“سُكُوت حَنصَوَِّر”…
محمّد قوّاص*
لن نُغامِرَ في التفطّن إلى الأسباب التي دفعت رئيس الولايات المتحدة إلى اكتشاف ملف لبنان وإزالة الغبار عنه وجعله في صدارة ما يتراكم على مكتبه. همسٌ من هنا ونصيحةٌ من هناك ومشورةُ صهر تزوّج ابنته من هنالك قد يكون كل ذلك وراء تنبيه دونالد ترامب، ليس فقط إلى الأهمية المستجدّة للمسألة اللبنانية، بل إلى بروز فرصة وجب اقتناصها، تمامًا كما يقتنص المستثمرون الكبار طريدة عرفوا أسرارها قبل الآخرين. وضع ترامب، بإيقاعات صادمة تشبه أسلوبه، خارطة طريق ما بين حقل الاستثمار وبيدر حصاده.
تبلّغ من الحلفاء العرب قلقًا من مغبّة ما ترتكبه آلة الحرب الإسرائيلية ضد بيروت ومن إهمال تل أبيب ومعها واشنطن للتحوُّل التاريخي النادر الذي سلكه لبنان رسميًا لوقف الحرب. كان الرئيس جوزيف عون قد قدم في حضرةِ اجتماعٍ أوروبي مبادرة تنصُّ في واجهاتها النافرة على اقتراح التفاوض المباشر مع إسرائيل على مستوى يتجاوز التقني إلى السياسي. أهمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاقتراح وسط صمت أميركي لم يفهمه لبنان والأوروبيون.
نعرف بقية الحكاية. حسم الرئيس الأميركي باتصال مع نتنياهو مسألتين: وقف قصف بيروت والاستجابة لمبادرة عون. لكن ترامب، لأنه ترامب، عجّل في دفع سفيري الطرفين إلى طاولته في واشنطن، في وزارة الخارجية ثم البيت الأبيض، عارضًا، بكرم المُلحِّ، استضافة لقاء يجمع عون ونتنياهو.
لسان حاله يقول: فلنحرق المراحل، ونفرض سلامًا، يشبه في ركاكته مزاعم السلام التي راح يروّج لها في تفاخره المثير للنقاش في وقف 8 حروب، قبل أن يشعل تاسعةً ضد إيران يتعثّر في الخروج منها. يستعجل ترامب صورة تجمعه مع عون ونتنياهو. ليس مهمًّا ما يحمله وقد ينتجه مضمون اللقاء. المهم الصورة التي ستضاف إلى سجل السلام في الشرق الأوسط الذي توقف منذ “طوفان الأقصى” ولم يعد يُنتج صور سلام.
يستعجل صورة من دون صوت مسبق يرفدها بالضمانات الثقيلة التي توفّر بيئة حاضنة تحقق ذلك السلم الذي يستحق تلك الصورة. تذكّرنا المفارقة بفيلم يوسف شاهين لعام 2001 “سكوت حَنصَوِّر” الذي اختزلت حكايته حينها صراع الواقع والوهم.
ولأنَّ الأمر لا يعدو كونه صورة لا يجد الرئيس اللبناني أنَّ توقيتها مناسب ومفيد، فإنَّ سفير الرئيس الأميركي في لبنان ميشال عيسى لا يكذب حين يُقدّمُ الأمر بصفته صورة لا تستحق كل هذا الجدل المستعر داخل لبنان. لسان حاله يقول: وما الضرر من التقاط صورة مع “بعبع” طالما أنها مجرّد صورة.
وفيما الرئيس اللبناني مدعّم بصلاحيات دستورية وغالبية الحكومة والبرلمان والطيف السياسي العريض للذهاب إلى النسخة المباشرة من التفاوض لجلب السلام ووقف التدمير، فإنَّ في فكرة تلك الصورة ما يغذي داخل البلد طواحين “المُكفّرين” لما يرونه إثمًا وخطيئة، من أمين عام حزب إيران، الشيخ نعيم قاسم، إلى منابر ما تبقى من جماعاته.
تناوب على التعامل مع لبنان عشرات من السفراء والمبعوثين وكبار الديبلوماسيين الأميركيين. أطلّوا من على منابر ساسة لبنان فكشف كثيرهم عن فطنة ودراية وتفهّم لتعقيدات بلدنا وفرادته، وفضح قليلهم ميلًا نحو التبسيط والسطحية والاستسهال. ولئن عُرف جُلّهم بدعم إسرائيل ومحاباتها، فلم يكن ليخطر للمحترف فيهم أن يستهين بأكثر صراعات لبنان عمقًا وتجذّرًا وتعقيدًا ويدفع إلى تسييله بجلسة تصوير في حضرة الرئيس الأميركي في البيت الأبيض تكون فاتحة لتفاوض وليس بعد التوصل إلى اتفاق.
رفض الرئيس عون تلقّي مكالمة نتنياهو حين أراد جسّ نبض البلد بخفةٍ خبيثة. أعلن أنَّ توقيت اللقاء الذي يقترحه ترامب ببنهما “غير مناسب”. وحسنًا فعل بوضع نقاط حسم على حروف ملتبسة، ليس توخِّيًا من معارضة ترفض ألّا يربط لبنان بالمفاوضات الجارية مع إيران والارتهان لها، وليس خضوعًا لضغوط تتغير وفق مزاجٍ من خارج الحدود، بل لأنَّ للحكاية أصولًا وتوقيت وُجِبَ ألّا تحرق فصولها حاجةٌ غبّ الطلب لصورة انتصار لا انتصار للبنان فيها.
- الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).



