العالَمُ لا يَنهار… بل يُفَكِّكُ نفسَه

كابي طبراني*

من السهل أن نقول إنَّ العالمَ يعيش حالةً من الفوضى. بل ربما أصبح هذا التوصيف هو الأكثر راحة: كلمة تختصر التعقيد وتُعفي الجميع من المسؤولية. لكن الحقيقة أكثر إزعاجًا. ما نراه اليوم ليس فوضى عشوائية، بل تفككٌ مقصود -أو على الأقل مُتساهَل معه- للنظام الذي حكم العالم لعقود. المشكلة ليست أنَّ القواعد تنهار، بل أنَّ مَن صنع هذه القواعد لم يَعُد يُؤمِنُ بها.

لأكثر من جيل، قامت العلاقات الدولية على فكرة -ولو جُزئية- أنَّ هناك قواعد مشتركة، وأنَّ التجارة يمكن أن تكونَ مجالًا للتعاون، وأنَّ المؤسسات الدولية، مهما كانت ضعيفة، تؤدي دور الحَكَم. اليوم، هذه الفرضيات لم تَعُد قائمة. ليس لأنَّ بديلًا أفضل ظهر، بل لأنَّ الجميعَ قرر، في الوقت نفسه تقريبًا، أن يكتب قواعده الخاصة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

حين تستخدم الدول التجارة كسلاح، والتكنولوجيا كأداة نفوذ، والتحالفات كترتيباتٍ مؤقتة لا التزامًا طويل الأمد، فإننا لا نكون أمام “إعادة توازن” صحّي، بل أمام سباقٍ مفتوح نحو نظامٍ أقل استقرارًا وأكثر قسوة. لم يعد الهدف تحقيق الكفاءة أو النمو المشترك، بل تقليل الاعتماد على الآخرين – حتى لو كان الثمن إضعاف النظام ككل.

يكفي النظر إلى ما حدث خلال السنوات الأخيرة في سلاسل الإمداد العالمية. فبعد عقود من بناء شبكات إنتاج عابرة للحدود تقوم على الكفاءة والتكلفة، بدأت دول كبرى بإعادة توطين صناعاتها أو إعادة توجيهها لأسباب سياسية وأمنية، حتى عندما تكون الكلفة أعلى. هذه ليست مجرد قرارات اقتصادية، بل إعلان واضح بأنَّ منطق السوق لم يعد وحده مَن يحكم التجارة. النتيجة ليست فقط ارتفاع التكاليف، بل تفكُّك شبكة الاعتماد المتبادل التي كانت، على نحوٍ متناقض، أحد أعمدة الاستقرار.

هذا ليس تحوّلًا طبيعيًا. إنه انكفاءٌ استراتيجي مُغلَّف بخطاب السيادة.

المدافعون عن هذا التوجه يصفونه بـ”الواقعية”. يقولون إنَّ العالم كان دائمًا تنافُسيًا، وإنَّ ما يحدث الآن مجرّد عودة إلى طبيعته. لكن هذه الحجّة تتجاهل حقيقةً أساسية: النظام السابق، بكلِّ عيوبه، خلق مستوى غير مسبوق من الترابط والازدهار. تفكيكه من دون بديلٍ واضح ليس عودة إلى الواقعية، بل قفزة في المجهول.

الأكثر إثارة للقلق أنَّ هذا التفكُّك لا تقوده الدول وحدها. فهناك قوى جديدة لا تخضع لأيِّ مساءلة حقيقية: شركات تكنولوجية تتحكّم بالبنية التحتية الرقمية للعالم، وتملك من النفوذ ما يكفي للتأثير في السياسات، بل وحتى في المزاج العام. في عالمٍ كهذا، لم تعد القوة حكرًا على الحكومات، ولم تعد القواعد تُصاغ فقط في العواصم.

هذا التداخل بين السياسي والاقتصادي والتكنولوجي أنتج واقعًا جديدًا: لا أحد يسيطر بالكامل، لكن الجميع قادر على التعطيل.

وفي ظلِّ هذا المشهد، يصبح الحديث عن “نظام عالمي جديد” نوعًا من التمنّي أكثر منه تحليلًا. لا توجد قوة مستعدة -أو قادرة- على ملء الفراغ. القوى الكبرى مشغولة بحساباتها الخاصة، والقوى الصاعدة لا تريد تحمُّل عبء القيادة، والقوى المتوسّطة تحاول فقط التكيّف وتقليل الخسائر.

النتيجة ليست نظامًا متعدد الأقطاب كما يُروَّج له، بل نظامًا مُتعدّد التوترات.

الأخطر أنَّ هذا التحوُّل يحدث في لحظة تكنولوجية غير مسبوقة. الذكاء الاصطناعي، الفضاء السيبراني، تدفُّق المعلومات – كُلُّها أدوات تُضاعِف تأثير أيِّ خلل في التوازن. في السابق، كانت الأزمات تُدار ضمن حدودٍ واضحة. اليوم، يُمكن لأيِّ صدمة -اقتصادية أو تقنية أو سياسية- أن تنتشر بسرعة تفوق قدرة أي دولة أو مؤسسة على احتوائها.

ومع ذلك، يستمر الخطاب الرسمي في التظاهر بأنَّ كلَّ هذا “مرحلة انتقالية”، وكأن الاستقرار سيعود تلقائيًا، أو أنَّ نظامًا جديدًا سيتشكّل من تلقاء نفسه.

لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.

الأنظمة لا تُعيدُ بناءَ نفسها تلقائيًا، بل تُبنى -أو تُهدَم- بقراراتٍ سياسية. وما نراه اليوم هو غياب واضح لهذا النوع من القرارات. هناك الكثير من التكتيك، والقليل من الاستراتيجية. الكثير من ردود الفعل، والقليل من الرؤية.

في الوقت نفسه، يدفع المواطن العادي الثمن. ارتفاع تكاليف المعيشة، وتقلّب أسعار الطاقة، وضبابية سوق العمل – كلّها انعكاساتٌ مباشرة لعالمٍ يعيد تشكيل نفسه من دون أن يضع الاستقرار الاجتماعي في صلب أولوياته. الحديث عن “المرونة” و”إعادة التموضع” قد يبدو منطقيًا في دوائر صنع القرار، لكنه على الأرض يُترجَم إلى ضغط يومي متزايد على الأفراد.

وهنا يظهر التناقض الأكبر: النظام الذي يُفَكَّكُ اليوم هو نفسه الذي استفاد منه الجميع – الدول، الشركات، وحتى الفئات الأكثر ثراءً. ومع ذلك، يتم التخلي عنه من دون وجود بديل قادر على تقديم مستوى مماثل من الاستقرار أو الفرص.

السؤال لم يَعُد: هل نحن في فوضى أم في نظام جديد؟ السؤال الحقيقي هو: مَن يُحدّد شكل هذا النظام، ولصالح مَن؟

إذا استمرَّ المسارُ الحالي، فإنَّ الإجابة قد لا تكون مريحة. نظامٌ يتشكّل عبر المنافسة غير المُقيَّدة، وغياب القواعد، وتركيز القوة في أيدي قلّة -سواء كانوا دولًا أو شركات- لن يكون أكثر عدلًا، بل على الأرجح أكثر هشاشة.

وربما هنا يجب أن نكون أكثر صراحة: العالم لا يفقد نظامه لأنه عاجزٌ عن الحفاظ عليه، بل لأنه لم يعد يرى مصلحة في ذلك – على الأقل من منظور القوى الأكثر نفوذًا. لكن ما يبدو مكسبًا استراتيجيًا قصير المدى قد يتحوّل إلى خسارةٍ جماعية طويلة المدى.

الفوضى، إذن، ليست قدرًا. لكنها أيضًا ليست مجرد وَهم. هي نتيجة. والنتائج -بعكس ما نحب أن نعتقد- ليست دائمًا قابلة للإصلاح لاحقًا.

ما يحدث اليوم ليس مجرد إعادة ترتيب، بل اختبار حقيقي لقدرة العالم على تجنُّب الانزلاق من نظامٍ معيب… إلى غياب النظام تمامًا.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى