أوروبا على صفيحٍ اجتماعيٍّ ساخِن… هل تنهارُ دولة الرفاه؟

بين شيخوخة السكان وتضخّم الديون وتصاعد الإنفاق العسكري، تتصدّع ركائز دولة الرفاه الأوروبية. فهل تنجح أوروبا في إنقاذ عقدها الاجتماعي، أم تدفعها الأزمات نحو اضطرابات تهدّد استقرارها وديموقراطياتها؟

أوروبا بين مطرقة الحروب وسندان الأزمات… الشعوب تدفع الثمن، والسياسة تغرق في صراعات المصالح.

الدكتور هيكل الراعي*

أثارت موجات الاحتجاج التي شهدتها فرنسا وعدد من الدول الأوروبية خلال الأسابيع الأخيرة، وما صاحب بعضها من أعمال عنف وشغب تمثلت في التخريب والنهب وإحراق الممتلكات العامة والخاصة، نقاشًا واسعًا حول الأسباب البنيوية والظرفية الكامنة وراء هذا الحراك الاجتماعي. فقد بدا لافتًا انخراط فئات مختلفة، من طلاب وعمال ونقابات مهنية، في حركات احتجاجية داخل مجتمعات تُعَدُّ من أكثر المجتمعات تقدُّمًا في مجال ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. ورغم أنَّ بعض مظاهر العنف نُسبَ إلى مجموعات هامشية أو إلى فئات من أبناء المهاجرين الذين يُعانون من التهميش والإقصاء الاجتماعي، فإنَّ اتساع نطاق هذه الاحتجاجات وتكرارها يشيران إلى وجود أزمة أعمق تمسُّ أسس دولة الرعاية الاجتماعية الأوروبية. وتتمثل هذه الأزمة في تنامي الفجوة بين حجم الالتزامات الاجتماعية والصحية والتعليمية التي تضطلع بها الدولة من جهة، وتراجع الموارد المالية والقدرات الاقتصادية اللازمة لتمويل هذه الالتزامات من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل دولة الرعاية الاجتماعية في أوروبا، ومدى انعكاس التحديات التي تواجهها على استقرار الأمن الاجتماعي والسياسي داخل المجتمعات الأوروبية.

تمثل دولة الرعاية إحدى أهم منجزات التسوية الاجتماعية التي عرفتها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد نجحت هذه الدولة، طوال عقود، في توفير منظومة واسعة من أشكال الحماية الاجتماعية شملت التأمين الصحي، ومعاشات التقاعد، وتعويضات البطالة، والتعليم، والخدمات الاجتماعية، وأسهمت في بناء الاستقرار السياسي وتعزيز الاندماج الاجتماعي وتقليص الفوارق الطبقية. وارتبط صعود دولة الرعاية، التي رفعت شعار “الاهتمام بالإنسان من المهد إلى اللحد” بتوسّع الاعتراف بأنَّ المواطنة لا تكتمل بالحقوق المدنية والسياسية وحدها، بل تتطلب أيضًا ضمان حد أدنى من الأمن الاقتصادي والاجتماعي يتيح للأفراد المشاركة الفعلية في الحياة العامة. غير أنَّ هذا النموذج الذي ازدهر في ظلِّ ظروف اقتصادية وديموغرافية خاصة يواجه اليوم تحديًا تاريخيًا يتعلق بقدرته على الاستمرار في بيئة تختلف جذريًا عن البيئة التي نشأ فيها.

ولا تعود الأزمة الراهنة إلى ارتفاع الإنفاق الاجتماعي وحده، كما لا يمكن اختزالها في مشكلة عجز مالي أو مديونية عامة متزايدة، بل تعكس تحوُّلًا بنيويًا أعمق أصاب التوازن الذي قام عليه العقد الاجتماعي الأوروبي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد أدت العولمة الاقتصادية، والتحوُّلات التكنولوجية، وتغيُّر أنماط العمل، والشيخوخة الديموغرافية، وارتفاع المديونية العامة، واتساع الضغوط الجيوسياسية، إلى إعادة رسم العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، الأمر الذي جعل آليات الحماية التقليدية أقل قدرة على الاستجابة للتحديات المستجدة.

من مرحلة الصعود إلى بداية التحوُّل

نشأت دولة الرعاية الحديثة تدريجيًا منذ أواخر القرن التاسع عشر، وجاءت نتيجة مسار طويل من الصراع الاجتماعي والتفاوض السياسي وبناء المؤسسات. لكنها لم تبلغ ذروة توسُّعها إلّا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما تبنّت معظم الدول الأوروبية سياسات تهدف إلى الجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. وقد استند هذا النموذج إلى تسويةٍ تاريخية بين الدولة ورأس المال والعمل هدفها تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، وقوامها توفير الحماية الاجتماعية للمواطنين مقابل الحفاظ على الاستقرار السياسي والإنتاجي.

وساعدت ظروف تلك المرحلة على نجاح التجربة؛ فقد تميزت الاقتصادات الأوروبية بمعدلات نمو مرتفعة، وتوسع مستمر في التشغيل الصناعي، وارتفاع الأجور، وتنامي القاعدة الضريبية، واستقرار العلاقات المهنية، والتحويلات من المستعمرات السابقة (نهب ثرواتها) ما أتاح تمويل برامج اجتماعية واسعة النطاق من دون ضغوط مالية كبيرة. كما ارتكز النظام على افتراض أنَّ غالبية السكان سيكونون منخرطين في وظائف مستقرة وطويلة الأجل، وأنَّ عدد العاملين سيبقى كافيًا لتمويل احتياجات المتقاعدين والفئات غير القادرة على العمل.

غير أنَّ هذه الشروط أخذت تتآكل تدريجيًا منذ سبعينيات القرن الماضي، مع تغير البيئة الاقتصادية العالمية وتراجع فعالية النموذج الصناعي الذي قامت عليه دولة الرعاية.

التحولات الاقتصادية وتراجع الأسس التقليدية للتمويل

شكّلت أزمات النفط في عامي 1973 و1979، وما رافقها من تضخم وتباطؤ اقتصادي وارتفاع البطالة، نقطة تحول مفصلية في الاقتصاد الأوروبي وفي تطور دور دولة الرعاية. فقد انتهت مرحلة النمو المرتفع والتشغيل شبه الكامل، وبدأت الاقتصادات الأوروبية تواجه معدلات أبطأ للنمو وارتفاعًا في معدلات البطالة والتضخم.

وفي العقود اللاحقة، عمقت العولمة الاقتصادية هذه التحولات. إذ أدّت حرية انتقال رؤوس الأموال وتوسع التجارة الدولية وانتقال عدد من الصناعات إلى دول شرق آسيا ومناطق الإنتاج المنخفضة الكلفة، إلى إعادة هيكلة الاقتصادات الأوروبية بصورة جوهرية. فتراجع الوزن النسبي للقطاع الصناعي، واتسعت قطاعات الخدمات والاقتصاد المعرفي، وظهرت أنماط جديدة من التشغيل أكثر مرونة وأقل استقرارًا.

كما حدّت المنافسة الضريبية العالمية من قدرة الحكومات على زيادة الإيرادات العامة بالوتيرة نفسها التي تنمو بها النفقات الاجتماعية. وترافق ذلك مع صعود السياسات النيوليبرالية التي ركزت على الانضباط المالي والخصخصة وتقليص دور الدولة في بعض المجالات الاقتصادية والخدمية. ونتيجة لهذه التطورات، لم تعد منظومات الحماية الاجتماعية تعمل ضمن الظروف التي صممت أصلًا للتعامل معها، بل أصبحت مطالبة بالتكيّف مع اقتصاد أكثر تقلبًا وتفاوتًا وأقل قدرة على توفير الوظائف المستقرة طويلة الأمد.

ومن هنا انتقلت أزمة دولة الرعاية من كونها مسألة ظرفية مرتبطة بتقلبات النمو الاقتصادي إلى أزمة بنيوية تمس الأسس التي يقوم عليها تمويل النظام الاجتماعي نفسه. وهكذا، لم تعد الأزمة ظاهرة مرتبطة بتباطؤ النمو، بل أصبحت تعبيرًا عن تحوُّل في بنية الاقتصاد السياسي نفسه. فدولة الرعاية التي اعتمدت على علاقة مستقرة نسبيًا بين العمل ورأس المال والاشتراكات تواجه اقتصادًا تتزايد فيه الأرباح المالية، وتتفاوت فيه الدخول، وتتراجع فيه حصة بعض فئات العاملين من الاستقرار والحماية.

الشيخوخة الديموغرافية واختلال التوازن بين المساهمين والمستفيدين

إذا كانت التحوُّلات الاقتصادية قد أضعفت قدرة الدولة على تعبئة الموارد المالية، فإنَّ التحوّلات الديموغرافية زادت في المقابل حجم الالتزامات المطلوبة منها. فقد شهدت أوروبا خلال العقود الأخيرة ارتفاعًا مطردًا في متوسّط العمر المتوقع، بالتزامن مع انخفاض مستمر في معدلات الخصوبة. الأمر الذي يرفع بصورة مستمرة الطلب على المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية والرعاية الطويلة الأمد.

تشير بيانات “يوروستات” إلى أنَّ الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا باتوا يمثلون أكثر من خمس سكان الاتحاد الأوروبي عام 2024، في حين استقرت معدلات الخصوبة عند نحو 1.4 طفل لكل امرأة، وهو مستوى أدنى بكثير من معدل التعويض السكاني البالغ 2.1 طفل لكل امرأة.  وتعني هذه التطورات أنَّ أعداد المتقاعدين تتزايد بوتيرة أسرع من أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل. وبما أنَّ معظم أنظمة التقاعد الأوروبية تعتمد على مبدأ التضامن بين الأجيال، حيث تموّل اشتراكات العاملين معاشات المتقاعدين، فإنَّ تراجع نسبة العاملين إلى المتقاعدين يؤدي مباشرة إلى ارتفاع الضغوط على المالية العامة.

ويزداد هذا التحدي تعقيدًا لأنَّ الشيخوخة لا ترفع فقط نفقات التقاعد، بل تزيد أيضًا الطلب على الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والرعاية الطويلة الأمد، وهي المجالات الأسرع نموًّا من حيث الإنفاق في معظم الدول الأوروبية. لذلك أصبحت قضية الشيخوخة السكانية أحد أهم العوامل المحددة لمستقبل دولة الرعاية الأوروبية خلال العقود المقبلة.

سوق العمل الجديد وتآكل قاعدة الحماية الاجتماعية

ارتبطت دولة الرعاية التقليدية بنموذج العامل المأجور الذي يحصل على وظيفة دائمة بدوام كامل ويتمتع بمسار مهني مستقر يمكن خلاله دفع اشتراكات منتظمة إلى صناديق التأمين والتقاعد. إلّا أنَّ هذا النموذج لم يعد يمثل الواقع السائد في العديد من الاقتصادات الأوروبية.

فقد توسعت خلال العقود الأخيرة أشكال العمل المؤقت والجزئي والعمل الحر والعمل القائم على المنصات الرقمية، وأصبحت المسارات المهنية أكثر انقطاعًا وانتقالًا بين الوظائف. ونتيجة لذلك تراجعت قدرة الكثير من العاملين على الاستفادة من أنظمة الحماية المصممة أصلًا للعمالة المستقرة طويلة الأمد.

كما أنَّ الاندماج في سوق العمل لم يعد يضمن بالضرورة مستوى معيشيًا آمنًا. فارتفاع تكاليف السكن والطاقة والخدمات الأساسية أدى إلى ظهور فئات من “العاملين الفقراء” الذين يمتلكون وظائف ولكنهم يواجهون صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتهم الأساسية.

وتنعكس هذه التحولات أيضًا على أوضاع النساء، اللواتي ما زلن يتحملن الحصة الأكبر من أعمال الرعاية غير المدفوعة داخل الأسرة، الأمر الذي يؤثر في استمرارية مشاركتهن في سوق العمل ويؤدي لاحقًا إلى تفاوتات واضحة في مستويات المعاشات التقاعدية.

وبذلك أصبحت أزمة دولة الرعاية مرتبطة بإعادة تعريف مفهوم العمل المنتج نفسه وبالحاجة إلى بناء أنظمة حماية أكثر ملاءمة لمسارات مهنية غير مستقرة ومتعددة الأشكال.

الضغوط المالية وتحديات الاستدامة

تُظهر المؤشرات المالية أنَّ حجم دولة الرعاية لا يزال كبيرًا في الاقتصادات الأوروبية، لكن استمرار تمويلها أصبح أكثر تعقيدًا في ظل تزايد الالتزامات العامة وتباطؤ النمو الاقتصادي. فوفقًا لبيانات “يوروستات” بلغت نفقات الحماية الاجتماعية في الاتحاد الأوروبي نحو 4.58 تريليونات يورو عام 2023، أي ما يعادل 26.8% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تجاوزت النسبة 31% من الناتج في كلٍّ من فرنسا وفنلندا.

يعكس هذا الحجم الكبير من الإنفاق استمرار مركزية الدولة الاجتماعية في الاقتصادات الأوروبية، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم الموارد المطلوبة للحفاظ عليها. ففي عام 2024 بلغ العجز المالي في الاتحاد الأوروبي 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما وصل الدين العام إلى 80.7% من الناتج. غير أنَّ المتوسط الأوروبي يخفي فروقات كبيرة بين الدول؛ إذ بلغ الدين العام 134.9% من الناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا، و113.2% في فرنسا، و101.6% في إسبانيا، وأكثر من 100% في المملكة المتحدة، مقابل نحو 63.9% في ألمانيا. كما سجلت فرنسا عجزًا ماليًا بلغ 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يتجاوز بكثير السقف المرجعي البالغ 3% المنصوص عليه في قواعد الاستقرار الأوروبية.

ولا تنحصر المشكلة في حجم الدين نفسه، بل في التكلفة المتزايدة لخدمته. فقد أدى الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة الأوروبية منذ عام 2022 إلى زيادة الإنفاق الحكومي على مدفوعات الفوائد. وتشير تقديرات البرلمان الأوروبي إلى أنَّ كلفة خدمة الدين بلغت نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا و3.4% في اليونان عام 2024، بينما تراوحت بين 2% و3% تقريبًا في فرنسا وإسبانيا، وظلت أدنى في ألمانيا نتيجة انخفاض مستويات المديونية وتراجع مخاطر الاقتراض السيادي.

وتعني هذه الأرقام عمليًا أنَّ عشرات مليارات اليوروهات تُخصَّص سنويًا لسداد فوائد الديون بدلًا من توجيهها نحو التعليم أو الصحة أو التقاعد أو دعم الأسر. وفي فرنسا على سبيل المثال، أصبحت خدمة الدين من أكبر بنود الإنفاق الحكومي، بينما تمثل في إيطاليا أحد القيود الرئيسية على أيِّ توسُّع مستقبلي في الإنفاق الاجتماعي.

الحرب الأوكرانية وأعباء الأولويات الجديدة

إلى جانب التحديات الداخلية، تواجه أوروبا ضغوطًا مالية ناجمة عن تحولات جيوسياسية كبرى. فقد دفعت الحرب الروسية الأوكرانية الحكومات الأوروبية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز أمن الطاقة وتقديم مساعدات واسعة النطاق لأوكرانيا.

ووفق بيانات المفوضية الأوروبية، بلغ إجمالي ما خصصه الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء لدعم أوكرانيا ماليًا وعسكريًا وإنسانيًا نحو 231.5 مليار يورو بين عامي 2022 و2026، منها ما يقارب 77.9 مليار يورو كمساعدات عسكرية و117.3 مليار يورو عبر موازنة الاتحاد الأوروبي وآلياته المالية المختلفة. وتمثل هذه المبالغ أحد أكبر برامج الدعم الخارجي في تاريخ الاتحاد الأوروبي الحديث، وقد أضيفت إلى التزامات مالية أخرى مرتبطة بدعم اللاجئين وزيادة الإنفاق الدفاعي وأمن الطاقة، الأمر الذي زاد الضغوط على الموازنات العامة في عدد من الدول الأوروبية الكبرى، ولا سيما فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، في مرحلة تشهد أصلًا ارتفاع مستويات الدين العام وتكاليف خدمته.

وأضيفت هذه الالتزامات إلى متطلبات التحول البيئي والاستثمارات اللازمة لمواجهة التغير المناخي، ما جعل الموازنات العامة الأوروبية مطالبة بتمويل مجموعة متزايدة من الأولويات المتنافسة في وقت واحد. وبذلك لم تعد الحكومات تواجه تحدي تمويل دولة الرعاية فحسب، بل بات عليها أيضًا التوفيق بين متطلبات الأمن والدفاع والطاقة والتحول البيئي والاستقرار الاجتماعي.

أزمة المواطنة والشرعية الاجتماعية

لا يمكن اختزال أزمة دولة الرعاية في بُعدها الاقتصادي وحده، لأنها تمسُّ جوهر مفهوم المواطنة الاجتماعية الذي شكل أحد أعمدة الديموقراطيات الأوروبية الحديثة. فالحماية الاجتماعية لم تكن مجرد وسيلة لإعادة توزيع الدخل، بل آلية لدمج الأفراد في المجتمع ومنحهم شعورًا بالأمن والانتماء.

غير أنَّ اتساع التفاوتات الاجتماعية وتراجع الحراك الاجتماعي وارتفاع تكاليف المعيشة أدّى إلى بروز شعور متزايد لدى فئات واسعة بأنّ العقد الاجتماعي التقليدي لم يعد يُحقّق الوعود التي قام عليها. وقد تجلّى ذلك في الاحتجاجات الواسعة ضد إصلاحات التقاعد وفي تصاعد الحركات الشعبوية والخطابات السياسية الرافضة لأعباء الإصلاح أو لإعادة توزيع الموارد.

من هنا، تبدو أزمة الشرعية الاجتماعية أخطر من الأزمة المالية نفسها. فالأنظمة الاجتماعية تستطيع التكيُّف مع الضغوط الاقتصادية عبر الإصلاحات التدريجية، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما تتراجع ثقة المواطنين بعدالة المؤسسات وقدرتها على حماية مصالحهم. وتصبح الأزمة أكثر حدة عندما يشعر المواطنون بأنهم يتحملون الضرائب والاشتراكات من دون أن يحصلوا على خدماتٍ تتناسب مع مساهماتهم أو احتياجاتهم.

ومن هنا يمكن فهم تنامي الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا ودول أوروبية أخرى، على إصلاحات المعاشات، والاعتراضات على تراجع الخدمات العامة، وتصاعد الخطابات السياسية التي تستثمر الخوف من فقدان المكانة الاجتماعية.

إنَّ الخطر الأعمق لا يتمثل في الاحتجاج ذاته، الذي قد يكون وسيلة مشروعة للدفاع عن الحقوق، بل في تآكل الثقة المتبادلة بين المواطنين والسلطات العامة. فإذا اتسعت الفجوة بين الوعود الاجتماعية والقدرة الفعلية على الوفاء بها، فقدت دولة الرعاية جزءًا من شرعيتها، وأصبح من الصعب إقناع الأفراد بقبول الإصلاحات الضرورية أو تحمل تكاليف التحولات الاقتصادية.

في الخلاصة، تكشف أزمة دولة الرعاية الأوروبية عن تحول تاريخي عميق في العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع والدولة. فالنموذج الذي نشأ في ظل اقتصاد صناعي سريع النمو ومجتمعات فتية نسبيًا أصبح يعمل اليوم في بيئة مختلفة تتسم بالشيخوخة السكانية والعولمة الاقتصادية وارتفاع الدين العام وتغير أنماط العمل وتزايد المتطلبات الجيوسياسية.

ومع أنَّ المؤشرات المالية تبرز حجم الضغوط الواقعة على الموازنات العامة، فإنَّ مستقبل دولة الرعاية لن يتحدد فقط بقدرتها على خفض النفقات أو تقليص العجز، بل بقدرتها على إعادة التكيف مع الواقع الجديد من دون التخلي عن رسالتها الأساسية المتمثلة في حماية المواطنين من المخاطر الاجتماعية وضمان الحد الأدنى من الأمن الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

وعليه، فإنَّ التحدي المركزي الذي يواجه أوروبا لا يتمثل في الاختيار بين دولة الرعاية والاستدامة المالية، بل في إيجاد صيغة جديدة تحقق التوازن بينهما. فنجاح هذا التوازن سيحدد إلى حد كبير مستقبل النموذج الاجتماعي الأوروبي، وقدرته على المحافظة على التماسك الاجتماعي والاستقرار الديموقراطي في العقود المقبلة.

  • الدكتور هيكل الراعي هو باحث وأستاذ جامعي لبناني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى