الصين والخليج: حين يلتقي النفوذ الاقتصادي بالديبلوماسية العُمانية

عبد السلام فريد*

تملك الصين نفوذًا اقتصاديًا هائلًا في الخليج، وترتبط بعلاقات وثيقة مع السعودية وإيران وسائر دول المنطقة، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في تحويل هذه المكانة إلى تأثير سياسي وأمني يوازي حجم مصالحها. في المقابل، تمتلك سلطنة عُمان، رغم محدودية وزنها الاقتصادي والعسكري مقارنة بالقوى الكبرى، رصيدًا ديبلوماسيًا مميزًا قائمًا على الحوار وبناء الثقة والاحتفاظ بقنوات التواصل مع الأطراف المتخاصمة. وبين القوة الاقتصادية الصينية والخبرة العُمانية في الوساطة، تبرز إمكانية تعاون قد يفتح نافذة مهمة أمام جهود تجنيب الخليج حربًا جديدة.

من هذه الزاوية، تكتسب زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى بكين، ولقاؤه الرئيس شي جين بينغ، أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية. فالزيارة، وهي الأولى لسلطانٍ عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الديبلوماسية عام 1978، جاءت في لحظةٍ تتصاعد فيها المخاوف من اتساع المواجهة مع إيران وتهديد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة. وقد شدد الرئيس الصيني على ضرورة ألّا يتحوّل الخليج إلى ساحة لصراع القوى الكبرى، فيما أكد السلطان هيثم أنَّ التنمية والاستقرار مترابطان، وأنَّ ازدهار الدول يتطلب احترام السيادة والقانون الدولي وحل الخلافات بالوسائل السلمية. ولم يكن هذا التوافق مجرّد تبادلٍ للمواقف، بل تعبيرًا عن إدراكٍ مشترك بأنَّ استمرار الحرب يهدد مصالح الطرفين والمنطقة بأسرها.

تبرز أهمية الموقف العُماني في أنَّ مسقط لا تتعامل مع الوساطة بوصفها مبادرة ظرفية تفرضها الأزمات، بل باعتبارها نهجًا ثابتًا في سياستها الخارجية. فقد حافظت السلطنة، عبر سنوات طويلة، على علاقات متوازنة مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة، واستطاعت أن تؤدي أدوارًا مهمة في تيسير الاتصالات بين أطرافٍ يصعب عليها التحاور مباشرة. وفي عهد السلطان هيثم، استمر هذا النهج، مع حرصٍ واضح على ربط الاستقرار الإقليمي بأولويات التنمية الاقتصادية. وهذه ميزة تمنح عُمان صدقية خاصة: فهي لا تسعى إلى استعراض القوة أو فرض النفوذ، بل إلى توفير المساحة السياسية التي تسمح للخصوم بالبحث عن تسويات.

وقد عكس البيان المشترك الصادر عن القمة العُمانية–الصينية هذه الخصوصية بوضوح. إذ أشادت بكين بالدور العُماني المميَّز في معالجة أزمات الخليج والشرق الأوسط، وأعلنت دعمها استمرار جهود مسقط لاستعادة الأمن والاستقرار. كما دعا البلدان الولايات المتحدة وإيران إلى العودة للحوار، والعمل على وقف شامل لإطلاق النار، واستعادة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز. وهذه المواقف تمنح الزيارة مضمونًا سياسيًا يتجاوز المجاملات الديبلوماسية، وإن كان نجاحها سيظلُّ مرهونًا باستعداد الأطراف المعنية للاستجابة لها.

لا يعني ذلك أنَّ الصين باتت قادرة على الحلول محل الولايات المتحدة في المعادلة الأمنية الخليجية. فواشنطن لا تزال تمتلك القواعد العسكرية والتحالفات ومنظومات الدفاع والقدرة على التأثير المباشر في مسارات المواجهة. أما بكين، فتُفضّل توسيع حضورها عبر التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، مع تجنُّب الالتزامات العسكرية المكلفة. وقد أظهرت استضافتها الاتفاق السعودي–الإيراني عام 2023 أنها تستطيع دعم تفاهمات مهمة، لكنها لم تثبت بعد امتلاك الأدوات اللازمة لحمايتها عندما تتصاعد الصراعات. وهنا تحديدًا تبرز قيمة التعاون مع عُمان، التي تستطيع أن تقدم خبرة الوساطة وقنوات الاتصال، فيما توفر الصين ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا دوليًا داعمًا.

تكتسب هذه الشراكة المحتملة بُعدًا اقتصاديًا لا يقلُّ أهمية عن بُعدِها السياسي. فالصين أكبر شريك تجاري لسلطنة عُمان، وقد تناولت محادثات بكين توسيع التعاون في النفط والغاز والطاقة المتجددة والاستثمار والتكنولوجيا، إلى جانب مواءمة مبادرة “الحزام والطريق” مع “رؤية عُمان 2040”. وتكشف هذه الملفات أنَّ السلطان هيثم يتعامل مع العلاقات الصينية من منظورٍ يجمع بين المصالح الوطنية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي؛ فالاستثمارات والموانئ والصناعات الجديدة لا يمكن أن تزدهر في بيئة مهددة بالحروب وتعطيل التجارة.

أما الصين، فقد أظهرت قدرتها على تخفيف بعض آثار اضطراب أسواق الطاقة عبر تنويع مصادر الإمداد وتوسيع المخزونات والاستثمار في الكهرباء والطاقة النظيفة. لكن هذه المرونة لا تعني أنَّ اقتصادها محصَّن ضد استمرار الأزمات الخليجية. فتعطيل الممرات البحرية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتراجع النمو العالمي تهدد شبكة المصالح التجارية التي بنتها بكين خلال عقود. لذلك، فإنَّ دعم الاستقرار ليس خيارًا أخلاقيًا أو ديبلوماسيًا فحسب، بل ضرورة اقتصادية صينية أيضًا.

بالنسبة إلى دول الخليج، تقدّم هذه التطورات درسًا مهمًا. فالصين شريك اقتصادي واستراتيجي متنامٍ، لكنها ليست بديلًا أمنيًا جاهزًا من الولايات المتحدة. في المقابل، لا تستطيع المظلة العسكرية الأميركية وحدها ضمان تجنيب المنطقة الحروب، خصوصًا عندما تكون واشنطن طرفًا فيها. من هنا تبرز أهمية الديبلوماسية الإقليمية المستقلة، التي تمثل التجربة العُمانية أحد أبرز نماذجها، بوصفها عنصرًا ضروريًا لاستكمال العلاقات مع القوى الكبرى، لا مجرد امتداد لها.

إنَّ القيمة الحقيقية لزيارة السلطان هيثم بن طارق إلى بكين تكمن في أنها تضع أمام الصين فرصة لتجاوز حدود البيانات الداعية إلى السلام، وأمام المنطقة نموذجًا لتعاون يجمع الثقل الدولي بالخبرة الإقليمية. وليس المطلوب أن تتحوّل بكين إلى شرطي الخليج، أو أن تتحمّل مسقط وحدها أعباء الوساطة، بل أن تتكامل القدرات والمصالح لدعم حلول سياسية قابلة للاستمرار. فالقوة الاقتصادية قد تفتح أبواب العواصم، لكن الثقة والصدقية والقدرة على الحوار هي التي تفتح أبواب التسويات. وفي هذه المعادلة، تملك سلطنة عُمان دورًا يستحق أن يُمنح المساحة التي تليق بأهميته.

  • عبد السلام فريد هو مراسل “أسواق العرب” في بكين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى