لبنان… عندما تُصبِحُ الدولة هي المعركة

كابي طبراني*

في لحظاتِ التحوُّل الكبرى، لا يكون السؤال: مَن ربح المعركة، بل ماذا سيُبنى بعدها.

عندما تتحوّلُ الدولة نفسها إلى محور الصراع، تُصبحُ كلُّ الانتصارات العسكرية والسياسية ناقصة ما لم تُترجَم إلى مؤسّسات قادرة على الحُكم. وهذا هو التحدّي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم. فلا خلاف على أنَّ “حزب الله” كان، ولا يزال، أحد أكبر التحديات أمام الدولة اللبنانية، لكن اختزال أزمة البلاد في الحزب وحده يقود إلى تشخيصٍ ناقص، وبالتالي إلى حلولٍ ناقصة. فالأزمات الكبرى لا يصنعها طرفٌ واحد، بل تنشأ عندما تلتقي قوة الميليشيا بضعف الدولة، والانقسام السياسي، والفساد، وعجز المؤسسات. وإذا كان إضعافُ الحزب يفتح نافذة أمام لبنان، فإنَّ بناء الدولة وحده هو الذي يضمن ألَّا تُغلَق هذه النافذة مُجدّدًا.

لسنواتٍ طويلة، انصبَّ اهتمام المجتمع الدولي على احتواء “حزب الله” من خلال العقوبات والضغوط السياسية والتدابير الأمنية، باعتبار أنَّ تقليصَ نفوذه هو المدخل الطبيعي لاستعادة سيادة الدولة. وقد يكون هذا النهج حقّق بعض النتائج، لكنه لم يُلامِس جوهر الأزمة. فالمشكلة لم تكن في وجود تنظيم مسلح فحسب، بل في وجود دولة فقدت تدريجيًا قدرتها على احتكار السلطة، وتقديم الخدمات، وفرض القانون، وإقناع مواطنيها بأنها المرجعية الوحيدة التي تستحق ثقتهم.

لقد أخطأ كثيرون في التعامل مع لبنان لأنهم ركّزوا على نتائج الأزمة أكثر من أسبابها. فـ”حزب الله” لم ينشأ في فراغ، ولم يفرض نفسه على دولة قوية ومتماسكة، بل تمدّد في ظل نظام سياسي أنهكته المحاصصة، وفي ظل الوصاية السورية التي قيّدت سيادة الدولة اللبنانية لسنوات، إلى جانب مؤسسات أضعفها الفساد واقتصاد استنزفته الأزمات المتراكمة. وهذا لا يعفي الحزب من مسؤوليته عن تعميق الانقسام الداخلي وتعطيل مؤسسات الدولة، لكنه يوضّح أنَّ أيَّ سياسة تقتصر على إضعافه، من دون معالجة البيئة التي سمحت بنمو نفوذه، ستبقى عاجزة عن تحقيق استقرار دائم.

الميليشيات لا تقتل الدول؛ إنها تعيشُ على أنقاضها. فكلما تراجعت هيبة المؤسّسات، واهتزّت ثقة المواطنين بها، توسّع نفوذ القوى الموازية، سواء كانت أحزابًا مسلّحة أو شبكات نفوذ أو زعامات محلية. والعكس صحيح أيضًا؛ فعندما تستعيدُ الدولة قدرتها على إدارة الشأن العام بكفاءة وعدالة، تتراجع الحاجة إلى تلك البدائل، لأنَّ المواطن يعود إلى الاحتكام لمؤسساته الوطنية بدل البحث عن الحماية خارجها.

ولهذا، فإنَّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرَحَ اليوم ليس: كيف يمكن إضعاف “حزب الله”؟ بل: كيف يمكن بناء دولة لا تسمح لأيِّ طرف، مهما كانت قوته، بأن يتحوّلَ إلى دولةٍ داخل الدولة؟ فالسلاح قد يصنع نفوذًا، لكنه لا يصنع دولة. أما المؤسسات، فهي وحدها التي تصنع الشرعية، وتضمن الاستقرار، وتحمي السيادة على المدى الطويل.

هذه الحقيقة لا تخصُّ لبنان وحده، بل تعكس درسًا تكرر في أكثر من تجربة إقليمية. فحين تُختزل الأزمات في مواجهة خصم بعينه، بينما تُترك المؤسسات ضعيفة وعاجزة، فإنَّ المشكلات تعود بأسماء وأشكال مختلفة. أما عندما تصبح الدولة نفسها هي محور الإصلاح، فإنَّ قدرة القوى الموازية على الاستمرار تتراجع تدريجيًا، ليس لأنها هُزمت عسكريًا فحسب، بل لأنَّ البيئة التي غذّت نفوذها بدأت تتغير.

ومن هنا، فإنَّ اللحظة الراهنة تمثّلُ فرصة نادرة أمام اللبنانيين، لكنها ليست فرصة مضمونة. فتراجع نفوذ “حزب الله”، إن استمر، لن يكون سوى بداية لمسار أكثر تعقيدًا. أما النجاح الحقيقي، فلن يقاس بما يخسره الحزب، بل بما تكسبه الدولة.

وفي هذا السياق، تقع على عاتق اللبنانيين مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية شركائهم العرب والدوليين. فاستعادة الدولة لا تبدأ بقرارات خارجية، بل بإرادة سياسية داخلية تُعيدُ الاعتبارَ للدستور، وتضع المؤسسات فوق الحسابات الفئوية، وتُخضِعُ الجميع لسلطة القانون. غير أنَّ نجاحَ هذا المسار يحتاج أيضًا إلى بيئةٍ إقليمية ودولية تُدرك أنَّ استقرار لبنان لا يتحقق بإدارة أزماته المتلاحقة، بل بمساعدته على الخروج منها نهائيًا.

ومن هنا، فإنَّ الدور العربي يكتسب أهمية خاصة. فقد أثبتت التجارب السابقة أنَّ ضخَّ المساعدات المالية في اقتصادٍ مُنهَك، من دون إصلاحاتٍ حقيقية، لم يؤدِّ إلّا إلى إطالة عمر الأزمة. أما اليوم، فإنَّ المطلوب ليس تمويل نظام مأزوم، بل الاستثمار في مشروع الدولة نفسها؛ في القضاء، والإدارة العامة، والتعليم، والبنية التحتية، والاقتصاد المُنتِج، وهي القطاعات التي تُعيدُ بناءَ الثقة بين المواطن والدولة. فعودة لبنان إلى عمقه العربي لن تتحقق بالشعارات، وإنما بقيام دولة قادرة على أن تكون شريكًا موثوقًا، لا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

والأمرُ نفسه ينطبق على الولايات المتحدة وشركائها الغربيين. فقد انصبّ اهتمامهم، طوال سنوات، على احتواء “حزب الله” والحد من نفوذه، بينما لم يحظَ مشروع بناء الدولة بالقدر نفسه من الاهتمام والاستمرارية. ولا يعني ذلك التقليل من أهمية مواجهة أيِّ تنظيمٍ مسلّح يعمل خارج سلطة الدولة، بل يعني أنَّ هذه المواجهة، مهما بلغت فعاليتها، لن تُحقّقَ نتائج دائمة إذا بقيت المؤسسات الرسمية ضعيفة وعاجزة. فاحتواءُ النفوذ الإيراني في لبنان لا يتحقّق فقط بإضعاف أحد أدواته، بل ببناء دولة لا تترك فراغًا يمكن لأيِّ طرف خارجي أن ينفذ منه.

ولا يقلّ عن ذلك أهمية أن تتمكن الدولة اللبنانية من مواجهة التحديات الخارجية التي تمسُّ سيادتها، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية والانتهاكات المتكررة للسيادة اللبنانية. فالدولة القوية لا تُبنى لمواجهة نفوذ داخلي فحسب، بل لتكون أيضًا الجهة الوحيدة القادرة على حماية حدود البلاد والدفاع عن قرارها الوطني في مواجهة أي اعتداء أو تدخل خارجي، أيًّا كان مصدره.

إن لبنان يقف اليوم أمام لحظة قد لا تتكرر. فإما أن يتحوّل تراجع نفوذ “حزب الله” إلى بداية لاستعادة الدولة، وإما أن يصبح مجرد فصل جديد في دورة طويلة من الأزمات. فالتاريخ اللبناني مليء بالفرص التي أُهدرت لأنَّ القوى السياسية انشغلت بإعادة توزيع موازين القوة أكثر من انشغالها بإعادة بناء المؤسسات. وإذا تكرر هذا الخطأ، فإنَّ الأزمة ستعود بصيغ مختلفة، حتى لو تبدلت الأسماء والوجوه.

ولهذا، فإنَّ المعيار الحقيقي لنجاح المرحلة المقبلة لن يكون عدد المواقع التي تخسرها الميليشيات، ولا حجم المكاسب التي تحققها القوى السياسية، بل قدرة الدولة على أن تصبح المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين. فالدولة لا تستعيد سيادتها عندما تحتكر السلاح فقط، بل عندما تحتكر الشرعية، وعندما يشعر المواطن أنَّ حقوقه يحميها القانون لا ميزان القوى، وأنَّ مستقبله تصنعه المؤسسات لا الولاءات.

قد يكون “حزب الله” أحد أكبر مشكلات لبنان، لكن مستقبل البلاد لن يتحدد فقط بكيفية التعامل معه، بل بكيفية معالجة الأسباب التي سمحت له، ولغيره، بأن يتحوّلَ إلى لاعب يتجاوز الدولة. فالأمم لا تُبنى بإضعاف خصومها وحده، بل ببناء مؤسساتها، ولا تُقاس قوة الدول بما تملكه من سلاح، بل بقدرتها على فرض القانون، وإدارة الاختلاف، وصيانة سيادتها.

ولعلَّ التاريخ لن يتذكّر هذه المرحلة بوصفها اللحظة التي تراجع فيها نفوذ “حزب الله”، بقدر ما سيتذكر ما إذا كان اللبنانيون قد أحسنوا استثمارها لاستعادة دولتهم. فالدول لا تولد من انتصار طرف على آخر، بل من توافق أبنائها على أن تكون الدولة وحدها هي الإطار الجامع، والمرجعية العليا، والضامن الوحيد لمستقبل الوطن. فالرهان الحقيقي في لبنان لم يكن يومًا على سقوط طرف، بل على قيام دولة لا يحتاج اللبنانيون إلى البحث عن بديلٍ لها.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى