تركيا في زمن الزلازل الجيوسياسية: بين الرَدعِ والاستهداف

الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي*

يمرُّ الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة بحالةٍ غير مسبوقة من “السيولة الأمنية الشاملة”، حيث تتآكل الحدود التقليدية بين ساحات الصراع، وتتحوّلُ المواجهات الموضعية في غزة ولبنان وإيران إلى زلزالٍ جيوسياسي باتت ارتداداته تُهدّد العمق التركي.

في هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية حول موقع أنقرة في هذه المعادلة المتحرّكة: ما الذي يجعلها تختلف عن بقية اللاعبين الإقليميين؟ وكيف تستعد لاحتمالات تصعيد قد يطالها بشكل مباشر أو غير مباشر؟ لا سيما في ظلِّ تصاعُد خطاب إسرائيلي إقليمي متوتر، يحمل إشارات واضحة إلى اتساع رقعة المواجهة، بل ويذهب إلى حدِّ التلويح بأنَّ “الدور قد يصل إلى تركيا”.

تعتمد تركيا في مقاربتها الأمنية على مزيج من القدرات العسكرية والتقنية والتحالفات الإقليمية. فهي تمتلك ثاني أكبر جيش ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب تطور ملحوظ في الصناعات الدفاعية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ. هذا التطوُّر منحها هامشًا أوسع من الاستقلالية في القرار العسكري، وعزز قدرتها على الردع في بيئة إقليمية معقدة. بالتوازي، تعمل أنقرة على توسيع شبكة شراكاتها الدفاعية، بما في ذلك التعاون مع دول مثل السعودية ومصر، في محاولة لبناء توازنات إقليمية تقلل من كلفة المواجهة المحتملة.

لكن البُعدَ العسكري ليس وحده ما يُميّز الدور التركي. فثمة عنصرٌ آخر لا يقلُّ أهمية، يتمثل في الرصيد السياسي والرمزي والأخلاقي الذي راكمته أنقرة خلال السنوات الماضية، خصوصًا في تعاطيها مع قضايا إقليمية حساسة لا سيما في سوريا. هذا الرصيد ينعكس في صورتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام في المنطقة، ويمنحها أدوات تأثير تتجاوز القوة الصلبة، لتشمل ما يُعرف بالقوة الناعمة.

وخلافًا للتصوّرات التي تحصر الصراع في الإطار العربي–الإسرائيلي، تُدرك أنقرة أنَّ ملامح المواجهة باتت أقرب إلى حدودها مما يُعتقد. فالمسافة الجيوسياسية —وليس فقط الجغرافية— التي تفصلها عن مراكز القوة الإسرائيلية تجعلها ضمن نطاق التأثير المباشر لأي تصعيد. ولا يقتصر الأمر على البُعد العسكري، بل يمتد ليشمل شبكة تحالفات إقليمية قد تضيق هامش الحركة أمام المصالح التركية، سواء في شرق المتوسط أو في القوقاز، ما يضع الطرفين تدريجًا على مسارٍ تنافسي يتقاطع عند مناطق النفوذ.

وبناءً على الدروس الاستراتيجية العميقة التي استخلصَتها أنقرة من المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية، أعادت تركيا صياغة عقيدتها الدفاعية لترتكز على “الردع الاستباقي”؛ فسارعت لامتلاك منظومات “فرط صوتية” كـ”تايفون”، وشيدت “القبة الفولاذية” لتأمين المجال الجوي الوطني. هذا التحصين التقني امتد للأرض عبر “قلاع حدود صاروخية” مُحصَّنة ضد التسلل والعمليات الهجومية والهجرة غير المنظمة، إضافة إلى تحصين الجبهة الداخلية بشبكة ملاجئ شاملة في الولايات الـ81، هذا وبالتوازي مع تعزيز السلم المجتمعي والمصالحات الوطنية، وأهمها ملف المصالحة مع المكوّن الكردي، لضمان تماسك الدولة وسط أمواج الصراعات المتزايدة.

تتجلى “البراغماتية التركية” اليوم في أبهى صورها عبر تقديم المصالح الاستراتيجية العليا للمنطقة على الانفعالات اللحظية؛ وهي سياسة تهدف بالأساس إلى قطع الطريق على محاولات بنيامين نتنياهو تسويق تركيا كـ”فزاعة إقليمية” لاستقطاب الدول العربية. فبينما يسعى الخطاب الإسرائيلي إلى تصوير أنقرة كتهديد “عثماني” موازٍ لشرعنة وجود إسرائيل كـ”صمّام أمان” وحليف ضروري للعرب، جاء الرد التركي بتبنّي رؤية واقعية تُوازِن بين الموقف المبدئي والضرورات الجيوسياسية، وهو ما فسّر استمرار الروابط التجارية لفترة بعد أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) قبل تقييدها كأداة ضغط مدروسة، لسد كافة الذرائع أمام القوى التي تستثمر في الخلافات البينية.

ويتسق هذا النهج مع عودة قوية لاستراتيجية “تصفير المشاكل” بنسختها الواقعية الجديدة، حيث تدرك أنقرة أنَّ ترميم العلاقات مع القوى الإقليمية كالسعودية ومصر والإمارات هو السبيل الوحيد لإسقاط مشروع “الفزّاعة” الإسرائيلي. إنَّ هذا السعي التصالحي يهدف إلى تحويل المنطقة من ساحةٍ للصراعات الجانبية التي يُغذّيها الآخرون، إلى كتلة متماسكة تدرك “وحدة مصيرها” وتستطيع حماية أمنها القومي واستقلالها السياسي بعيدًا من سياسات التخويف والتمزيق الاستعمارية.

في المحصّلة، في ظل الديناميكيات المعقدة التي تعصف بالشرق الأوسط، أثبتت أنقرة أنَّ قوتها لا تختزلها الترسانة العسكرية فحسب، بل تغذيها الكاريزما التركية وبراغماتيتها العالية في الموازنة بين الردع التقني والعمق الحضاري. ومع كل ما تبذله تركيا من جهود استباقية لتحصين جبهتها، يبقى اليقين بأنَّ مواجهة الأخطار الوجودية لا تكتمل بجهود منفردة؛ إذ إنَّ الحلَّ المستدام لا يكمن إلّا في إرساء نواة لـ”كومنولث إقليمي” مشرقي، يجمع القوى المركزية في كتلة جيوسياسية صلبة، تنتزع زمام المبادرة وتضع حدًا نهائيًا لعصر الاستفراد، لترسم للمنطقة قدرًا جديدًا من السيادة المطلقة والاستقلال الاستراتيجي العابر للحدود.

فهل نترقّب ولادة هذا الكومنولث المشرقي كضرورة وجودية تفرضها الجغرافيا، أم أنَّ عوائق التاريخ ستظل أقوى من ضرورات المستقبل؟

  • الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي هي أستاذة جامعية وباحثة سياسية لبنانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى