عندما أصبحت الأقمار الاصطناعية سلاحًا بأيدي الجميع

كابي طبراني*

في الساعات التي أعقبت الهجوم على منشأة بقيق النفطية السعودية في أيلول (سبتمبر) 2019، لم تكن أجهزة الاستخبارات وحدها تراقب حجم الأضرار التي أصابت أحد أهم المرافق النفطية في العالم. ففي غضون ساعات، انتشرت صور الأقمار الاصطناعية التجارية عبر وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث ومنصّات التحليل المفتوح، وأصبح خبراءٌ من مختلف أنحاء العالم قادرين على تقييم حجم الدمار وتأثيره على إنتاج النفط العالمي من دون الحاجة إلى معلومات سرّية أو مصادر استخباراتية خاصة.

في تلك اللحظة، بدا واضحًا أنَّ العالم دخل مرحلة جديدة انتهى فيها احتكار الدول للمعلومة الاستراتيجية.

فما كان قبل سنوات قليلة حكرًا على الجيوش وأجهزة الاستخبارات بات اليوم مُتاحًا للصحافيين والباحثين والشركات الخاصة والمنظمات الدولية، بل وحتى للجماعات المسلحة غير الحكومية. لقد غيّرت الأقمار الاصطناعية التجارية وأدوات تحليل البيانات المفتوحة قواعد اللعبة، ليس فقط في مجال الإعلام أو البحث العلمي، بل أيضًا في ميدان الأمن القومي والصراعات الإقليمية.

ولم تَعُد أهمية هذه الأدوات تقتصر على توفير الصور فحسب، بل باتت مُرتبطة أيضًا بالقدرات المتنامية للذكاء الاصطناعي. فبعدما كان تحليل الصور الفضائية يتطلّبُ فرقًا كاملة من الخبراء والمتخصّصين، أصبحت الخوارزميات الحديثة قادرة على رصد التغيّرات وتحليل الأنماط واستخلاص المؤشرات خلال دقائق، ما وسّع دائرة المستفيدين من هذه المعلومات ورفع قيمتها الاستراتيجية بصورةٍ غير مسبوقة.

ويبدو الشرق الأوسط أكثر المناطق تأثُّرًا بهذه التحوُّلات.

فالمنطقة التي تضمُّ أكبر احتياطات الطاقة العالمية، وأكثر الممرّات البحرية حساسية، وأهم مشاريع البنية التحتية والاستثمار في العالم النامي، أصبحت في الوقت ذاته واحدة من أكثر المناطق خضوعًا للمراقبة المفتوحة من الفضاء. من حقول النفط في الخليج إلى الموانئ الاستراتيجية على البحر الأحمر، ومن القواعد العسكرية إلى المدن الذكية العملاقة، أصبحت معظم الأصول الاستراتيجية العربية مرئية بدرجاتٍ متفاوتة أمام أيِّ جهةٍ تمتلك القدرة على الوصول إلى البيانات وتحليلها.

هذا التحوُّل لا يتعلّق فقط بالتكنولوجيا، بل بإعادة تعريف مفهوم القوة نفسه.

فعلى مدى عقود، اعتمدت الدول على التفوُّق المعلوماتي كأحد أعمدة الردع وحماية المصالح الوطنية. وكانت القدرة على إخفاء المنشآت الحسّاسة أو تقليص معرفة الخصوم بها جُزءًا أساسيًا من التخطيط الأمني والعسكري. أما اليوم، فإنَّ الأقمار الاصطناعية التجارية التي تزداد دقّتها عامًا بعد عام، إلى جانب أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل الصور، تجعل من الصعب الحفاظ على مستويات السرية التي كانت مُمكِنة في الماضي.

ولعلَّ الأهم أنَّ هذه القدرة لم تَعُد حكرًا على الحكومات.

ففي النزاعات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، استُخدِمَت صور الأقمار الاصطناعية المفتوحة المصدر لتوثيق الدمار في سوريا وغزة ولبنان والعراق، ورصد التحرّكات العسكرية، ومراقبة البنية التحتية الحيوية. وقد ساهم ذلك في تعزيز الشفافية وتوفير أدوات مستقلة للتحقّق من الوقائع في بيئاتٍ تشهد تنافسًا حادًا على الروايات والمعلومات.

لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة لا يقلُّ أهمّية.

فالأدوات ذاتها التي تساعد الصحافيين والمنظمات الإنسانية على كشف الحقائق يُمكن أن تستفيدَ منها جماعات مسلّحة أو شبكات إجرامية أو حتى أجهزة استخبارات أجنبية في مراقبة المنشآت الحيوية وتحليل أنماط النشاط الاقتصادي والعسكري. صحيح أنَّ صور الأقمار الاصطناعية المفتوحة لا توفر دائمًا معلومات فورية أو أسرارًا عسكرية حسّاسة، لكنها تُقلّص مساحة الغموض التي كانت تمنح الدول ميزةً استراتيجية في السابق، وتوفّر للخصوم والفاعلين غير الحكوميين قدرًا متزايدًا من المعرفة حول البيئات التي يعملون فيها.

وتزداد أهمية هذه المسألة في منطقة تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على البنية التحتية الثابتة.

فدول الخليج، على سبيل المثال، استثمرت مئات المليارات من الدولارات في منشآت النفط والغاز والموانئ والمطارات والمناطق اللوجستية والمدن المستقبلية. كما تُراهنُ على مشاريع كبرى تهدف إلى تحويل المنطقة إلى مركزٍ عالمي للتجارة والطاقة والتكنولوجيا. غير أنَّ هذه الأصول الاستراتيجية تتمتع في الوقت نفسه بدرجة عالية من الظهور والوضوح من الفضاء، ما يجعلها عرضةً لمراقبة مستمرّة من قبل أطرافٍ متعددة.

ولا يقتصر الأمر على المنشآت النفطية أو العسكرية فحسب.

فالممرات التجارية الجديدة، ومشاريع الربط الإقليمي، والبنية التحتية الرقمية، وحتى شبكات الطاقة المتجددة، أصبحت جميعها جُزءًا من مشهدٍ جغرافي مفتوح يمكن تحليله ومتابعته بصورة شبه دائمة. وفي عالمٍ تتزايد فيه المنافسة الجيوسياسية، فإنَّ المعرفة المتراكمة حول هذه الأصول قد تتحوّل إلى عنصرٍ مؤثّر في حسابات الأمن والاستثمار والردع.

ورُغمَ ذلك، لا يزال العديد من المؤسسات الأمنية في المنطقة يتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها قضية تقنية أو إعلامية أكثر منها تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد.

فمعظم الأطر الأمنية التقليدية صُمِّمَ للتعامل مع المعلومات السرية والتسريبات والاختراقات، بينما يتمثّل التحدي الجديد في وفرة المعلومات المُتاحة للجميع. وبعبارةٍ أخرى، لم تَعُد المشكلة الأساسية تكمن في حماية الأسرار بقدر ما تكمن في إدارة الانكشاف الدائم الذي تفرضه التكنولوجيا الحديثة.

ولهذا السبب، فإنَّ الدعوات إلى تقييد الوصول إلى صور الأقمار الاصطناعية أو فرض قيود واسعة على تداولها تبدو غير واقعية. فالسوق العالمية للصور الفضائية تتوسّع بسرعة، وعدد الشركات العاملة في هذا المجال يتزايد باستمرار، كما إنَّ الذكاء الاصطناعي يجعل تحليل البيانات أكثر سهولة وأقل تكلفة من أيِّ وقتٍ مضى.

السؤال الحقيقي إذن ليس كيف يمكن منع الآخرين من الرؤية، بل كيف يمكن للدول أن تحافظ على أمنها في عالمٍ أصبحت فيه الرؤية متاحة للجميع.

وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة للأمن القومي تقوم على المرونة بدلًا من السرّية المُطلقة. فالتخطيط للمنشآت الحيوية يجب أن يفترض مُسبقًا أنها مرئية وقابلة للرصد. كما ينبغي أن تصبح تقييمات التعرُّض للمراقبة المفتوحة جُزءًا من عملية تصميم البنية التحتية وإدارة المخاطر، تمامًا كما تؤخذ التهديدات السيبرانية أو الهجمات التقليدية في الاعتبار.

لقد دخل الشرق الأوسط، مثل بقية العالم، عصر الاستخبارات المفتوحة. ولم يعد التفوُّق الاستراتيجي مرتبطًا فقط بامتلاك المعلومات، بل بالقدرة على العمل بفعالية في بيئة يعرف فيها الجميع تقريبًا ما يمكن رؤيته من الفضاء.

لقد كسرت الأقمار الاصطناعية التجارية الاحتكار التاريخي للمعلومة الاستراتيجية، وفرضت واقعًا جديدًا لم يعد فيه الفضاء حكرًا على القوى الكبرى أو أجهزة الاستخبارات. وفي عصرٍ أصبحت فيه القدرة على الرؤية متاحة للجميع تقريبًا، لن تُقاس قوة الدول بما تستطيع إخفاءه، بل بما تستطيع حمايته عندما يكون مكشوفًا أمام العالم.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى