العرب في إسرائيل: الرَقمُ الصعب

محمَّد قوّاص*

الفائز الأكبر في الانتخابات الإسرائيلية هم العرب. كلما تقدّم الفرز أظهر تذبذبًا في نتائج المُعسكَرَين اليهوديَين، لكنه يُظهِرُ صعودًا في حجم الكتلة العربية. وفي ما يُعرف حتى كتابة هذه السطور أنَّ العرب سجّلوا نتيجة قياسية (18-20) مقعدًا، ما يجعلهم “بيضة قبان” لأيِّ حكومة إسرائيلية. وما نعرفه أنَّ بنيامين نتنياهو قد تراجع من دون استبعاد عودته، وأنَّ غادي آيزنكوت تقدّم من دون امتلاكه الأغلبية المطلوبة (61 مقعدًا).

أنهت إسرائيل انتخاباتها التي قد تعتبر الأهم في تاريخها. بدا الناخبون وكأنهم يطوون صفحة “الطوفان” ويفتتحون مرحلة ما بعد ذلك. ولئن كان الاستحقاق إسرائيليًا، فإنَّ عواصم المنطقة جميعها وعواصم العالم الكبرى المعنية، لا سيما واشنطن، راقبت وحلّلت، وربما أدلت خلف الكواليس بما يمكن أن يجعل من الاقتراع بداية لسياق جديد.

لم تخفِ المنطقة على زوارها الأوروبيين والأميركيين تبرّمها من استمرار نتنياهو وطاقم اليمين المتطرّف في الحكم. دونالد ترامب نفسه كان قد سمع هذا الكلام واشتكى لاحقًا من “جنون” “صديقه” قبل أن يمحضه عشية الاقتراع بالدعم من دون تحفّظ.

يكشف ارتفاع نسبة الناخبين (77 في المئة)، لا سيما لدى العرب (80 في المئة)، حالة الاستقطاب الحادة التي تقسّم المجتمع الإسرائيلي، لكنه يكشف أيضًا توقًا عامًا في نتائج المعارضة، يهودًا وعربًا، إلى التغيير للتخلّص من “زمن نتنياهو”، وإن كان الأمر صعبًا ومعقّدًا، وفق غياب الأغلبيات الوازنة، وفي ظل رفض المعارضة اليهودية (آيزنكوت وتحالفه) الاستناد إلى مقاعد العرب لتشكيل الحكومة.

لا تعتري الفلسطينيين أوهامٌ بشأن تحوّل جذري من جرّاء اختفاء نتنياهو المُتمنى لصالح خصومه من غادي آيزنكوت مرورًا بيائير لبيد ونفتالي بينيت وغيرهم. تُجمع الطبقة السياسية الإسرائيلية على رفض قيام دولة فلسطينية، وهو أمر لم تقبل به إسرائيل حتى في عزّ مواسم السلم التي أنتجت اتفاقات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو. يجمع قادة إسرائيل على الإطلالة من عناوين أولوية الأمن على أيِّ خيارات سياسية تسووية أخرى. مع ذلك فإنَّ وعي العرب داخل إسرائيل أدرك أهمية الانخراط في اللعبة الانتخابية، كما أهمية التمييز بين نتنياهو ودوائره اليمينية المتطرفة من جهة والمعسكر المقابل من جهة أخرى، فجاء فوز مرشحيهم لافتًا وربما صاعقا للمشهد السياسي الإسرائيلي.

تشكّل الانتخابات الإسرائيلية محطة مهمة على طريق محطاتٍ تنتظرها المنطقة في الأيام المقبلة. يجري الحدث في قلب صراعات تنفجر على ضفاف البحر الأحمر وممر باب المندب كما على ضفاف الخليج ومضيق هرمز. ويكاد الحدث يتواكب مع حراك الرباعيات الشرق أوسطية والرباعيات الأوروبية كما توجّه وفد من “اتفاق مكة” إلى قلب طهران. وليست مصادفة أنَّ القراءة الكاملة للتحوّلات تنتظر ما ستخرجه صناديق اقتراع التجديد النصفي في الولايات المتحدة في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، لعلَّ في الأمرين ما يمكن أن يشكّل مشهدًا قابلًا للبناء عليه.

سيكون هناك مخاضٌ طويل قبل أن تستقرَّ العملية السياسية على منظر حاكم في إسرائيل. في السيناريوهات، حكومة انتظار بزعامة نتنياهو، أو حكومة أقليات بزعامة آيزنكوت، أو حكومة وحدة وطنية تضغط واشنطن لقيامها، أو حتى تمكُّن نتنياهو من ممارسة حرفته بتشكيل حكومة أقليات من متسرّبين من لوائح منافسة، وإذا فشلت كل الاحتمالات يعود الناخبون للاقتراع من جديد في العام المقبل.

غير أنَّ العالم سيتعامل مع الحدث بصفته أمرًا واقعًا جديدًا. ولئن راقبت عواصم منطقتنا، من إسلام أباد إلى أنقرة مرورًا بالقاهرة وأبوظبي والرياض ودمشق وبيروت…، الحدث الإسرائيلي، فإنها مدعوة جميعًا، وربما معًا، لتموضع جديد ينهي حالة الاستثناء التي طبعت الحالة الإسرائيلية ويضع حدودًا لشططٍ وفجور بات خطرًا على سكينة المنطقة واستقرارها واحتمالات ازدهارها.

الثابت الوحيد أنَّ العرب في إسرائيل باتوا الرقم الصعب في المشهد الحاكم. فإما أن يذهب آيزنكوت إلى القبول بشبكة الأمان التي يقترحونها لحكومته العتيدة لمنع نتنياهو من العودة إلى المشهد، وإما أن تدفن إسرائيل رأسها في التراب، وهذا الأرجح، وتذهب إلى حكومة وحدة وطنية، وربما بضغط من ترامب في واشنطن، تعيد تأهيل نتنياهو من جديد. وفي الحالتين لا شيء سيواري الرقم الصعب العربي الذي قد تغفله إسرائيل والتقطته عواصم العالم أجمع.

  • الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى