بيكاسو… بيكاسو… ما هو سرُّك؟ (4 من 7)

هنري زغيب*
جمهورُ الفن التشكيلي قسمان حيال بيكاسو (1881-1973): قسمٌ يُحبّ في فنِّه تعدُّدَ الأَنواع وغناها، والقسم الآخر يَجده شَوَّهَ الوُجوه والأَجساد بأَشكاله الغريبة الصادمة. سوى أَنه، بين المعجبين والمنتقدين، ما زال يسير شُهرةً في الزمان، حاضرًا بثباتٍ من جيلٍ إِلى جيل.
في الحلقات الثلاث السابقة من هذه السُباعية، مهَّدتُ بنبْذةٍ عن نشأَة بيكاسو ومطالعه، ومجيئه من إِسبانيا إِلى باريس التي غيَّرَت في نهجه وأُسلوبه وكان لها تأْثير عليه، وما كان للمسرح والموسيقى من تأْثيرٍ على مسيرته، وعلاقاته مع أَربع نساء.
في هذه الحلقة أَكشف مسيرته مع ثلاث نساء أُخريات.

الأَميركية لي ميلر (1907-1977)
هي مصوِّرة فوتوغرافية صحافية الْتقاها بيكاسو سنة 1937، وأَمضى صيفئذ وقتًا هانئًا في جنوب فرنسا معها ومع مجموعة شعراء “الموجة الطليعية الجديدة”: بول إيلوار، مان راي، والْكانت صديقته فترتئذٍ دورا مار. لم يُقِمْ مع “لي” علاقةً عاطفية، لكنه رسمها في 7 لوحات، بأَزياء من منطقة الآرل، تكريمًا لـفان غوخ الذي كان يعيش فيها. تلك اللوحات السبع، كانت بعد “الغيرنيكا” (1937) رائعته الخالدة ضدَّ الحرب، وقبل الخريف الذي خصَّصه لأُسلوب لوحته “امرأَة تبكي” (1937)، وهي لوحات سبع تؤَرّخ حقبة مميزة في مسيرته الفنية الطالعة من التقليدية الكلاسيكية إِلى طليعية الغرابة.

الفرنسية فرنسواز جيلو Gilot (1921-2023)
هي رسامة كانت ملهِمة بيكاسو لفترة ما بعد الحرب. التقاها ذات يوم من أَيار 1943 صبيةً جميلةً في مقهى خلال احتلال باريس. وهو وازى بين لقائها والربيع، لذا جاءت لوحاته عنها كما تفتُّح الزهر، منها “المرأَة الزهرة” (1946). دامت علاقتهما نحو 10 سنوات، وكانت لبيكاسو فترة تغيُّر كبير، مع خروج أُوروبا من الحرب العالمية الثانية. ومن دون زواجهما رسميًّا، أَنجبَت له فرنسواز صبيًّا (كلود) وابنة (بالوما). وحين بيكاسو غادر باريس نهائيًّا إِلى فالوريس (منطقة بحرية في جنوب فرنسا)، وسكَنَ فيها بشكل دائم، كان في مسيرته تحوُّلٌ آخر لا علاقة له بخطوات مسيرته قبلًا. وفي تلك المرحلة الجديدة أَنتج الكثير من الأعمال بالخزف والرسوم.

الفرنسية جاكلين روك Roque (1926-1986)
هي زوجة بيكاسو الثانية (بعد الروسية أُولغا خوخلوفا). عرفها بيكاسو في صيف 1952، وكانت قُبَيْلَئِذٍ طلَّقَت زوجها ولها منه صبية، وتعمل مساعدةَ مديرِ المبيعات في محترف “مادورا” للخزف في فالوريس، كان بيكاسو يتردَّد إِليه لإِنتاج خزفياته. ومنذ 1954 أَصبحت جاكلين حاضرةً باستمرار في حياته وأَعماله، حتى أَن رسومه عنها كانت أَكثر الأَعمال عددًا في إِنتاجه، مع أَنها لم تجلس موديلًا له طوال حياتها معه. وعن جاكلين قولُها عنه إِنه كان دومًا يريد أَن يتنافس مع لوحة دولاكروى “نساء جزائريات في شقَّتهن” (1834)، ولذا كانت هي (جاكلين)، بشعرها الأَسْوَد وقامتها المتوسطة، مثالًا ممتازًا لذاك “التنافس”. وعن تلك الفترة من حياته، كتبَت الناقدة سوزان غريس غالاسي (الخبيرة أَكاديميًّا بأَعمال بيكاسو): “تعامُلُ بيكاسو في رسومه لجاكلين، جعلَها أَكثرَ امرأَةٍ قُربًا منه زوجًا ورجُلًا وفنانًا عبقريًّا”. وإِحدى لوحاته عنها (سنة 1955) في سلسلة “النساء الجزائريات” (نسخة بيكاسو)، بيعت لدى مؤَسسة “كريستيز للمزادات الفنية” (نيويورك) سنة 2015 بمبلغ 179 مليونًا و365 أَلف دولار، وهو أَعلى مبلغ في مبيع لوحات بيكاسو.

الحلقة المقبلة: 6 تأْثيرات في مسيرة بيكاسو.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.