المأزق
رشيد درباس*
(في طغيانهم يعمهون)
قرآن كريم
أسفرت الانتخابات الإسرائيلية عن مأزق حكومي، يقف حياله الناخب العربي موقف المُتربِّص المُتحفِّز، بعد أن خرج من اللامبالاة التي أسهمت في ذهاب بنيامين نتنياهو بجموحه إلى آخر الأشواط. لقد تمكنت الصهيونية من جعل سكان إسرائيل جيشًا في أتمِّ الانضباط، وشعبًا يمارس اللعبة الانتخابية بلا أيِّ انضباط.
ولكن اللافت أنَّ إسرائيل تكاد تخرج نهائيًّا من عباءة المؤسِّسين، وتتحرَّر من فكر حزب العمل، صاحبِ الدور المهم في الاشتراكية الدولية، الذي استورد من بلاد المنشأ تقاليد “اشتراكية” كان يستطيع أن يُسَوِّقَها في أكثر بلدان العالم. فبعد اسحق رابين (قائد عدوان 1967) وخطوة المصالحة مع الفلسطينين من ضمن اتفاقية أوسلو، انتقل المشهد إلى قيادةٍ ترى فلسطين كلها ضيِّقة على الدولة العبرية التي أمعنت في اتباع سياسة التهجير والتدمير والإبادة.
في ذلك المناخ، صمد الغزّاويون صمودًا أفشل غاية العدوان، فتمسَّكوا بالأرض رُغم صعوبة العيش فيها، وذلك بمواكبةٍ عربية وموقفٍ مصري صارم؛ وفي الضفة بدأت أرض السلطة تتآكل بفعل الفطر الاستيطاني، من دون أن يؤثّر ذلك في تجذُّر السكان وتمسُّكهم بترابهم.
بمحاذاة هذا لم يكفّ نتنياهو عن إطلاق العنان لزبانيته من غلاة المتطرّفين، يستبيحون البيوت والمساجد والكنائس، ويُصَعِّبون العيش حتى على الأطفال؛ وهذا من جملةِ ما دفع عرب العام 1948 الذين أدار أكثرهم الظهور للانتخابات الإسرائيلية في مراحل سابقة، إلى أن يقفوا اليوم وقفة غير مسبوقة برفع نسبة تصويتهم إلى درجة خلخلت الموازين، فانتظمت أحزابهم في حملة غاية في الجدية، أسفرت عن كتلة عربية لم يشهدها الكنيست من قبل. فإذا سأل سائل عن جدوى هذا العدد الكبير في التأثير على الحياة السياسية الإسرائيلية، فالجواب هو أنَّ الحكم في إسرائيل لن يستطيع تجاهل هذه القوة، بفعل انقسام الكتل الصهيونية على نفسها وصعوبة ائتلافها، بعد الذي خلفته سمعة نتنياهو السيئة على صورة إسرائيل لدى معظم الدول التي تشهد مظاهرات بمئات الآلاف ضد الإجرام الصهيوني، بل إنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي اشترك في الترويج لنتنياهو، يطلب إليه الآن التخلُّص من زعانفه التلمودية، للانخراط في خطة الاتفاق الإبراهيمي.
إن نتنياهو الذي حاول أن يغطّي على فشله في إحراز الأكثرية اللازمة لعودته إلى الحكم، بإعلان إحرازه الأكثرية اليهودية الصافية، يعيش الآن إرباكًا استثنائيًّا، يتجلّى بتحذيره خصومَه من الائتلاف أو التفاهم مع الكتلة العربية، تحذيرًا يكشف أكثر حقيقة نتنياهو العنصرية التي أفقدت إسرائيل التعاطف الدولي، لمصلحة فلسطين التي اعترفت بدولتها 157 دولة بما فيها الدول الكبرى ما عدا الولايات المتحدة الأميركية.
ما أريد أن أخلصَ إليه، هو أنَّ العمل السياسي والوطني لا ينبغي له أن يرسف في قيود صدئة، بل أكاد أقول إنَّ الشعب الفلسطيني الذي يعجز الآن عن الكفاح المسلح، يبلي بلاءً تاريخيًّا، بصموده وحيويته وقدرته على اكتساب الأصدقاء والتعكير على مناخ الاستباحة الذي تعربد فيه حكومة الليكود.
إذا كان عدوك في مأزق، فواجبك أن تُعمِّقَ مأزقه لا أن تدير ظهرك للمجريات؛ وعلينا أن نتذكّر أنَّ الهاجس الذي يُقلقُ الصهيونية، ليس المشروع النووي الإيراني، بقدر ما هي الحالة الديموغرافية العربية التي تخطت السكان اليهود عددًا ضمن حدود فلسطين التاريخية.
ليست القوة الغاشمة قدرًا يستعبد الشعوب. فالاحتلالات الإسرائيلية تمتد وتتراجع في لبنان، لكنها لن تتمكّن من التموضع الطويل، إذا تخلت قوى الممانعة عن ممانعة لم تَعُد مُجدية، وانتقلت إلى تفاهم وطني عميق يتكيف مع التطورات والمستجدات التي أسفرت أو ستسفر عنها حروب المنطقة. ولعلَّ أحد مظاهر التفاهم مراعاة الحالة الخليجية التي إن تفاقمت هددت معها مئات آلاف اللبنانيين الذين قد يتحوّلون إلى عبءٍ إضافي بدلًا من أن يظلوا رافعة لازمة.
- رشيد درباس هو وزير لبناني سابق يعمل بالمحاماة، كان سابقًا نقيبًا لمحامي شمال لبنان.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).



