مُستَقبَلُ دبي: صمودٌ أم إعادةُ تعريف؟

تقف دبي عند لحظةٍ مفصلية بعد أزمةٍ غير مسبوقة، حيث لم يعد التعافي وحده كافيًا لاستعادة موقعها. فالمعادلة اليوم تتجاوز الصمود إلى إعادة تعريف دورها في اقتصاد إقليمي بات أكثر تقلبًا.

دبي: مدينة تُعيد ابتكار نفسها باستمرار، حيث يلتقي الأفق الاقتصادي الطموح مع واقع إقليمي متحوّل.

عمّار الحلّاق*

بعد أسابيع على دخول وقف إطلاق النار الهشّ حيّز التنفيذ في حرب الشرق الأوسط، تجد دبي نفسها أمام مهمة معقدة: استيعاب تداعيات أخطر أزمة أمنية في تاريخها الحديث، ومحاولة استعادة زخمها الاقتصادي ومكانتها كمركز مالي إقليمي ودولي.

فالإمارة كانت الهدف الأبرز للهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج منذ أواخر شباط (فبراير)، في إطارِ ردِّ طهران على الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إلى جانب عدد كبير من قيادات النظام وآلاف المدنيين. ومع اتساع نطاق الهجمات –خصوصًا منذ 11 آذار (مارس) حين شملت بشكلٍ صريح المراكز الاقتصادية والبنوك– تعرّضت دبي لضربة مباشرة أصابت صميم نموذجها الاقتصادي القائم على الخدمات، وأثارت تساؤلات جدية حول قدرتها على الحفاظ على مكانتها كمركزٍ مالي أول في المنطقة.

ومنذ إعلان وقف إطلاق نار مؤقت بوساطة باكستانية في 7 نيسان (أبريل) بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران –والذي ظلَّ قائمًا حتى وقت كتابة التقرير– سعت دبي إلى إظهار قدر من التماسُك، عبر إطلاق حزم دعم اقتصادية وتبنّي سياسات تستهدف إعادة الثقة إلى الأسواق المحلية واستقطاب استثمارات جديدة. وتشير إفادات عدد من العاملين في القطاع المالي إلى أنَّ جُزءًا من الكفاءات التي غادرت الإمارة في بداية الأزمة عاد بالفعل، أو يخطط للعودة، مدفوعًا بعوامل تتعلق بجاذبية دبي كوجهة معيشية واستثمارية.

ويقول روبرت موغيليكني، مؤسس شركة “بوليسفير أدفايزري”: “لا يزال كثير من المقيمين الذين غادروا يرغبون في العودة، لأنَّ دبي بالنسبة إليهم تمثّل موطنًا، فيما ينظر إليها آخرون بوصفها عقدة مركزية في الاقتصاد العالمي. لكن التحدّي الحقيقي يكمن في مدى قدرة الاقتصاد على الصمود، ونوعية التعافي الذي يمكن تحقيقه في المرحلة المقبلة”.

تآكل صورة “الملاذ الآمن”

الضرر الذي لحق بدبي لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل طالَ أيضًا صورتها الدولية التي بُنيت بعناية على مدى عقدين بوصفها “ملاذًا آمنًا” في منطقة مضطربة. فمشاهد استهداف مطار دبي الدولي –الأكثر ازدحامًا في العالم– إلى جانب الفنادق الفاخرة والمناطق المحيطة بالمركز المالي، تركت أثرًا عميقًا على هذه الصورة.

ويزداد هذا التأثير مع غياب اتفاقٍ دائم لوقف إطلاق النار، ما يرفع من مستوى المخاطر في نظر المستثمرين والشركات الدولية. فمجرد استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي ينعكس مباشرة على قرارات الاستثمار والتمويل.

على مدى العقدين الماضيين، نجحت دبي في ترسيخ موقعها كمركز مالي ومصرفي إقليمي متقدم، متجاوزة منافسين تقليديين مثل البحرين، ومتحوّلة إلى مقرٍّ رئيسي للشركات العالمية التي تدير عملياتها في الشرق الأوسط وخارجه. وبعد فترة صعبة أعقبت الأزمة المالية العالمية، استعادت الإمارة زخمها تدريجًا، ورسّخت مكانتها كواحدة من أبرز المراكز المالية العالمية.

وقد انعكس ذلك في تقدّمها إلى المرتبة السابعة عالميًا في مؤشر المراكز المالية الدولية الصادر في آذار (مارس)، مُتقدمةً على مدن مالية بارزة مثل سيول وطوكيو وزوريخ، كما صُنفت كأسرع مركز مالي نموًا من حيث الأهمية.

لكن هذه المكانة تعرّضت لاهتزازٍ واضح مع اندلاع المواجهة العسكرية في 28 شباط (فبراير)، حين ردت إيران على الضربات الأميركية-الإسرائيلية بسلسلة هجمات استهدفت دول الخليج، وكان نصيب دولة الإمارات منها الأكبر، إذ تعرضت لأكثر من 2800 صاروخ وطائرة مسيّرة — وهو رقم يوازي تقريبًا مجموع ما تعرضت له بقية دول مجلس التعاون الخليجي.

ويرى محللون أنَّ هذا التركيز يعكس موقفًا إيرانيًا من التقارب المتزايد بين الإمارات وإسرائيل منذ توقيع اتفاقات “أبراهام”، حيث يُنظر إلى أبوظبي باعتبارها طرفًا أقرب إلى المعسكر الأميركي-الإسرائيلي، وأقل حيادًا مقارنة ببقية دول الخليج.

اضطرابٌ مالي وقلق في الأسواق

مع تصاعد الهجمات، خصوصًا بعد إعلان إيران في 11 آذار (مارس) استهداف “المراكز الاقتصادية والبنوك المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل”، ارتفع مستوى القلق داخل الأوساط المالية. وتعرّضت مبانٍ في محيط مركز دبي المالي العالمي لأضرار، ما دفع مؤسسات مالية إلى اعتماد العمل عن بُعد كإجراءٍ احترازي.

وفي الأيام الأولى للأزمة، سادت حالة من القلق دفعت آلاف المقيمين إلى مغادرة البلاد. وتشير تقديرات إلى مغادرة نحو 30 ألف بريطاني ادولة لإمارات—أي ما بين 10% و15% من إجمالي عددهم قبل الحرب. كما غادر عدد من المصرفيين والعاملين في القطاع المالي، في وقتٍ سجلت فيه شركات التوظيف ارتفاعًا في طلبات البحث عن فرص عمل في أسواق بديلة مثل الولايات المتحدة وسويسرا.

وشهدت البنوك المحلية عمليات سحب ملحوظة للودائع، إذ سارع بعض الشركات الدولية إلى تحويل أموالها إلى بنوك خارجية، تحسّبًا لفرض قيود على حركة رؤوس الأموال. ورُغمَ أنَّ هذه القيود لم تُفرَض فعليًا، اضطرت الجهات الرسمية إلى نفي هذه المخاوف والتأكيد على التزام الدولة بحرية حركة رأس المال.

وفي موازاة ذلك، بدأ بعض المؤسسات المالية دراسة خطط بديلة، بما في ذلك إنشاء مراكز احتياطية في سنغافورة أو خارج المنطقة، تحسُّبًا لاستمرار الصراع لفترة طويلة.

صمود نسبي وعودة تدريجية

على الرُغم من هذه التطورات، لم تشهد دبي نزوحًا واسعًا للكوادر المالية كما كان يُخشى. إذ بقيت الغالبية في مواقعها، فيما اتخذت عائلات كثيرة قرارًا مؤقتًا بنقل أبنائها إلى الخارج لأغراض تعليمية، قبل أن يسهم استئناف التعليم الحضوري في نيسان (أبريل) في تهدئة هذه المخاوف.

ويؤكد عاملون في السوق أنَّ المقوّمات الأساسية لدبي—بما في ذلك جودة الحياة، والبنية التحتية المتقدمة، والسياسات الحكومية الداعمة للإقامة—لا تزال قائمة، ما يعزز من قدرتها على الحفاظ على جاذبيتها في المديين المتوسط والطويل.

تداعيات اقتصادية واسعة

مع ذلك، فإنَّ التأثير الاقتصادي للأزمة كان عميقًا. فقد تأثرت قطاعات رئيسة مثل التجارة والسياحة والنقل والخدمات المالية –التي تمثل مجتمعة أكثر من 60% من اقتصاد الإمارة– بشكلٍ ملحوظ.

وتزامن اندلاع الحرب مع موسم عطلات عيد الفصح، ما أدى إلى تراجع حاد في حركة السياحة. فقد انخفضت الرحلات الجوية إلى دبي بنحو الثلثين خلال شهر آذار (مارس)، فيما تراجعت نسب إشغال الفنادق إلى نحو 20% فقط، مقارنة بمعدلات تتراوح بين 70% و80% في الظروف الطبيعية.

كما تأثر نشاط ميناء جبل علي –أكبر موانئ الحاويات في الشرق الأوسط– بالتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، ما انعكس على حركة التجارة الإقليمية والدولية.

وأظهرت بيانات مؤشر مديري المشتريات الصادرة عن وكالة “ستاندارد آند بورز غلوبال” ( S&P Global) اضطرابات واضحة في سلاسل الإمداد، مع تسجيل أطول فترات تأخير في تسليم الطلبات منذ عام 2022، إلى جانب تراجع حاد في مستويات المخزون لدى الشركات.

وعلى صعيد التوقعات، خفّض صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو اقتصاد الإمارات إلى 3.1%، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 5%. في المقابل، يبدو بعض التقديرات أكثر تشاؤمًا، إذ يرجح تسجيل اقتصادات الخليج انكماشًا يتراوح بين 5% و10% خلال العام.

تدخل حكومي لدعم التعافي

في مواجهة هذه التحديات، سارعت السلطات في دبي إلى إطلاق حزمة دعم بقيمة مليار درهم لدعم الشركات، لا سيما في قطاع الضيافة، مع السماح بتأجيل الرسوم الحكومية حتى منتصف العام.

كما أعلن مركز دبي المالي العالمي عن حزمة إجراءات تخفيفية لدعم مجتمع الأعمال، في حين عززت الإمارة تعاونها مع مؤسسات مالية دولية، من بينها بنك “إتش أس بي سي” ( HSBC)، بهدف جذب شركات ومستثمرين جدد، مع تركيز خاص على الأسواق الآسيوية.

مكانة قوية… ولكن تحت الاختبار

رغم الأضرار التي لحقت بها، لا تزال دبي تحتفظ بموقعها كمركزٍ مالي رئيسي في المنطقة، في ظلِّ استمرار تفوّقها على منافسين مثل الرياض وأبوظبي من حيث سهولة ممارسة الأعمال والانفتاح الاقتصادي.

غير أنَّ التحدي الحقيقي يكمن في المدى الطويل. فالصورة التي بنتها دبي كمدينة قائمة على الحياد والانفتاح وحرية حركة رؤوس الأموال تعرّضت لاختبارٍ غير مسبوق. ومع استمرار التوتر مع إيران وعدم التوصل إلى تسوية دائمة بشأن مضيق هرمز، تظل المخاطر الجيوسياسية عاملًا ضاغطًا على ثقة المستثمرين.

في المحصّلة، تقف دبي اليوم أمام لحظةٍ مفصلية: بين قدرتها على التعافي السريع واستعادة دورها كمحور مالي عالمي، وبين تحديات بيئة إقليمية أكثر تقلبًا، حيث باتت الجغرافيا السياسية عنصرًا لا يمكن فصله عن معادلة الاقتصاد.

  • عمّار الحلّاق هو مراسل “أسواق العرب” في أبو ظبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى