لبنان بين الإكراهِ العسكري والعَجزِ السيادي: مفاوضاتٌ بلا تَوَازُن

كابي طبراني*

في الشرق الأوسط، لا تُدارُ الحروب فقط بالسلاح، بل أيضًا بالإشارات. وما صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أخيرًا -إعلان مفاوضات مباشرة مع لبنان بالتوازي مع تصعيدٍ عسكري غير مسبوق- ليس مجرّد تناقضٍ عابر، بل رسالة مركّبة تحمل في طياتها معادلة خطرة: التفاوض تحت النار.

هذه ليست سابقة في تاريخ المنطقة، لكنها اليوم تأخذ طابعًا أكثر حدّة. فالغارات الكثيفة التي استهدفت بيروت ومناطق أخرى خلال دقائق معدودة، مُخلّفة مئات الضحايا، لم تكن مجرّد ردٍّ عسكري تقليدي، بل فعلًا ذا دلالة سياسية: إعادة رسم قواعد الاشتباك قبل الذهاب إلى طاولة المفاوضات. هنا، لا تبدو الديبلوماسية مسارًا موازيًا للحرب، بل امتدادًا لها بوسائل أخرى.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه، خصوصًا من بيروت: هل يُمكِن لأيِّ عملية تفاوضية أن تُولَدَ أصلًا في ظلِّ هذا المستوى من العنف؟ التجربة اللبنانية، منذ اتفاق الطائف إلى تفاهمات ما بعد 2006، تشير إلى حقيقة قاسية: لا سلامَ مستدامًا من دون حدٍّ أدنى من الاستقرار، ولا استقرار في ظل رسائل عسكرية مفتوحة السقف. وفي بلد يعيش جُزءٌ كبير من سكانه على حافة الانهيار الاقتصادي، لا تبدو الحرب خيارًا بقدر ما تبدو قدرًا مفروضًا.

المُعضِلة اللبنانية، في هذا السياق، ليست فقط في مواجهة إسرائيل، بل في طبيعة الدولة نفسها. فالمطلب الإسرائيلي بنزع سلاح “حزب الله” يصطدم بواقع أنَّ الحزب ليس مجرّد تنظيمٍ مسلّح، بل جُزءٌ من توازن داخلي معقد — سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا.

غير أنَّ هذا التعقيد لا يكتمل من دون إدخال العامل الإقليمي الحاسم: دور إيران. فـ”حزب الله”، وإن كان جُزءًا من التوازن الداخلي اللبناني، يبقى أيضًا مرتبطًا استراتيجيًا بطهران، التي تنظر إلى الساحة اللبنانية كأحد أهم أوراقها في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. من هذا المنظور، لا تبدو المواجهة الجارية محصورة في حدود الجنوب اللبناني، بل جُزءًا من صراعٍ أوسع تُستخدَم فيه الجبهات كرسائل متبادلة. وهو ما يطرح إشكالية إضافية أمام أيِّ مسارٍ تفاوضي: كيف يمكن التوصل إلى تفاهم مستدام في بيروت، فيما مفاتيح التصعيد والتهدئة قد لا تكون كلها في يدها؟

أيُّ محاولةٍ لفرض هدف نزع السلاح من الخارج، أو تحت الضغط العسكري، لا تُهدّد فقط بإفشال المفاوضات، بل بإعادة تفجير الداخل اللبناني. بل إن المفارقة الأعمق تكمن هنا: الدولة التي يُطلَبُ منها فرض السيادة، تُستنزف يوميًا بما يمنعها من ممارستها. فلبنان، المنهك اقتصاديًا ومؤسّساتيًّا، بالكاد يستطيع إدارة أزماته اليومية، فكيف له أن يدخل في مواجهة مفتوحة مع قوة بحجم “حزب الله” من دون أن ينزلق إلى فوضى شاملة؟

في المقابل، تراهن إسرائيل على معادلة الضغط المركّب: ضربات عسكرية مكثّفة لرفع كلفة الوضع القائم، بالتوازي مع فتح باب التفاوض لفرض شروط جديدة. لكن هذه المقاربة تحمل تناقضًا بنيويًا. فكلما تصاعد القصف، تراجعت قدرة أيّ طرف لبناني على تقديم تنازلات، ليس فقط لأسباب سياسية، بل لأن الرأي العام نفسه، وخصوصًا الشيعي، ينزلق نحو مزيد من التشدّد. ببساطة: لا يمكن إقناع مجتمع يتعرض للقصف يوميًا بجدوى التسوية.

من هنا، فإنَّ الرهان على “إضعاف “حزب الله” عبر الضغط على الدولة اللبنانية” قد يؤدي إلى نتيجةٍ معاكسة تمامًا: إضعاف الدولة أكثر، وترك فراغ تملؤه قوى الأمر الواقع. وهو سيناريو ليس جديدًا على لبنان، بل يكاد يكون تكرارًا لدوراتٍ سابقة من تآكل الدولة تحت ضغط الأزمات.

الدور الأميركي، في هذا المشهد، يبدو حاسمًا لكنه ملتبس. واشنطن تدفع نحو التفاوض، وتضغط لخفض التصعيد، لكنها في الوقت نفسه لا تُقدّمُ حتى الآن تصوُّرًا متكاملًا لكيفية سد الفجوة بين المطالب الإسرائيلية والقدرات اللبنانية. الحديث عن دعم الجيش اللبناني يتكرّر منذ سنوات، لكن من دون ترجمة كافية على الأرض تسمح له بأن يكون ضامنًا فعليًا لأيِّ اتفاق.

وهنا، ربما تكمن إحدى الأفكار التي تستحق النقاش الجدي في بيروت: هل يمكن للبنان أن يُعيدَ طرح مسألة “الضمانات الدولية” بشكلٍ مختلف؟ ليس فقط عبر تعزيز قدرات الجيش، بل عبر إطارٍ أوسع يشمل رقابة دولية حقيقية على الحدود، والتزامات متبادلة واضحة، وآلية مساءلة في حال الخرق. بمعنى آخر، نقل الصراع من منطق التوازن الهشّ إلى منطق الضبط المؤسّسي.

لكن حتى هذا الطرح يصطدم بسؤال أعمق: هل ما زال المجتمع الدولي مستعدًّا للاستثمار في استقرار لبنان؟ أم أنَّ الأولويات تغيّرت، وبات يُنظَر إلى البلد كأزمةٍ مُزمنة تُدار لا تُحَل؟

في النهاية، ما يواجهه لبنان اليوم ليس مجرد جولة تصعيد جديدة، بل لحظة مفصلية في تحديد موقعه داخل معادلة إقليمية تتغيّر بسرعة. فإما أن يُعاد تثبيت دوره كدولة -ولو بحدودٍ دُنيا من السيادة الفعلية- أو أن يستمرَّ الانزلاق نحو نموذج “الساحة المفتوحة”، حيث تتقاطع الصراعات من دون أفق واضح للحل.

لا يُمكِنُ بناء سلام فوق أنقاضٍ تُقصَف يوميًا. وحين تتكلم الطائرات، لا تصمت الديبلوماسية فقط – بل تفقد معناها.

إذا كانت المفاوضات المقبلة في واشنطن تحمل فرصة حقيقية، فإنَّ أول اختبار لصدقيتها لن يكون في البيانات الرسمية، بل في ما إذا كان بالإمكان خفض صوت الحرب بما يكفي لسماع صوت السياسة. حتى الآن، المؤشّرات لا تدعو إلى التفاؤل – لكنها أيضًا لا تسمح برفاهية اليأس.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى