد الاهتمام بالموانئ والقواعد العسكرية ومشروعات البنية التحتية البحرية. وفي هذا السياق، تبرز تركيا والإمارات العربية المتحدة باعتبارهما من أبرز القوى الخارجية المؤثرة في التوازنات الصومالية الراهنة، وإن اختلفت طبيعة علاقاتهما مع الأطراف المحلية. فبينما ترتبط أنقرة بشراكة وثيقة مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو، احتفظت أبوظبي بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع عدد من الإدارات الإقليمية، بينها “بونتلاند” و”جوبالاند” و”أرض الصومال”، حيث تتمتع شركات إماراتية بمصالح في قطاع الموانئ.

ازدادت حدة التوتر في كانون الثاني (يناير) 2026، عندما أعلنت الحكومة الصومالية إلغاء اتفاقات التعاون الدفاعي والأمني مع الإمارات، متهمة إياها بالمساس بالسيادة الوطنية، وهو قرار رفضته إدارات إقليمية ترتبط بعلاقات مباشرة مع أبوظبي. ولا يعني ذلك أنَّ التنافس التركي–الإماراتي يُفسِّر وحده الأزمة الصومالية، لكنه يكشف كيف يمكن للخلافات المحلية أن تتداخل مع حسابات قوى إقليمية تسعى إلى حماية مصالحها وتعزيز مواقعها الاستراتيجية. وتتسع هذه المعادلة لتشمل قوى أخرى ذات مصالح متفاوتة؛ فالولايات المتحدة تواصل إعطاء الأولوية لمكافحة الإرهاب، بينما ترتبط مصر والسعودية وقطر بعلاقات مع الحكومة الصومالية، وتتداخل حسابات إثيوبيا مع الخلافات بشأن “أرض الصومال” والوصول إلى الموانئ والممرات البحرية. وليس من الدقة افتراض أنَّ جميع هذه القوى تسعى إلى زعزعة الاستقرار، لكن تعدد الشراكات يصبح مصدرًا إضافيًا للتوتر عندما يجد كل طرف محلي في علاقاته الإقليمية وسيلة لتعزيز موقعه في مواجهة خصومه.

تكمن خطورة هذا التداخل في احتمال تحوُّل المساعدات الاقتصادية والعسكرية من أدوات لبناء الدولة إلى موارد تُستخدم في صراع مفتوح على السلطة. فحين تعتقد القوى المحلية أنَّ بإمكانها الحصول على دعم خارجي يعزز قدرتها على فرض شروطها، تتراجع الحوافز للبحث عن تسويات داخلية، وقد تصبح المنافسات الإقليمية عاملًا يطيل أمد الأزمات بدلًا من احتوائها. والمشكلة الصومالية، من هذا المنظور، ليست في وجود شركاء خارجيين متعددين، بل في غياب إطار سياسي داخلي مستقر يُحدّد طبيعة العلاقة معهم ويوجه مساهماتهم نحو بناء مؤسسات وطنية. فالصومال لم يحسم بعد بصورة توافقية العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، ولا حدود الصلاحيات التي ينبغي أن يحتفظ بها المركز أو تمارسها السلطات الإقليمية. وعندما تتحوّل هذه الخلافات إلى مواجهات مسلحة، تصبح المؤسسات الأمنية نفسها معرَّضة للاستقطاب، وتضعف قدرتها على العمل باعتبارها مؤسسات وطنية تحظى بثقة جميع المكونات.

قد تدفع هذه التطوّرات بعض المراقبين إلى استحضار التجربة الأفغانية، حيث استفادت حركة طالبان من ضعف المؤسسات الحكومية والانقسامات الداخلية والاعتماد الكبير على الدعم الخارجي. وثمة أوجه شبه تستحق التأمل، خصوصًا في ما يتعلق بصعوبة الاحتفاظ بالمناطق الريفية، وأهمية العلاقة مع المجتمعات المحلية، وحدود التفوق العسكري في مواجهة تنظيم مسلح قادر على الانتظار واستغلال أخطاء خصومه. لكن الصومال ليس أفغانستان، فتركيبته العشائرية ونظامه الفيدرالي وموقعه البحري وتشابك مصالح الدول المجاورة فيه تفرض معادلة مختلفة. لذلك، فإنَّ أهمية المقارنة لا تكمن في توقع تكرار المصير الأفغاني، بل في التحذير من خطأ استراتيجي مشابه، يتمثل في الاعتقاد بأنَّ التدريب والتسليح والدعم الجوي تستطيع وحدها تعويض غياب التسوية السياسية. فالجيوش قد تنجح في طرد الجماعات المسلحة من مناطق محددة، لكنها لا تستطيع ضمان عدم عودتها ما لم تتوافر مؤسسات قادرة على إدارة تلك المناطق وحماية سكانها ومعالجة أسباب انعدام الثقة بالدولة.

من هنا، فإنَّ الأولوية أمام الصومال لا تتمثل في الاختيار بين الحرب على حركة الشباب والتسوية السياسية، لأنَّ الفصل بين المسارين هو أحد أسباب استمرار الأزمة. فالتوافق بين الحكومة الفيدرالية والولايات بشأن إدارة الأمن والانتخابات والصلاحيات الدستورية ليس ترفًا سياسيًا يمكن تأجيله إلى ما بعد هزيمة التنظيم، بل شرط أساسي لنجاح الحرب ضده. كما أنَّ حماية المجتمعات التي شاركت في مقاومة “حركة الشباب” يجب أن تصبح جزءًا من استراتيجية أمنية طويلة الأمد، لا مجرد إجراء مؤقت يرافق العمليات العسكرية. أما الشركاء الخارجيون، وفي مقدمهم تركيا والولايات المتحدة، فعليهم أن يقيسوا نجاح مساعداتهم بمدى مساهمتها في بناء مؤسسات أكثر قدرة وتماسكًا، لا بعدد العمليات العسكرية المنفذة أو المواقع التي تستعيدها القوات الحكومية. ويتطلب ذلك أيضًا دورًا أكثر فاعلية للاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” في تشجيع الحوار بشأن التعديلات الدستورية والانتخابات والترتيبات الانتقالية، بدلًا من ترك هذه القضايا رهينة موازين القوة العسكرية.

إنَّ الخطر الذي يواجه الصومال اليوم لا يتمثل فقط في قدرة “حركة الشباب” على استعادة مواقع سبق أن خسرتها، بل في احتمال تحول الانقسامات السياسية إلى مصدر دائم لتجدد قوتها. فحين تتنازع الحكومة والولايات على الشرعية، وتتراجع ثقة المجتمعات المحلية بالحماية الرسمية، وتصبح الشراكات العسكرية الخارجية موضع خلاف، تتسع المساحات التي يستطيع التنظيم التحرك فيها وإعادة بناء نفوذه. ولا يعني ذلك أنَّ “حركة الشباب” أصبحت أقوى من الدولة الصومالية أو من مجموع القوى التي تدعمها، بل إنَّ الدولة قد تمنح خصمها، نتيجة انقساماتها، فرصًا لا يستطيع الحصول عليها بالقوة العسكرية وحدها. وفي الوقت نفسه، فإنَّ التنافس على النفوذ في القرن الأفريقي قد يمنح القوى الخارجية مكاسب ظرفية، لكنه لن يوفر لها بيئة مستقرة إذا استمرت المؤسسات الصومالية في التآكل. وهنا تكمن المفارقة الأشد خطورة: فالصومال الذي يسعى إلى تعزيز أمنه عبر التحالفات الخارجية قد يكتشف أنَّ أمنه الحقيقي يبدأ من قدرته على بناء توافق داخلي، وأنَّ المعركة الحاسمة ضد “حركة الشباب” لن تُحسم فقط في الميدان، بل في قدرة الصوماليين على إقامة دولة لا تتحول خلافاتها السياسية إلى مصدرٍ دائم لقوة أعدائها.

  • محمد سليم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى