حول تشكيل الحكومة الجديدة في إسرائيل

الدكتور ناصيف حتي*

تكشف القراءة الأولية لنتائج الانتخابات الإسرائيلية عن تحوّلات لافتة في موازين القوى السياسية، أبرزها اهتزاز التحالفات التقليدية وتراجع قوة حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، في ظل تداعيات إدارة الحرب المستمرة منذ اندلاعها، سواء على المستوى الاستراتيجي أو في ما يتعلق بالقرارات السياسية التي اتُّخذت عند المنعطفات الأساسية لمسارها. ولا يقتصر تأثير هذه التحوّلات على إعادة توزيع المقاعد بين الأحزاب، بل يمتد إلى تعقيد عملية تشكيل الحكومة المقبلة، في مشهدٍ تبدو فيه الأكثرية أسيرة “لعبة الأقلية”، بعدما أصبحت القوى الأصغر قادرة على ترجيح كفة هذا المعسكر أو ذاك، أو تعطيل قيام ائتلاف حكومي مستقر.

تُظهر النتائج حجم التراجع الذي مُني به معسكر نتنياهو، إذ خسر أحد عشر مقعدًا مقارنة بانتخابات عام 2022، لتنخفض حصته من 64 إلى 53 مقعدًا، بينها 27 مقعدًا لحزب الليكود. وفي المقابل، حصل حزب “يشار” بقيادة غادي أيزنكوت، المنافس الرئيسي لنتنياهو، على 21 مقعدًا، غير أنَّ هذا التقدّم لا يضمن لمعسكره القدرة على تشكيل حكومة بديلة. فالمعسكر الذي حصد 48 مقعدًا يواجه احتمال خسارة سبعة منها مع خروج أفيغدور ليبرمان ومجموعته من التحالف، ما يزيد تعقيد الحسابات البرلمانية ويجعل تشكيل حكومة جديدة، أيًّا يكن الطرف الذي يتولى قيادتها، مرهونًا بتفاهمات سياسية صعبة وتحالفات قد تفتقر إلى التماسك والاستقرار.

في موازاة هذه التحوّلات، تراجعت قوة الأحزاب الحريدية، التي شكّلت حليفًا أساسيًا لنتنياهو، من 18 إلى 13 مقعدًا. وقد ارتبط تحالفها معه، بصورة رئيسية، بمسألة إعفاء منتسبيها من الخدمة العسكرية، وهي قضية أثارت انتقادات واسعة في أوساط المواطنين اليهود في إسرائيل، وعرّضت نتنياهو لاتهامات بازدواجية المعايير وتغليب الحسابات الانتخابية على الاعتبارات الوطنية. وفي المقابل، يتمسّك الحريديم بهذا الإعفاء انطلاقًا من موقف عقائدي أساسي يعتبرونه غير قابل للتفاوض. وعلى الرغم من تراجع تمثيلهم البرلماني، تبقى هذه الأحزاب قادرة على توفير الأكثرية اللازمة لنتنياهو لتشكيل الحكومة الجديدة، في وقت تتصاعد فيه انتقادات مختلف الكتل السياسية لنهجه في هذه المسألة، باعتباره قائمًا على “اعتبارات انتخابية وليس اعتبارات وطنية”. أما احتمال انتقال الأحزاب الحريدية إلى التحالف مع غادي أيزنكوت، فيبدو مستبعدًا بسبب إصرار الأخير على فرض الخدمة العسكرية على الجميع، الأمر الذي يجعل الخلاف بين الطرفين يتجاوز الحسابات الائتلافية إلى مسألة مبدئية يصعب التوفيق بين موقفيهما بشأنها.

أما المفاجأة الأبرز في نتائج الانتخابات، فتتمثل في ارتفاع تمثيل الأحزاب العربية إلى 19 مقعدًا، مقارنة بعشرة مقاعد في انتخابات عام 2022، وهو تطوُّرٌ يمنحها وزنًا إضافيًا في الحسابات البرلمانية، من دون أن يعني بالضرورة قدرتها على المشاركة في ائتلاف حكومي. فالتحالف الانتخابي بينها وبين نتنياهو يبدو مستحيلًا، في ظل رفضه المبدئي والقاطع لهذا الخيار. وفي المقابل، يظل التحالف مع أيزنكوت بالغ الصعوبة، وإن كان بعض المراقبين لا يستبعدونه بصورة مطلقة. وقد يقوم المخرج السياسي المحتمل، وفق هذا التصوُّر، على أنَّ أيزنكوت “لا يُعارض” منح الفلسطينيين شكلًا محدودًا للغاية من الحكم الذاتي، يقترب مما يصفه البعض بأنه مجرد “صلاحيات بلدية”، تحت سيطرة إسرائيلية شاملة ومحكمة. غير أنَّ هذا الاحتمال يبقى شبه مستبعد، ليس فقط بسبب تعقيدات التفاهم بين أيزنكوت والأحزاب العربية، بل أيضًا لأنَّ مثل هذا الطرح لا يحظى بقبولٍ فلسطيني، خصوصًا في ظل تسارع سياسة التهويد في الضفة الغربية، واتساع الانتشار الاستيطاني ذي الطابع “الاستراتيجي”، الذي يهدف إلى ممارسة مختلف أشكال الضغط لدفع الفلسطينيين نحو التهجير التدريجي. وهي تطورات لا توفر، في المحصلة، بيئة سياسية تساعد على قيام مثل هذا التفاهم.

مع ذلك، يرى بعض المراقبين أنَّ الأحزاب العربية، أو جُزءًا منها، قد تلجأ إلى ما يمكن وصفه بالتصويت “العقابي”، من خلال منح أصواتها لحزب غادي أيزنكوت، من دون الدخول في أيِّ اتفاقٍ أو تحالفٍ سياسي معه، بهدف الحؤول دون عودة بنيامين نتنياهو إلى السلطة. ويتيح هذا الاحتمال، في حال تحققه، التأثير في موازين القوى البرلمانية من خارج أيِّ ائتلافٍ حكومي رسمي، من دون أن يفرض على الأحزاب العربية التزامات سياسية تتعارض مع مواقفها الأساسية.

في المقابل، يرى نتنياهو أنَّ إحدى أوراقه الرئيسية للحصول على الأكثرية اللازمة لتشكيل الحكومة تكمن في استمرار العمليات العسكرية في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة، وإن بأشكالٍ متفاوتة ومستويات مختلفة من التصعيد العسكري والأمني. ووفق هذه القراءة، فإنَّ استمرار الحروب وتصاعد التوترات الإقليمية يخدمان استراتيجيته الرامية إلى العودة إلى السلطة، من خلال إبقاء الاعتبارات الأمنية في صدارة المشهد السياسي الإسرائيلي، وما قد يترتب على ذلك من تأثير في مواقف القوى السياسية وحسابات التحالفات الحكومية.

في ضوء هذه المعطيات، تبرز سيناريوهات عدة لمستقبل تشكيل الحكومة الإسرائيلية، يتقدمها نجاح نتنياهو في تشكيل ائتلاف حكومي جديد، لكنه سيكون ائتلافًا هشًّا بفعل طبيعة العلاقات بين مكوناته وتباين مصالحها ومواقفها. وحتى إذا نجح في تأمين الأكثرية البرلمانية المطلوبة، فإنَّ استمرار حكومته لن يكون مضمونًا، إذ قد تؤدي التحديات الخارجية المتزايدة والضغوط الداخلية المتصاعدة إلى تفكك الائتلاف وسقوط الحكومة في مرحلة لاحقة. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تمكُّن غادي أيزنكوت من جمع أكثرية برلمانية ضئيلة تتيح له تشكيل حكومة بديلة، غير أنَّ هذه الحكومة لن تكون بالضرورة أكثر تماسكًا، نظرًا إلى طبيعة التحالفات التي ستقوم عليها، واحتمال تفكُّكها بدورها تحت وطأة الخلافات الداخلية والتحديات الإقليمية.

يبقى سيناريو ثالث لا يجوز استبعاده، يتمثل في وصول المفاوضات بشأن تشكيل حكومة ائتلافية إلى طريق مسدود، سواء كان نتنياهو أو أيزنكوت الطرف الرئيسي المكلف بتشكيلها، بما يفتح الباب أمام العودة إلى صناديق الاقتراع وإجراء انتخابات جديدة قد تفضي هذه المرة إلى توازنات تسمح بقيام حكومة. وهكذا، تظل السيناريوهات الثلاثة مطروحة، وإن بدرجات متفاوتة من الاحتمال والتأثير، في ظل مشهد سياسي إسرائيلي تتداخل فيه الحسابات الانتخابية مع التحديات الأمنية والعسكرية. ولا تقتصر تداعيات هذه الاحتمالات على مستقبل الحكم داخل إسرائيل، بل تمتد إلى توجُّهات السياسة الإسرائيلية وإدارتها للأزمات والصراعات في المشرق العربي خصوصًا والشرق الأوسط عمومًا.

  • الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى