حينَ يُصبِحُ الزمنُ سلاحًا: أميركا وإيران في اختبارِ التحمُّل

الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي*

انتقل الصراع الأميركي-الإيراني خلال المرحلة الأخيرة من الاستهداف المباشر للترسانة الصاروخية والقدرات العسكرية التقليدية لطهران إلى استراتيجية استنزاف اقتصادي تستهدف الشريان الحيوي لإيران، عبر تعطيل حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز وخنق تجارتها البحرية. وقد راهنت واشنطن على أنَّ هذا التحوُّل سيكون كفيلًا بدفع النظام الإيراني إلى الرضوخ والعودة إلى طاولة المفاوضات بشروطها. لكن هذا الرهان فتح الباب أمام إشكالية أكثر تعقيدًا: هل يستطيع الحصار كسر إرادة طهران قبل أن تصبح كلفة استمراره ثقيلة على الولايات المتحدة نفسها؟

الواقع أنَّ تداعيات الحصار بدت قاسية في أرقامها الأولية، إذ تشير بيانات تتبّع الشحن إلى تراجع الصادرات النفطية الإيرانية بنحو 90% مقارنة بمستوياتها قبل تشديد الحصار، فيما تعرَّضت التجارة الخارجية الإيرانية الأوسع لضغوط حادة. وفي سياق ترسيخ سياسة العزل الاقتصادي، صعَّدت وزارة الخزانة الأميركية حملتها ضد المؤسسات المالية والشركات التي تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات، مُستهدفةً شبكات وكيانات في الإمارات وتركيا ومراكز مالية أخرى، ومُهددة بحرمان المتعاملين مع النظام الإيراني من الوصول إلى الدولار والنظام المالي الأميركي.

ولا شك في أنَّ خسارة جزء كبير من الإيرادات النفطية تمثل ضربة قوية لاقتصادٍ يعاني أصلًا من العقوبات والعزلة المالية. غير أنَّ المشكلة بالنسبة إلى واشنطن لا تكمن في قدرتها على إلحاق الضرر بالاقتصاد الإيراني، فهذا أمر لا يحتاج إلى إثبات، بل في قدرتها على تحويل الألم الاقتصادي إلى تنازل سياسي. والتجربة الإيرانية مع العقوبات أظهرت مرارًا أنَّ المسافة بين إضعاف الاقتصاد وإجبار النظام على تغيير خياراته الاستراتيجية قد تكون طويلة.

في المقابل، لم تبقَ كلفة هذه الاستراتيجية داخل الحدود الإيرانية. فقد ظلت أسعار النفط تتحرّك قرب حاجز 100 دولار للبرميل، فيما ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 4.15 دولارات للغالون، أي أعلى بنحو 30% مقارنة بمستواه قبل عام، وتجاوز سعر الديزل 5.85 دولارات للغالون مسجّلًا مستويات قياسية. وهكذا أصبح جزء من كلفة خنق الاقتصاد الإيراني ينتقل إلى المستهلك الأميركي والأسواق العالمية، عبر ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والسلع وتجدد الضغوط التضخمية.

ولا تقل الكلفة العسكرية أهمية. فقد كشفت تقارير منشورة عن استنزافٍ كبير للترسانة الأميركية خلال الأسابيع الأربعة الأولى من المواجهة، تمثّلَ في إطلاق أكثر من 850 صاروخ توماهوك وأكثر من ألف صاروخ للدفاع الجوي، بينها صواريخ من منظومتَي باتريوت وثاد. وأثارت هذه الأرقام هواجس داخل الكونغرس والبنتاغون بشأن قدرة واشنطن على المحافظة على مخزوناتها الاستراتيجية إذا طال أمد الحرب، خصوصًا أنَّ هذه المخزونات لا تُحسَبُ وفق احتياجات الشرق الأوسط وحده، بل في ضوء التزامات الولايات المتحدة واستعدادها لأزمات محتملة في مسارح أخرى.

هنا يتحوَّل الزمن نفسه إلى جزء من ميدان الصراع. فالولايات المتحدة تتفوق على إيران اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا بفارق هائل، لكن حروب الاستنزاف لا تُحسَم دائمًا بحجم الموارد وحده. فواشنطن تراهن على أنَّ قدرة إيران على تحمُّل الخسائر الاقتصادية ستتآكل أولًا، فيما تراهن طهران على أنَّ رفع كلفة الحرب وإطالة أمدها سيجعلان استمرارها أكثر صعوبة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

في ظلِّ هذه المعادلة، انقسمت النخبة الاستراتيجية الأميركية بين مقاربتين. الأولى يتبنّاها ديبلوماسيون أميركيون سابقون، وفي مقدمهم السفير جايمس جيفري، وترى أنَّ عامل الزمن يصبُّ في مصلحة واشنطن، وأنَّ استمرار الضغط سيُنهك إيران قبل أن تصل الولايات المتحدة إلى حدود قدرتها على التحمُّل. أما المقاربة الثانية فترى أنَّ طهران اختارت استراتيجية التحمُّل ورفع الكلفة، وأنها لا تحتاج إلى مجاراة القوة الأميركية بقدر ما تحتاج إلى منع واشنطن من تحقيق نصر سريع ومنخفض الكلفة.

وتزداد المعادلة تعقيدًا مع ما كشفه تحقيق لـ”فايننشال تايمز” عن تعاون عسكري-تقني روسي سري مع طهران، شمل مشاركة مهندسين روس في برنامج لتطوير تقنيات الدفع اللازمة لصواريخ كروز إيرانية أسرع من الصوت. وهذا الدعم يضيف بُعدًا دوليًا إلى المواجهة، ويمنح إيران هامشًا إضافيًا في استراتيجية الصمود وإطالة أمد الصراع.

في المحصّلة، ما نشهده ليس انتصارًا واضحًا لأيٍّ من الطرفين بقدر ما هو حرب استنزاف تتداخل فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد والزمن السياسي. فلم يثبت حتى الآن أنَّ خَنقَ الاقتصاد الإيراني قادرٌ على فرض الشروط الأميركية، كما لم ينجح الصمود الإيراني في فتح أفق تفاوضي أو توفير مخرج سياسي من الحرب.

لذلك لم يعد السؤال: مَن سيركع أولًا؟ بل أصبح: مَن يستطيع دفع فاتورة الاستمرار مدة أطول؟ والإجابة لن تحدد مسار المواجهة مع إيران وحدها، بل ستختبر أيضًا حدود قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها في الشرق الأوسط عندما تصبح كلفة ذلك التفوُّق مرتفعة عليها وعلى خصومها في آنٍ واحد.

  • الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي هي أستاذة جامعية وباحثة لبنانية في الشؤون السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى