بعد انتخابات إسرائيل والحرب… “حزب الله” ينخرط في إسناد إيران؟
ابراهيم حيدر*
ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، ستكون المنطقة مرشحة لمزيد من الاضطرابات، إذ إنَّ الداخل الإسرائيلي يتجه، في مختلف الاحتمالات، نحو مسارٍ أمني ستكون له انعكاسات على التطورات السياسية والمواجهات في الشرق الأوسط. فسواء نجح بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة جديدة، أو تعذَّر تشكيلها وبقي على رأس حكومة تصريف الأعمال، فإنه سيحتفظ، في الحالتين، بموقع يتيح له التأثير في القرارات الأمنية والعسكرية، ومواصلة نهجه في المواجهة مع إيران، ما لم تطرأ تطورات تفتح الباب أمام تسوية سياسية.
يبدو لبنان من أكثر بلدان المنطقة تأثرًا بما ستذهب إليه إسرائيل، خصوصًا في ما يتعلق بخطتها في الجنوب المحتل، وشروطها في المفاوضات، بالتوازي مع ضغوط أميركية على الدولة اللبنانية ستستمر في حال فاز حزب دونالد ترامب في الانتخابات النصفية أو خسر.
لبنان سيبقى في قلب العاصفة إلى فترة مديدة، وفي واجهة الأخطار، مُنتظرًا ما ستؤول إليه المواجهة الأميركية-الإيرانية، وما إذا كان مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل سيتغيّر بعد الانتخابات، وانعكاسات كل ذلك على الوضع اللبناني، في ظل الانقسام الداخلي الذي بدأ يأخذ مسارات مختلفة بعد انكشاف متفجرات “حزب الله”، وعودة الجدل حول قرارات الدولة في حصر السلاح، في وقتٍ تبقى الأنظار مشدودة إلى ما يمكن أن يفعله الحزب في حال انفجار الحرب.
كل ما يقال عن موقف “حزب الله” وتعهداته بعدم إسناد طهران، وتجنّب مواجهة شاملة، قد يذهب أدراج الرياح عند اندلاع الحرب الإقليمية، إذ إنَّ الحزب ملتزم حتميًا بمساندة الجمهورية الإسلامية، في حال تعرّضها لضربات كبيرة، وهو أمرٌ أعلنه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم وعدد من المسؤولين في الحزب في أكثر من مناسبة، مستبقين وفق روايتهم إقدام إسرائيل على شنِّ حربها للقضاء على “المقاومة”. وهذه السردية هي نفسها التي ساقها الحزب عند إسناده لإيران في مطلع آذار (مارس) 2026، وهو يدرك أنَّ انخراطه في الحرب المحتملة، أو حتى تنفيذه لعمليات استباقية ضد الاحتلال سيستدرج إسرائيل لتنفيذ تهديداتها بشنِّ حربٍ واسعة على لبنان وفرض واقع أمني جديد في الجنوب كما حدث في الحرب السابقة حين احتلت إسرائيل مساحة لا تقل عن 650 كلم2، ودمرت قرى بأكملها. وقد تكون الحرب هذه المرة أكثر تدميرًا لمناطق جنوب النهر وشماله وصولًا إلى الضاحية الجنوبية وبيروت.
مجاهرة “حزب الله” بإعادة بناء قدراته، واستعداده للمواجهة، يعكس قراره بالإسناد في حال اندلاع الحرب، ولا يعني بالضرورة أنه يدرس كيفية إخراج الاحتلال من الجنوب، طالما أنَّ رهاناته لا تزال قائمة كما كانت قبل 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، فيما أخرج سلاحه من مقاومة إسرائيل، بعدما تحولت وظيفته إلى الإقليم، فلا يبادر إلى مساعدة الدولة أو أقله دعمها في خياراتها لتقوية موقفها التفاوضي، وسحب الذرائع أمام الاحتلال والضغوط التي تشتدُّ على السلطة لاتخاذ إجراءات حاسمة لسحب السلاح، حتى لو أدى ذلك الى الصدام الداخلي.
التحديات كبيرة في مرحلة مفصلية للمنطقة، إذ إنَّ ما هو آت يضع الدولة اللبنانية بين حدَّي قدرتها على التوفيق بين بسط سيادتها وبين الضغوط الأميركية التي تسعى، إن كان في المفاوضات أو مباشرة، إلى الدفع نحو التوصل الى ترتيبات أمنية مع إسرائيل وصولًا إلى اتفاق سلام.
هناك أخطار على لبنان، ليس من اندلاع الحرب في المنطقة فحسب، إنما أيضًا من بقاء الوضع على حاله، مع استمرار الضغوط بعد الانتخابات الإسرائيلية، وبينها شروط أمنية وسياسية، يساهم “حزب الله” في ممارساته تعريض لبنان لمزيد من الحصار والعقوبات، إذ إنَّ كل التوقعات تشير إلى أنَّ المطالب الأمنية الإسرائيلية لن تتغير تجاه لبنان فيما احتمال المواجهة مع إيران سيبقى ضاغطًا على البلاد، وهو ما يطرح على الدولة تحدي تجاوز المأزق الداخلي، وحماية لبنان وإنقاذه من لهيب المنطقة، وعلى “حزب الله” أن يخرج من رهاناته وتبعيته وأوهامه القاتلة.
وفي ظلِّ هذه التحوُّلات، لا تبدو المشكلة في احتمال اندلاع حرب جديدة فحسب، بل في أن يجد لبنان نفسه مرة أخرى أمام حربٍ لا يملك قرار خوضها أو القدرة على تحديد نهايتها. فبين حسابات إسرائيل ومصالح إيران ورهانات “حزب الله”، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع الدولة اللبنانية استعادة قرار الحرب والسلم، أم أنَّ اللبنانيين سيُترَكون مجددًا لدفع أثمان صراعات تتجاوز حدود بلدهم ومصالحه؟
- الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومحلّل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).



