سُنّة لبنان والسلام مع إسرائيل: ما الذي تَغَيَّر وما الذي لم يَتَغَيَّر؟
في ظلِّ التحوّلات الإقليمية المتسارعة، يُعاد طرح سؤال السلام مع إسرائيل داخل الأوساط السُنّية في لبنان، لكن من دون إجابات حاسمة. فبين ثوابت لم تتبدّل وحسابات تتغيّر، يتشكّل موقفٌ حذر يعكس تعقيدات الداخل وتشابكات الإقليم.

محمد فوّاز*
في 16 نيسان (أبريل)، أعلن دونالد ترامب التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، في خطوةٍ بدت للوهلة الأولى وكأنها تفتح نافذة لخفض التصعيد. غير أنَّ هذا الإعلان، رُغمَ أهمّيته الرمزية، لم يُلامس جوهر الملفات العالقة بين الطرفين، وفي مقدّمها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية في الجنوب. وقد أُرجِئت معالجة هذه القضايا إلى مسارٍ تفاوضي مباشر، انطلق في واشنطن في 14 نيسان (أبريل) برعاية أميركية، قبل أن يُستأنف في 23 من الشهر نفسه، وسط ترقّب حذر لمآلاته.
أعقب وقف إطلاق النار بروز تباينات داخلية لبنانية حادة بشأن طبيعة هذه المفاوضات وأهدافها. وتركّزت الأنظار على القوى الأكثر تشدّدًا، حيث يدفع حزب “القوات اللبنانية”، ذات القاعدة المسيحية، باتجاه أولوية نزع سلاح “حزب الله”، في حين يرفض الأخير الانخراط في هذا المسار التفاوضي انطلاقًا من اعتبارات ترتبط بقاعدته الشيعية وخياراته الاستراتيجية. في المقابل، بدا المشهد السُنّي أقل حضورًا في النقاش العام، وهو ما يُعزى إلى حدٍّ كبير إلى تشتّت قياداته السياسية وتباين مواقفها.
ستة عوامل تُعيد تشكيل الموقف السُنّي
وانطلاقًا من هذا الغياب النسبي، يمكن فهم الموقف السُنّي من العلاقات اللبنانية–الإسرائيلية بوصفه نتاج مجموعة عوامل متداخلة، يمكن تفكيكها على النحو الآتي:
أولًا، يبرز البُعدان الديني والتاريخي بوصفهما محدّدين أساسيين للوعي السياسي. فقد ارتبط جيلٌ أقدم بدعم الفصائل الفلسطينية في لبنان، بل والمشاركة في القتال إلى جانبها في سياق السعي إلى تحرير فلسطين، حين كانت القضية الفلسطينية والعداء لإسرائيل جُزءًا لا يتجزّأ من الهوية السُنّية في لبنان والمنطقة. وعلى الرُغم من التحوّلات اللاحقة، فإنَّ السنوات الأخيرة أعادت تنشيط هذه المشاعر لدى شريحة من الشباب، حيث تعزّزت النزعات الرافضة لإسرائيل. ويعكس الخطاب الديني هذا الاتجاه بوضوح، إذ تُظهر خطب الجمعة تركيزًا متزايدًا على ما يُنظَرُ إليه كتهديدٍ إسرائيلي، إلى جانب التأكيد على التحريم الديني للتطبيع.
ثانيًا، حافظت البيئة السُنّية تاريخيًا على نزعة مؤسساتية داعمة للدولة، تميل إلى الالتفاف حولها واحترام قراراتها، حتى عند الاعتراض على بعض السياسات الحكومية. وفي هذا السياق، يُمكن فهم الالتفاف حول رئيس الحكومة نوّاف سلام، ليس بوصفه خيارًا شخصيًا بقدر ما هو تعبير عن تمسّك بتمثيل سُنّي وازن داخل مؤسسات الدولة، بما يجعل أي إضعاف لهذا الموقع انعكاسًا مباشرًا على توازنات المجتمع ككل.
ثالثًا، يتقدّم عامل القلق الأمني في صياغة المواقف الراهنة، لا سيما الخشية من أن يُعيدَ “حزب الله” توجيه سلاحه إلى الداخل عقب أي تهدئة مع إسرائيل، كما حدث بعد حرب تموز (يوليو) 2006، وخلال أحداث 7 أيار (مايو) 2008 التي واجه فيها الحزب حكومة فؤاد السنيورة. وقد أعادت التحرّكات الأخيرة لأنصار الحزب في بيروت، وخصوصًا في الأحياء ذات الغالبية السُنّية، إحياء هذه الهواجس، ما عزّز الميل إلى الاحتماء بالدولة والتمسّك بقيادتها الرسمية.
رابعًا، يتمثّل في غياب قيادة سياسية سُنّية موحّدة وقادرة على بلورة رؤية جامعة، تتجاوز التباينات الداخلية وتُوَفّق بين المخاوف والتطلعات المتباينة داخل المجتمع. هذا الفراغ القيادي يترك أثرًا مباشرًا على وضوح الاتجاه السياسي، ويُبقي المواقف عُرضةً للتذبذب تبعًا للظروف.
خامسًا، يلعب العامل الجغرافي دورًا مباشرًا في إعادة تشكيل المزاج العام. فالحضور السُنّي لا يقتصر على الشمال كما يُشاع، بل يمتدّ إلى مناطق الجنوب، من صيدا إلى قرى العرقوب، وصولًا إلى ست بلدات حدودية (الضهيرة، يارين، مروحين، البستان، أم التوت، الزلوطية) التي دُمّرت بالكامل وهُجِّر أهلها خلال حرب 2024. ومع اتساع رقعة الاستهداف الإسرائيلي لتشمل مناطق كالبقاع، يتزايد، كلما اتجهنا جنوبًا، منسوب العداء السُنّي الشعبي لإسرائيل، ويتعزّز في المقابل التعاطف مع خطاب “المقاومة” الذي يرفعه “حزب الله”، بما يعكس تأثير الجغرافيا المباشر في تشكيل المواقف السياسية والاجتماعية.
العامل السادس والأهم يتمثّل بالروابط الإقليمية للسُنّة. ففي ظل تنافس النفوذ على المجتمع السُنّي من دول الشرق الأوسط، وغياب قيادة سنّية محلية موحَّدة، برز دور المنطقة الأوسع في تشكيل المواقف السنّية في لبنان. وعلى مدى العقدين الماضيين، اتسمت هذه البيئة الإقليمية، لا سيما بين دول الخليج، بالعداء تجاه إيران و”حزب الله”. إلّا أنَّ إسرائيل تُعتبر اليوم مجددًا مصدرًا رئيسًا للتهديد.
ويتضح هذا التحوّل في التصريحات التركية الأخيرة، ولا سيما تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان في منتدى أنطاليا للديبلوماسية هذا الشهر. فقد صرّح فيدان قائلًا: “إسرائيل لا تسعى إلى أمنها الخاص، بل تسعى إلى المزيد من الأراضي. وتستخدم حكومة نتنياهو الأمن ذريعةً لاحتلال المزيد من الأراضي”. أما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، فعلى الرغم من التوقعات السابقة بقربها من التوصل إلى اتفاق تطبيع مع إسرائيل، إلّا أنَّ الحرب في غزة والتصعيدات العسكرية الأخرى على حدودها قد زادت من حدة التوتر بين الجانبين. يبدو أنَّ الرياض غير راغبة في قبول نظامٍ إقليمي تقوده إسرائيل، تمامًا كما رفضت فكرة نظام تقوده إيران، في وقتٍ هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بما أسماه “محورًا سُنّيًا متطرّفًا ناشئًا”.
إعادة ترتيب الأولويات والعداوات الإقليمية
وتعكس هذه التوجهات مجتمعةً إعادة ترتيب إقليمية أوسع للأولويات والعداوات. وسيؤثر هذا في كيفية تعامل القوى الإقليمية مع لبنان، وعلى المواقف السُنّية داخل البلاد. ويتجلّى هذا التوجُّه أيضًا في تعزيز رئيس مجلس النواب نبيه بري علاقاته مع السعودية، حيث أوفد إليها مؤخرًا مساعده السياسي علي حسن خليل، مع تأكيده في الوقت نفسه رفضه للمفاوضات المباشرة. وتزامنت تصريحاته مع تقارير تشير إلى أنَّ الرياض لديها تحفظات بشأن انخراط لبنان منفردًا في مسار تفاوضي مع إسرائيل من دون دعم محلي وعربي واسع النطاق.
كما برزت سوريا كنقطة التقاء مهمة بين تركيا وعدد من دول الخليج العربي، ولا سيما السعودية، لدرجة أنها أصبحت الساحة الرئيسة للمواجهة مع إسرائيل. علاوة على ذلك، ونظرًا لإحباط السُنّة جراء عقود من التهميش في سوريا، بدأت سوريا الجديدة تُحدد، جُزئيًا، التوجه السياسي للطائفة السنية اللبنانية. من هذا المنطلق، اشتد موقف سوريا تجاه إسرائيل، وهي ترفض أي خطوة نحو اتفاق سلام، مُصرّةً على الترتيبات الأمنية فقط. كما كررت سوريا التحذيرات بشأن طموحات إسرائيل التوسعية، ساعيةً في الوقت نفسه إلى تهدئة التوترات مع “حزب الله”، وإن لم تتبنَّ خيارات الحزب أو تتجاهل مظالمها تجاهه. هذا الموقف، في نواحٍ عديدة، يعكس إلى حد كبير المزاج السائد في الطائفة السُنّية في لبنان.
وبناءً على ذلك، تتشكّل مواقف السُنّة على المستوى الفردي وفق تباين حضور هذه العوامل في وعي كل فرد، ومدى تقاطعها مع مصالحه وظروفه الخاصة. فليست المقاربة موحّدة أو جامدة، بل تتبدّل تبعًا للأولويات الشخصية والبيئات الاجتماعية. أما على المستوى الجماعي الأوسع، فيبرز اتجاه عام يقوم على النأي بالنفس عن خيارات “حزب الله”، بالتوازي مع رفضٍ متزايد لفكرة التطبيع مع إسرائيل. ويتقدّم هذان المساران جنبًا إلى جنب، من دون أن يلغي أحدهما الآخر.
ويُرجََّح أن يتعمّق هذا التوجّه مع تطوّر العلاقات بين الدول العربية وتركيا من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، في ظلِّ احتدام التنافسات الإقليمية. إذ تبدو المنطقة في طور انتقال من معادلة صراع يغلب عليها الطابع الشيعي–الإسرائيلي، إلى مواجهة أوسع ذات بُعد مسلم–إسرائيلي، وإن بأدوات مختلفة ومن دون أن يفضي ذلك إلى تقارب سُنّي–شيعي. وفي هذا السياق، يُتوقَّع أن تبقى سوريا ولبنان مسرحين رئيسيين لتجلّيات هذه التحوّلات، حيث تتقاطع حسابات الداخل مع رهانات الخارج في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
- محمّد فوّأز هو صحافي ومحلّل سياسي لبناني.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.