النظامُ الدولي بين الوَهمِ والانهيار: من قواعد مُعلَنة إلى فوضى مُدارة

يتعرّض النظام الدولي لاختبارٍ غير مسبوق، حيث تتراجع القواعد أمام منطق القوة وتتصاعد مؤشرات الفوضى. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان هذا النظام ينهار، بل كيف يُعاد تشكيله وسط هذا الاضطراب.

شي جين بينغ لبيدرو سانشيز: “النظام الدولي ينهار ويتجه نحو الفوضى”.

بول بوست*

في لقاءٍ جمعه مؤخّرًا برئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في بكين، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ تحذيرًا لافتًا حين قال إنَّ “النظام الدولي ينهار ويتجه نحو الفوضى”. تصريحٌ يعكس، في جوهره، شعورًا متزايدًا بالقلق لدى عدد متنامٍ من قادة العالم، في ظلِّ ما يشهده المشهد الدولي من حروبٍ متشابكة واضطرابات اقتصادية واسعة النطاق تعيد رسم موازين القوة وتضع قواعد اللعبة العالمية على المحك.

هذا القلق لا يقتصر على دوائر صنع القرار، بل يمتد إلى الأوساط الأكاديمية والإعلامية، حيث بات مصطلح “النظام الدولي” حاضرًا بكثافة في التحليلات والتعليقات، إلى جانب تعبيرات موازية مثل “النظام العالمي” و”النظام القائم على القواعد” و”النظام الدولي الليبرالي”. وعلى الرُغم من شيوع هذه المفاهيم وتكرار استخدامها، فإنَّ معناها يظل موضع نقاش مستمر، بل ويعكس في كثير من الأحيان اختلافًا في الرؤى حول طبيعة العلاقات بين الدول وكيفية تنظيمها.

من الفكرة إلى المشروع: كيف وُلد النظام الدولي؟

تاريخيًا، تعود جذور المفهوم الحديث للنظام الدولي إلى فترة الحرب العالمية الأولى، حين بدأت ملامح نظام عالمي جديد تتشكل تحت وطأة الحرب. ففي شباط (فبراير) 1918، وبعد أقل من عام على دخول الولايات المتحدة النزاع، قدّم الرئيس الأميركي آنذاك وودرو ويلسون رؤيته أمام الكونغرس لنظام دولي مختلف. لم يكن طرحه مجرد دعوة لإنهاء الحرب، بل تصوُّرًا لإعادة تشكيل أوروبا والعالم على أسس جديدة، معتبرًا أنَّ “سلام العالم” بات على المحك.

في خطابه، شدد ويلسون على ضرورة بناء نظام دولي يقوم على مبادئ عامة للحق والعدالة، بدل الاكتفاء بسلامٍ هشٍّ ومؤقت. وبذلك، وضع الأساس لفكرة أنَّ الاستقرار العالمي لا يتحقق فقط بوقف النزاعات، بل بترسيخ قواعد واضحة تحكم سلوك الدول وتضمن استدامة السلام في المدى الطويل.

في ذلك الخطاب المفصلي، قدّم  وودرو ويلسون ما عُرف لاحقًا بـ”النقاط الأربع عشرة”، وهي مجموعة من المبادئ التي سعى من خلالها إلى وضع أسس ناظمة للعلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب. وقد تضمنت هذه الرؤية إنشاء عُصبة الأمم كإطارٍ مؤسسي لحفظ السلام، إلى جانب التأكيد على حرية التجارة باعتبارها ركيزة للاستقرار العالمي. غير أنَّ هذه “القواعد” الوليدة لم تُمنح الفرصة الكافية لترسيخ نظام فعلي؛ إذ سرعان ما انسحبت الولايات المتحدة، التي كانت القوة الدافعة وراء هذه المبادرة، من أحد أعمدتها الأساسية، أي عصبة الأمم، ما أضعف المشروع برمته في مراحله المبكرة.

من وعود السلام إلى واقع الانهيار

وبعد قرابة عقدين، وفي عام 1937 تحديدًا، عاد النقاش حول “النظام الدولي” إلى الواجهة في سياقٍ أكثر قتامة. ففي خطابٍ ألقاه وزير الخارجية الأميركي آنذاك كورديل هال (Cordell Hull) في جامعة تورنتو تحت عنوان “النظام في العلاقات الدولية”، لم يكن التركيز على وجود نظام بقدر ما كان على مظاهر غيابه. جاء ذلك في وقتٍ كان العالم يرزح تحت وطأة الكساد العظيم، بينما بدت عصبة الأمم عاجزة عن التصدي لسياسات التوسع والعدوان التي انتهجتها كل من اليابان وإيطاليا وألمانيا.

في هذا السياق، قدّم هال قراءة دقيقة لمفهوم النظام، معتبرًا أنه قد يتعرّض لاختلالات نتيجة خرق المعاهدات أو فرض قيود تجارية، غير أنَّ الحرب تظلُّ التعبير الأقصى عن انهياره الكامل، سواء داخل الدول أو في ما بينها. وبحسب رؤيته، فإنَّ جوهر النظام الدولي يكمن في التزام الدول بمجموعة من القواعد المقبولة على نطاق واسع، يكون هدفها الأساسي الحد من اللجوء إلى القوة العسكرية كوسيلةٍ لتسوية النزاعات.

هذه المقاربة، التي شددت على مخاطر غياب النظام أكثر من ملامح وجوده، شكّلت لاحقًا الأساس الفكري لبناء منظومة دولية جديدة عقب الحرب العالمية الثانية. فقد أسهمت الولايات المتحدة في إنشاء عدد من المؤسسات الدولية التي سعت إلى تقنين العلاقات بين الدول، بدءًا من الأمم المتحدة، التي مُنح هال جائزة نوبل للسلام تقديرًا لدوره في تأسيسها، وصولًا إلى مؤسسات بريتون وودز، أي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التي وُلدت من رحم اتفاقيات بريتون وودز لتنظيم النظام المالي العالمي.

وقد صُمم هذا الإطار المؤسسي الجديد لوضع قواعد واضحة للسياسة الدولية ومراقبة الالتزام بها، ليُعرف لاحقًا بـ”النظام الدولي الليبرالي”. وتمحورت أهدافه حول تعزيز الليبرالية بمعناها الكلاسيكي، أي دعم الحريات السياسية عبر الديموقراطية، وتكريس الحريات الاقتصادية من خلال التجارة الحرة.

غير أنَّ الكلمة الحاسمة في هذا السياق تبقى “الهدف”. فهذا النظام لم يكن يومًا شاملًا أو عالميًا بالمعنى الكامل، كما ظل التزام الدول بقواعده موضع شك، خصوصًا لدى القوى الكبرى التي امتلكت من النفوذ ما يسمح لها بتجاوز تلك القواعد حين تقتضي مصالحها ذلك. ومع ذلك، وبالمقارنة مع الفترات السابقة، بدا هذا النظام أكثر تنظيمًا واعتمادًا على قواعد واضحة، ما منحه قدرًا من الاستقرار النسبي، ولو كان هشًّا في جوهره.

وقد فتح هذا المسار الباب أمام نقاشات أعمق بين منظّري العلاقات الدولية حول ماهية “النظام الدولي” وحدوده. وكان من أبرز مَن أسهموا في هذا الجدل الباحث الأوسترالي-البريطاني هدلي بولl، الذي انتقل من التركيز على قضايا الحدّ من التسلح، بوصفها وسيلة لتفادي شبح الإبادة النووية، إلى معالجة أكثر شمولًا للمفهوم في كتابه المؤثر “المجتمع الفوضوي”. في هذا العمل، سعى بول إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين “الفوضى” التي تميز النظام الدولي، ووجود حد أدنى من القواعد التي تتيح استمراره.

انطلاقًا من ذلك، طرح بول تمييزًا مهمًا بين “النظام الأدنى” و”النظام الأمثل”. ففي حين يقتصر الأول على هدف أساسي يتمثل في تجنُّب الحروب الكبرى، يتجاوز الثاني هذا الحد ليشمل طموحات أوسع، مثل تحقيق الازدهار وتعزيز العدالة الاقتصادية. وقد شكّل هذا الطرح قاعدة نظرية انطلقت منها مقاربات لاحقة حاولت تفسير كيفية نشوء الأنظمة الدولية وتطورها.

ضمن هذا الإطار، قدّم الباحث جون إيكنبيري قراءة ترى أنَّ الأزمات والحروب الكبرى غالبًا ما تكون لحظات تأسيسية تُعاد فيها صياغة قواعد النظام الدولي، بحيث يتم تعديلها وتطويرها تدريجًا استجابة للتحوُّلات الكبرى في موازين القوى. في المقابل، ركزت الباحثة الأكاديمية الأميركية آن-ماري سلوتر على دور الفاعلين من غير الدول، ولا سيما المنظمات غير الحكومية، في التأثير على هذه القواعد والمساهمة في فرض نوع من المساءلة على الحكومات، بما يعزز فرص الالتزام بها.

نظام يتآكل: من القواعد إلى منطق القوة

غير أنَّ هذه التصوّرات النظرية تبدو اليوم في مواجهة اختبار قاسٍ. فالمخاوف المتزايدة بشأن تآكل النظام الدولي القائم تنبع أساسًا من سلوك القوى الكبرى التي لم تعد تكتفي بتجاهل القواعد، بل باتت في حالات عدة تعمل على تقويضها بشكل مباشر. ولعل المفارقة أنَّ أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدولي الليبرالي، وهو مبدأ السلامة الإقليمية، لم يكن يومًا مطبَّقًا بشكل صارم، إذ غالبًا ما جرى التعامل معه كإطار إرشادي أكثر منه التزامًا ملزِمًا. إلا أنَّ هذا المبدأ يبدو اليوم في حالة تراجع أكثر وضوحًا، إن لم يكن قد دخل بالفعل مرحلة التهميش.

في هذا السياق، تتبلور ملامح مرحلة دولية جديدة تتسم بعودة الحروب بين القوى الكبرى، حيث لم يعد اللجوء إلى القوة العسكرية خيارًا اضطراريًا يُستخدم كملاذ أخير، بل أداة أولية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية. وبالمثل، لم يعد الإكراه الاقتصادي يُنظر إليه بوصفه خروجًا على قواعد التجارة الحرة، بل أصبح جزءًا طبيعيًا من أدوات الصراع في عالم تحكمه اعتبارات القوة والنفوذ.

في ختام هذا النقاش، يصعب النظر إلى العقود الثمانية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بوصفها نموذجًا مثاليًا لنظام دولي مستقر ومتماسك. فقد أقرّ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في كلمته خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بوجود “فجوات بين الخطاب والواقع” في ما يُعرف بالنظام القائم على القواعد. بل ذهب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في استراتيجيته للدفاع الوطني، إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أنَّ هذا النظام ليس سوى “وهم”. وهي انتقادات لا تخلو من وجاهة، في ضوء الانتهاكات المتكررة التي طالت هذه القواعد عبر العقود.

ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين عالم تُنتَهَك فيه القواعد بشكل متكرر، وعالم تتحوّل فيه هذه الانتهاكات إلى قاعدة بحد ذاتها، أو تختفي فيه فكرة القواعد أصلًا. فالتاريخ الحديث، رُغمَ اضطراباته، لم يشهد إلّا نادرًا حالات غياب كامل للأطر —الرسمية أو غير الرسمية— التي تنظّم سلوك الدول وتفاعلها.

من هنا، لا تكمن الإشكالية الراهنة في غياب مفهوم “النظام الدولي” بقدر ما تتمثل في تراجع القدرة على فرضه وضمان الالتزام به. وكما كان الحال في مراحل سابقة، يبقى التحدي الحقيقي ليس في صياغة القواعد، بل في إيجاد الآليات الكفيلة بإنفاذها في عالم تتزايد فيه اعتبارات القوة، وتتسع فيه الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية.

  • بول بوست هو أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، وزميل غير مقيم في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية.
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى