سعد الزين بين النوستالجيا والقهر الحافي
هنري زغيب*
لا أَكتبُ عنه زميلًا في الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU، ولا رائعَ النشاط الديناميّ بتفعيل رسالتها في المستَشْفيَيْن (مستشفى رزق – الأَشرفية، ومستشفى القديس يوحنا – جونيه). بل أَكتُب عن طعنةٍ صامتةٍ في قلبه النازف قهرًا حافيًا، بعدما شاهدتُ جواهرَ بيته الأَثريةَ في كفَررُمَّان، اندثَرتْ رمادًا بين دَمار، وانسحقَت ممحوَّةً وكانت مزهوةً بأَناقة إِرثها التراثي في أَرجاء بيته الجميلة، وفي محيطه الأَخضَر المزغْردِ من سعادة.
تتهاطلُ علينا كلَّ يومٍ مشاهدُ أَبوكاليبتيةٌ من غارات الوحش على جنوبنا المقدَّس، تدَنِّسُهُ نفثاتُ النار من شَدْق الوحش، ونوجَعُ كلَّ يومٍ لبيوتٍ وأَرزاقٍ وغلالِ عمْرٍ قصفَها الوحشُ الهائجُ فرمَّدَها حجارةً بائسةً جريحةً، تئِنُّ من مصيرٍ كانتْهُ بيوتًا سعيدةً لناسٍ سعداء، تعبوا في بنائها سنواتٍ، وصعقَتْها في ثوانٍ غارةٌ مجرمة.
أُتابعها كلَّها كلَّ يوم، فجراحُ الجنوب جراحُنا جميعًا. لكنني أَمام أَنقاض الدمار الـمُكوَّم الفاجع جثَّةَ بيت، لِمَا كانَهُ بيتُ صديقي وزميلي سعد الزين، وقفْتُ في صمْتِ خاشعٍ ودموعٍ حافيةٍ لم تتسلَّلْ إِلى خدَّيّ، لأَنَّ فداحةَ الموت أَحيانًا أَقوى من شهَقات النحيب، ومن شَرَقات الدُموع.
رحتُ أَقرأُ في الصُوَر ذكرياتِ الحجارة عمَّا كانَت، يومَ كانَت، غرفًا وقناطرَ وشرُفاتٍ وحدائقَ مزهوَّةً بأَعراس الكنوز: هنا فخَّارياتٌ نادرة، هنا معتَّقاتٌ أَثرية، هنا زجاجياتٌ عتيقة، هنا أَدواتٌ بيتيةٌ فولكلوريةٌ من الأَمس البعيد، هنا خشبيَّاتٌ من كلِّ شكلٍ ونوع، هنا شرُفاتٌ مزهِّرةٌ بالخُضْرة والورود، هنا رفوفٌ معجوقةٌ بزَوغة جَـمالات، هنا بُرْكةٌ تختال بنافورتها، هنا بنادقُ عثْملّيةٌ لم يصدأْ عليها الزمن، هنا ماكينةُ خياطة تنظْر بحنانٍ إِلى بابورِ الكاز العجوز، هنا عرَبةُ خُضَرٍ خلَعَتْ عنها الخُضَر وتقاعدَت في الحديقة متغاويةً بماكياجها الجديد، وهنا مدخلُ البيت ببهائه وهَيبَته وجماله المنثُور بين الشجر العالي… وأُكملُ مشاهدَ الصُوَر بعد، ويغصُّ قلبي حتى ليخجل الدمعُ الحافي من هَوْل الصدمة أَمام هذه الجمالات التي استحالَت خرائبَ من دمارِ رَماد.
ماذا بقي؟ بقيَت شهقاتٌ من الذكرى والذاكرة، سيظلُّ سعد الزين يَرويها لأَولاده وأَحفاده، عن بيتٍ مُضيْءٍ من بيوت آل الزين الأَشراف جنوبيًّا ولبنانيًّا، تَسَلَّمَه سعد جوهرةً فجعلَه جوهرةً أَجمل، حين قصفَه الطيَّار العدوُّ لم يُدركْ أَنه لا يُرمِّد بيتًا بل عمْرًا من سنوات الربيع.
ولن يكون وقتٌ لأَخي سعد أَن يَتَبَسَّطَ باللوم على مَن وما سبَّبَ هذه الفاجعةَ العُمرانية، لأَنه سيكون مُنْشَغلًا بتَلْقين أَحفادِهِ أُمثولةً من قلب لبنان اللبناني، أَنَّ الصيَّاد يقصِف عصفورًا على شجرة فيُسْقِطُهُ صَرْعًا، لكنَّه لا يكون قصَف الشجرَ العالي، ولا منَع الفصول من عودة الربيع.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib



