روسيا ما بعد أوكرانيا: قوّةٌ أضعَف… وخَطَرٌ أكبر

كابي طبراني*

الحروب لا تنتهي عندما يتوقّف إطلاق النار، بل عندما تبدأ آثارُها الحقيقية الظهور. وفي حالة الحرب الروسية على أوكرانيا، فإنَّ النهاية —متى جاءت— لن تعني عودة الاستقرار إلى أوروبا، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة. فروسيا التي ستخرج من هذه الحرب لن تكونَ أقوى، لكنها قد تكون أكثر اندفاعًا وعدوانية.

هذه المفارقة—الضعف المُقترن بالتشدُّد—ليست جديدة في التاريخ، لكنها تكتسبُ اليوم دلالاتٍ خاصة في عالمٍ يعيش توتّرات متصاعدة، من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، حيث تتداخل الحروب والاصطفافات الكبرى. بالنسبة إلى القارئ العربي الذي يتابع المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإنَّ فَهمَ التحوُّل الروسي ليس ترفًا، بل ضرورة لفهم شكل النظام الدولي المقبل.

لقد غيّرت الحرب في أوكرانيا العلاقة بين روسيا والغرب بشكلٍ جذري. لم يَعُد الأمر يتعلّق بخلافاتٍ سياسية قابلة للإدارة، بل بقطيعةٍ استراتيجية عميقة. فروسيا لم تَعُد ترى نفسها جُزءًا من نظامٍ أوروبي أوسع، بل قوّة مُحاصَرة تُواجه بيئةً مُعادية على حدودها. هذا الشعور بالحصار ليس جديدًا، لكنه اليوم أكثر حدّةً ووضوحًا.

تلعب الجغرافيا دورًا محوريًا في هذا الإدراك. فروسيا، عبر تاريخها، نظرت إلى حدودها الغربية باعتبارها نقطة ضعف مفتوحة، حيث لا توجد حواجز طبيعية كافية لردع الغزاة. من نابليون إلى هتلر، شكّلت هذه التجارب صدمةً استراتيجية عميقة لا تزال حاضرة في عقل صانعي القرار في موسكو. ومع توسُّع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقًا، وتعزيز علاقات أوكرانيا مع الغرب، بدا للكثيرين في روسيا أنَّ هذا الخطر التاريخي يعود في شكلٍ جديد.

لكن الجغرافيا لم تَعُد العاملَ الوحيد. فالتكنولوجيا العسكرية الحديثة غيّرت قواعد اللعبة. الصواريخ الدقيقة، وأنظمة الاستشعار، والتفوُّق في المعلومات، كلها أدوات قلّصت من أهمية “العمق الاستراتيجي” الذي كانت روسيا تعتمد عليه. وبذلك، لم تعد المسافات الشاسعة تُوفِّرُ الحماية نفسها كما في الماضي. هذا التحوُّل عزّزَ اعتماد موسكو على ترسانتها النووية كضمانةٍ نهائية للأمن والبقاء.

هنا تكمن المفارقة الأساسية: روسيا تضعف عسكريًا واقتصاديًا، لكنها في الوقت نفسه قد تُصبِحُ أكثر خطورة. فبدلًا من الانخراط في مواجهاتٍ تقليدية واسعة، قد تتجه بشكلٍ أكبر نحو أدواتٍ غير تقليدية—الهجمات السيبرانية، حملات التضليل، التدخُّل السياسي—وهي أدوات أقل كلفة وأكثر قدرة على إرباكِ الخصوم من دون الوصول إلى حربٍ شاملة.

بالنسبة إلى أوروبا، يعني ذلك أنَّ الصراعَ لن ينتهي بانتهاء الحرب في أوكرانيا، بل سيتحوّل إلى حالةٍ دائمة من التوتر مُنخفِض الحدة. البنية التحتية، والأنظمة السياسية، وحتى الرأي العام، ستبقى عُرضةً للاستهداف. الحدود بين الحرب والسلم ستُصبحُ أكثر ضبابية.

في المقابل، تشهد أوروبا نفسها تحوُّلًا عميقًا. دولٌ كانت تعتمد على الديبلوماسية والانفتاح الاقتصادي بدأت تُعيدُ التسلُّح وتزيد إنفاقها الدفاعي. تَوَسُّع حلف “الناتو” باتجاه الشمال، مع انضمام فنلندا والسويد، يعكس هذا التحوُّل. لكن هذه الوحدة الغربية قد لا تكون ثابتة.

هنا تبرز نقطة تقاطع مهمة مع الشرق الأوسط. كما إنَّ توازنات المنطقة تتأثر بشكل كبير بالدور الأميركي—سواء في دعم إسرائيل أو في مواجهة إيران—فإنَّ أمنَ أوروبا لا يزال يعتمد بشكلٍ أساسي على الولايات المتحدة، خصوصًا في المجال النووي. لكن هذا الاعتماد يواجه تحديات، في ظلِّ تغيُّر الأولويات الأميركية وتصاعد النزاعات في مناطق أخرى، بينها الشرق الأوسط.

إذا تراجع الالتزام الأميركي، قد تجد أوروبا نفسها مضطرة لإعادة التفكير في منظومتها الأمنية، وربما تطوير قدرات ردع مستقلة. وهذا سيناريو يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يفتح الباب أمام سباقات تسلح جديدة، ويزيد من هشاشة النظام الدولي.

أما روسيا، فمن غير المرجح أن تتجه نحو الاستقرار الداخلي. فالحرب أضعفت اقتصادها، لكنها في الوقت نفسه عزّزت نزعاتها السلطوية. في مثل هذه الظروف، غالبًا ما تلجأ الأنظمة إلى تعزيز الخطاب القومي والتصعيد الخارجي للحفاظ على تماسكها الداخلي. وهذا نمطٌ مألوف أيضًا في مناطق أخرى، حيث تُستخدم الأزمات الخارجية كوسيلة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية.

من هنا، فإنَّ التعويل على “تطبيع سريع” للعلاقات مع موسكو يبدو رهانًا خاسرًا. فالعوامل التي تدفع نحو الصراع—التاريخ، الجغرافيا، والثقافة الاستراتيجية—ليست ظرفية، بل عميقة وممتدة. حتى تغيير القيادة السياسية لن يكون كافيًا لتغيير هذا المسار بسهولة.

التحدّي الحقيقي، إذًا، لا يكمن في حل المشكلة الروسية، بل في إدارتها. وهذا يتطلّب مزيجًا دقيقًا من الردع والاحتواء: ردعٌ يمنع التصعيد، واحتواءٌ يمنع الانزلاق إلى مواجهةٍ شاملة. كما يتطلب تعزيز المناعة الداخلية للدول، سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا، لمواجهة أشكال الصراع الجديدة.

في عالمٍ تتداخل فيه الجبهات—من أوكرانيا إلى غزة ولبنان، ومن طهران إلى تل أبيب وواشنطن ودول الخليج—لم يَعُد بالإمكان النظر إلى أيِّ صراع بمعزل عن الآخر. روسيا ما بعد أوكرانيا ستكون جُزءًا من هذا المشهد المعقد، لا على هامشه.

ولهذا، فإنَّ نهاية الحرب لن تعني نهاية الخطر، بل بداية مرحلة جديدة—مرحلة تتطلّب قدرًا أكبر من الحذر، ووعيًا أعمق بطبيعة التحوُّلات الجارية في النظام الدولي.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى