“حزبُ الله” بعد الهزيمة: هل تُنقِذهُ إيران أم تُغرِقهُ في حربٍ أُخرى؟
بعد الخسائر العسكرية والسياسية التي تعرّض لها، يراهن “حزب الله” على طهران لاستعادة موقعه في لبنان. لكن تغيّر موازين القوى يثير تساؤلات حول قدرته على العودة إلى المواجهة، والثمن الذي قد يدفعه لبنان مُجددًا.

مايكل يونغ*
في الأسبوع الماضي، أعلن الأمين العام لـ”حزب الله”، الشيخ نعيم قاسم، أنَّ الحزب لن يتخلّى عن سلاحه ما دامت إسرائيل تواصل احتلال أراضٍ لبنانية وشن هجماتها على البلاد. وذهب أبعد من ذلك حين وصف الاتفاق الإطاري اللبناني–الإسرائيلي، الذي جرى التوصل إليه في حزيران (يونيو) الماضي، بأنه “فاقد للشرعية”، مُعتبرًا في المقابل أنَّ مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية، الموقعة في الشهر نفسه والمعروفة بمسار “إسلام أباد”، تمثل مصدر قوة للبنان. ولم تكن هذه المواقف مجرد تأكيد لرفض نزع السلاح، بل عكست أيضًا اختلافًا جوهريًا بين رؤية الحزب لمستقبل المواجهة مع إسرائيل والمقاربة التي تعتمدها الدولة اللبنانية.
اتضح هذا التباين بصورة أكبر عندما أعلن قاسم أنَّ إيران تضع “إنهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان في مقدمة أولوياتها”. ففي حين سعت السلطات اللبنانية إلى احتواء العمليات العسكرية الإسرائيلية من خلال الانخراط في مفاوضات تحظى بدعم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اختار “حزب الله” ربط مصير المواجهة اللبنانية بالمسار التفاوضي بين طهران وواشنطن. وبذلك، بدا أنَّ الحزب يراهن على قدرة إيران على انتزاع تفاهم مع الولايات المتحدة يشمل الساحة اللبنانية، بدلًا من التعويل على المفاوضات التي تخوضها الدولة اللبنانية بصورة مباشرة.
“حزب الله” وطهران: ارتباطٌ يتعمّق وخيارات تضيق
لا يبدو هذا التوجُّه مفاجئًا في ضوء التحوُّلات التي طرأت على بنية “حزب الله” وقيادته خلال العامين الماضيين. فبعد الضربات الإسرائيلية التي أطاحت بجزء كبير من قيادته السياسية والعسكرية عام 2024، واغتيال أمينه العام السابق السيد حسن نصر الله، ثم تولي نعيم قاسم قيادة الحزب، تعززت المؤشرات إلى اتساع نفوذ طهران في قراراته. بل إنَّ مجمل التطورات يوحي بأنَّ الدور الذي يؤديه عناصر من الحرس الثوري الإيراني في توجيه الحزب وإدارة خياراته بات أكثر مباشرة مما كان عليه في السابق، في ظل تراجع هامش المناورة الذي تمتعت به قيادته اللبنانية تاريخيًا.
ازدادت هذه التبعية وضوحًا منذ الثاني من آذار (مارس)، عندما دخل “حزب الله” الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فمنذ ذلك الحين، تعرّض الحزب لانتكاسات عسكرية وسياسية كبيرة، فيما وسعت إسرائيل سيطرتها على الشريط الحدودي في جنوب لبنان وصولًا إلى نهر الليطاني، وتجاوزته في بعض المواقع. ولم تقتصر العمليات الإسرائيلية على التقدم الميداني، بل شملت أيضًا تدميرًا منهجيًا لقرى ذات غالبية شيعية في المناطق التي سيطرت عليها، ما ضاعف حجم الكارثة الإنسانية والاجتماعية التي أصابت البيئة الحاضنة للحزب.
في ظلِّ هذا الواقع، يواجه “حزب الله” استياءً متناميًا داخل المجتمع الشيعي نفسه، وإن كان التعبير العلني عن هذا الاستياء لا يعكس بالضرورة حجمه الفعلي. فحجم الدمار والخسائر والنزوح يضع الحزب أمام أسئلة متزايدة بشأن جدوى خياراته العسكرية والثمن الذي دفعته بيئته الاجتماعية نتيجة انخراطه في الحرب. ومع تضاؤل البدائل المتاحة أمامه، يبدو أنَّ الحزب لا يجد سبيلًا للحفاظ على موقعه سوى التشبُّث بعلاقته بإيران، التي استطاعت ممارسة ضغط كبير على الولايات المتحدة عبر مضيق هرمز، أملًا في أن يتضمّن أيُّ اتفاقٍ أميركي–إيراني مستقبلي ترتيبات تتعلق بلبنان. وتزداد أهمية هذا الارتباط في ضوء التقارير التي تحدثت عن الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية للمساعدة في تخفيف الأعباء المعيشية والإنسانية عن المجتمع الشيعي المتضرر. وهكذا، لا تعود العلاقة بطهران مجرد خيار استراتيجي، بل تتحول أيضًا إلى ركيزة أساسية لبقاء الحزب سياسيًا واجتماعيًا.
رهانات إيران: تعثّر التسوية وتبدّل موازين القوى
في المقابل، تراهن إيران على مجموعة من التطورات التي قد تساعدها على إعادة تعزيز موقع “حزب الله” في المعادلة اللبنانية والإقليمية. ويتمثل الرهان الأول في احتمال تعثّر الاتفاق الإطاري اللبناني–الإسرائيلي، نتيجة محدودية قدرة السلطات اللبنانية على تنفيذ التزاماتها، من جهة، والتشدد الإسرائيلي، من جهة أخرى. ولا يخلو هذا التقدير من وجاهة، إذ لم تُقدِّم إسرائيل حتى الآن سوى تنازلات محدودة في ما يتعلق بالشق الخاص بـ”المناطق التجريبية” المنصوص عليه في الاتفاق. ويُفترض أن تنسحب القوات الإسرائيلية من بعض المناطق التي تحتلها، وأن تسلمها إلى الجيش اللبناني، بما يتيح له بسط سلطة الدولة فيها وإحلالها محل النفوذ العسكري والأمني لـ”حزب الله”.
غير أنَّ المشكلة تتجاوز تفاصيل التنفيذ إلى اختلافٍ أعمق في التصورات الأمنية والسياسية. فعلى الرغم من التصريحات الإسرائيلية التي توحي بإمكان الاعتماد على الدولة اللبنانية لنزع سلاح الحزب، فإنَّ سلوك إسرائيل يشير إلى افتقارها إلى الثقة بقدرة السلطات اللبنانية على إنجاز هذه المهمة. وهي تبدو أكثر ميلًا إلى فرض ترتيباتها الأمنية بصورةٍ أحادية على الدول المجاورة، كما تفعل في لبنان وسوريا، بدلًا من التعويل على تفاهمات متبادلة تضمن سيادة هذه الدول واستقرارها. وفي هذا المناخ، تأمل طهران و”حزب الله” أن يؤدي تعثُّر الاتفاق واستمرار العمليات الإسرائيلية إلى توفير الظروف السياسية والشعبية اللازمة لإحياء خطاب “المقاومة”، بما يعيد إلى الحزب بعضًا من شرعيته المتآكلة، ويمنح إيران ورقة ضغط إضافية في مواجهتها مع إسرائيل.
أما الرهان الإيراني الثاني، فيستند إلى قراءة أوسع للتحوُّلات الجارية في موازين القوى الإقليمية. فطهران تدرك أنَّ دولًا مؤثرة، في مقدمها تركيا والمملكة العربية السعودية، إلى جانب مصر والأردن، لا تنظر بارتياح إلى احتمال تحوُّل إسرائيل إلى قوة مهيمنة على المنطقة. ومع تصاعد دور القوى الإقليمية المتوسطة، واحتمال تراجع الانخراط العسكري الأميركي المباشر في الشرق الأوسط، بدأت تتشكل ملامح معادلة جديدة تقوم على منطق توازن القوى التقليدي، حيث تسعى الدول إلى منعِ طرفٍ واحد من احتكار النفوذ وفرض إرادته على الآخرين. ومن هذا المنظور، تراهن إيران على أنَّ القلق الإقليمي من التفوق الإسرائيلي قد يفتح أمامها فرصًا سياسية جديدة، حتى في ظل ما تعرّضت له هي وحلفاؤها من خسائر خلال الحرب.
في مؤشّرٍ لافت إلى التحولات التي تشهدها الحسابات الإقليمية، أفادت وكالة “رويترز” بأنَّ تركيا استضافت، في أيلول (سبتمبر) الماضي، ممثلين عن “حزب الله” والحكومة السورية، في إطار مسعى لخفض التصعيد. وعلى الرغم من أنَّ أنقرة لا ترغب في استعادة الحزب نفوذه السابق داخل سوريا، فإنها تنظر إليه، على ما يبدو، باعتباره عامل توازن في مواجهة إسرائيل على الساحة اللبنانية. بل إنَّ تقارير ذهبت إلى حدِّ الادعاء بأنَّ السلطات التركية سمحت بمرور أموال إيرانية إلى “حزب الله” عبر أراضيها. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس تعقيد الحسابات التركية، التي قد تجمع بين معارضة عودة الحزب إلى سوريا والرغبة في منع إسرائيل من الانفراد بتحديد موازين القوى في لبنان.
طهران من جهتها تراهن، في الوقت نفسه، على أنَّ إدارة الرئيس دونالد ترامب لن تتمكن من حسم أي مواجهة جديدة معها، إذا تجدد الصراع الذي يتوقع كثيرون اندلاعه خلال الأسابيع المقبلة. فليس واضحًا ما الذي يمكن أن يتيح للولايات المتحدة تحقيق نتائج عجزت عن بلوغها خلال الأشهر الماضية، على الرغم من الضغوط العسكرية والاقتصادية المتواصلة التي مارستها لإضعاف النظام الإيراني. كما أنَّ الرهان على وصول الضغوط الاقتصادية إلى مستوى يجبر طهران على التراجع لا يبدو مضمونًا. فبحسب تقديرات لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، نقلتها صحيفة “واشنطن بوست”، عمدت إيران إلى تخزين كميات من المواد الغذائية والوقود تكفي احتياجاتها لأشهر عدة، بما يمنحها هامشًا من القدرة على امتصاص تداعيات الحرب ومواصلة المواجهة لفترة إضافية.
انطلاقًا من هذه الحسابات، تبدو استراتيجية إيران و”حزب الله” في لبنان قائمة على التمسُّك بسلاح الحزب ورفض تسليمه إلى الدولة، مع السعي إلى استئناف عمليات “المقاومة” ضد إسرائيل، ومحاولة منعها، على الأرجح، من توسيع نطاق احتلالها في جنوب لبنان. غير أنَّ هذا الخيار لا يقتصر أثره على العلاقة مع إسرائيل، بل ينعكس مباشرة على موقع الدولة اللبنانية وسلطتها. فالإصرار على الاحتفاظ بقرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الرسمية من شأنه أن يقوّض المساعي الرامية إلى بسط سلطة الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة، وأن يعيد تكريس ازدواجية القرار الأمني والعسكري التي عانى منها لبنان طويلًا.
مستقبل “المقاومة”: تفوّق إسرائيلي ومأزق لبناني
لكن السؤال الأساسي يبقى ما إذا كان إحياء “مقاومة” يقودها “حزب الله” لا يزال خيارًا قابلًا للتحقيق في الظروف الراهنة. فالبيئة العسكرية التي أتاحـت للحزب خوض حرب استنزاف طويلة ضد إسرائيل قبل انسحاب قواتها من جنوب لبنان في أيار (مايو) 2000 اختلفت جذريًا عمّا هي عليه اليوم. فقد أحدث التطوّر التكنولوجي تحوّلًا عميقًا في طبيعة الحروب وأساليب السيطرة الميدانية، وأصبحت إسرائيل تعتمد بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة، وأنظمة المراقبة والاستهداف عن بُعد، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها، فضلًا عن الوسائل القتالية الآلية والروبوتات المسلحة. وتتيح هذه القدرات ممارسة ضغط عسكري مستمر على الأراضي اللبنانية، من دون الحاجة بالضرورة إلى نشر أعداد كبيرة من القوات البرية أو تحمل الأثمان التي كانت تترتب على الاحتلال المباشر.
يُضاف إلى هذا التفوق التكنولوجي اختلال واضح في القدرة على التصعيد. فإسرائيل تمتلك ما يُعرف عسكريًا بـ”هيمنة التصعيد”، أي القدرة على رفع مستوى العمليات وتوسيع نطاقها، بما في ذلك استهداف بيروت ومناطق لبنانية أخرى، لفرض شروطها السياسية والأمنية. أما “حزب الله”، فقد تراجعت قدرته على الرد بالمستوى نفسه نتيجة الخسائر التي لحقت بقيادته وبنيته العسكرية خلال المواجهات الأخيرة. ومن شأن هذا التفاوت أن يجعل أي محاولة لاستعادة نمط العمليات السابق أكثر كلفة وأقل قدرة على تحقيق النتائج التي كان الحزب يعوّل عليها في مراحل سابقة.
وعليه، فإنَّ أقصى ما قد تتمكن إيران و”حزب الله” من تحقيقه في الظروف الحالية هو إبقاء مواجهة منخفضة الحدة مع إسرائيل، تقوم على عمليات محدودة ومتقطعة تستنزف القوات الإسرائيلية وتمنع تثبيت واقع أمني مستقر في المناطق المحتلة. لكن نجاح هذا الخيار يفترض أوّلًا قدرة الحزب على إعادة بناء شبكاته العسكرية واللوجستية وبنيته التحتية في جنوب لبنان، وهي مهمة قد تصبح بالغة الصعوبة إذا تلاقت جهود إسرائيل والسلطات اللبنانية والجيش اللبناني على منع عودة هذا الوجود المسلح. كما أنَّ استمرار مثل هذه المواجهة يحتاج إلى حدٍّ أدنى من التأييد داخل البيئة الاجتماعية التي ستتحمل تبعاتها، وهو تأييد لم يعد بالإمكان افتراضه تلقائيًا بعد حجم الدمار والنزوح والخسائر التي شهدتها المناطق الشيعية.
إذا استطاع الحزب، رُغم هذه العقبات، إعادة بناء قدراته والحصول على غطاء شعبي يسمح له بمواصلة العمليات، فقد تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام معضلة شبيهة بتلك التي تواجهها السلطة الفلسطينية: سلطة رسمية تتحمل مسؤوليات الحكم والإدارة أمام المجتمع الدولي، لكنها تفتقر إلى السيطرة الفعلية على جميع القوى المسلحة والقرارات الأمنية داخل نطاق سلطتها. وفي مثل هذه الحالة، يصبح هامش الحركة المتاح للدولة ضيِّقًا، فيما تتزايد الضغوط الخارجية عليها لتحمل مسؤولية أعمال لا تملك بالضرورة القدرة على منعها.
مهما يكن المسار الذي ستتخذه التطورات، فإنَّ فرص نزع سلاح “حزب الله” بالقوة على يد الدولة اللبنانية تبدو اليوم أضعف من أيِّ وقتٍ مضى. فهذا الخيار لم يكن مطروحًا بجدية في الأساس، نظرًا إلى ما قد ينطوي عليه من مخاطر مواجهة داخلية تهدد السلم الأهلي، وقد ازدادت صعوبته بعدما عرقلت إسرائيل تنفيذ الترتيبات المتعلقة بـ”المناطق التجريبية”، التي كان يُفترض أن تتيح للجيش اللبناني توسيع انتشاره وبسط سلطته تدريجيًا. وفي غياب تسوية سياسية وأمنية تعالج أسباب الصراع وتوفر للدولة مقومات ممارسة سيادتها، يُرجَّح أن يبقى لبنان، في المستقبل المنظور، ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والحروب بالوكالة، وأن يستمر اللبنانيون في دفع ثمن صراعات لا يملكون وحدهم قرار إنهائها.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.