الشرقُ الأوسط و”الحروب الأبدية”: كيفَ أصبحَ عدمُ الاستقرار نظامًا سياسيًّا دائمًا؟
رُغمَ تغيُّر ساحات المواجهة وتبدُّل التحالفات، لا تزال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تدور في حلقةٍ متواصلة من الحروب والتصعيد. فخلف شعارات “الأمن” و”الردع”، يبرز نظامٌ إقليمي ودولي يجد في إدارة الأزمات واستدامة التوتر مصلحة سياسية واستراتيجية مستمرّة.

أنجي عُمَر*
أعادت المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى الواجهة مفرداتٍ مألوفة في الخطابِ السياسي والأمني: “الاستقرار”، و”الردع”، و”الأمن الاستباقي”. فقد قدّمت واشنطن وتل أبيب التصعيد العسكري بوصفه خطوةً ضرورية لتفادي انفجارٍ إقليمي أوسع، فيما ردّت طهران بخطابٍ يرتكز إلى “المقاومة” وحق الرد الاستراتيجي. غير أنَّ ما يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة للطرفين يكشف حقيقةً أكثر رسوخًا وتعقيدًا: فحروب الشرق الأوسط لا تستمر فقط لأنَّ أزماتها بقيت بلا حلول، بل لأنَّ قوى إقليمية ودولية نافذة ما تزال تجد في إدارة الفوضى وعدم الاستقرار مصلحة استراتيجية مستدامة.
ولا يعني ذلك تبرئة إيران من مسؤوليتها عن جُزءٍ كبير من هذا المشهد المضطرب. فالنظام الإيراني رسّخ، على مدى عقود، نموذجًا سلطويًا استبداديًّا اعتمد على توسيع النفوذ عبر شبكات الوكلاء والأذرع، واستثمار الانقسامات الطائفية، والتدخُّل في البنى السياسية والاجتماعية للدول العربية. من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن، استفادت طهران من هشاشة المؤسسات والأزمات الداخلية لتعزيز حضورها الإقليمي وترسيخ أدوات نفوذها. إلّا أنَّ اختزال أزمات المنطقة في الدور الإيراني وحده يُغفل بُنيةً أوسع من علاقات القوة التي حكمت الشرق الأوسط لعقود، وهي بُنيةٌ تقوم على إنتاجٍ دائم لمشاعر التهديد، وتكريس الإكراه العسكري، وترسيخ فرضية مفادها أنَّ التفوُّق المسلح هو الطريق الوحيد لضمان الأمن.
الأمن بوصفه أداة لإدارة الصراع لا إنهائه
ومنذ نهاية الحرب الباردة، تبنّت الولايات المتحدة هذا التصوُّر بوصفه الإطار الحاكم لسياستها في الشرق الأوسط. فابتداءً من غزو العراق عام 2003، جرى تقديم التدخّلات العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، وسياسات الاحتواء الاستراتيجي باعتبارها أدوات لا غنى عنها لحماية “النظام الإقليمي” ومنع انهياره. إلّا أنَّ حصيلة هذه السياسات كثيرًا ما جاءت معاكسة للأهداف المُعلنة. فقد أدّى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية بعد الغزو إلى فتح المجال أمام العنف الطائفي، وتنامي نفوذ الميليشيات، ثم صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) لاحقًا. وفي أفغانستان، انتهت حرب استمرت عقدين من الزمن بانسحاب أميركي وفشل مشروع بناء الدولة، بدل ترسيخ نموذج ديموقراطي مستقر. ومع ذلك، بقيت الفرضية الأساسية للسياسة الأميركية على حالها: الاعتقاد بإمكانية إدارة الفوضى عبر القوة العسكرية، والرقابة الأمنية، والتحالف مع الأنظمة الإقليمية الحليفة.
أما إسرائيل، فقد كرّست بدورها مفهوم “الأمن الدائم” باعتباره الركيزة الأساسية لسياستها الداخلية والإقليمية. ولم يقتصر هذا المنطق على مقاربتها العسكرية تجاه إيران و”حزب الله”، بل امتدَّ أيضًا إلى إدارة الصراع في غزة والضفة الغربية المحتلة. ولا شك في أنَّ المخاوف الأمنية الإسرائيلية تستند إلى وقائع فعلية، خصوصًا بعد هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، واستمرار التهديدات المسلحة. غير أنَّ تحوُّلَ الأمن إلى المبدَإِ المُنظِّم للحياة السياسية بأكملها يجعل الصراع حالةً مستمرة لا ظرفًا استثنائيًا. فالحروب المتكررة على غزة، وما تخلّفه من دمار واسع وكوارث إنسانية، أظهرت أنَّ التفوّق العسكري وحده لا ينتج استقرارًا طويل الأمد. وبالمثل، تحوّل الاحتلال في الضفة الغربية إلى بنية دائمة من السيطرة، تُعمّق الانسداد السياسي وتدفع أي تسوية محتملة نحو مزيد من التعقيد والاستحالة.
حين يصبح عدم الاستقرار مصلحة سياسية
ولا تقتصر هذه الديناميكيات على القوى الدولية والإقليمية الكبرى، إذ تستفيد نخبٌ محلية عديدة أيضًا من استمرار الأزمات وإدامة الهشاشة. ففي لبنان، تحوّل الشلل السياسي إلى جُزءٍ من بنية النظام نفسه، عبر شبكات المحاصصة والطائفية التي تضمن بقاء الدولة ضعيفة وعاجزة. وفي سوريا، واجه نظام بشار الأسد مطالب الإصلاح بالقمع والحرب، ما قاد إلى تدمير واسع للمجتمع والدولة، وفتح الباب أمام التدخلات الإقليمية والدولية وتحويل البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة للمصالح المتنافسة. وحتى بعد سقوط الأسد، ومقتل مئات الآلاف، وموجات النزوح الواسعة، لا تزال سوريا عالقة بين الاستبداد المتجدد، والانهيار الاقتصادي، والتدخُّل الخارجي المستمر.
القاسم المشترك بين هذه الحالات هو أنَّ الصراع ذاته أصبح مصدرًا للمنفعة السياسية. فالحكومات تستخدم التهديدات الأمنية لتبرير قوانين الطوارئ، وتقييد الحريات، وإحكام قبضتها على السلطة. والجماعات المسلحة تستمد شرعيتها ونفوذها من استمرار المواجهة. أما القوى الدولية، فتُبقي على شراكاتها الأمنية وصناعاتها العسكرية ونفوذها الجيوسياسي عبر إدارة عدم الاستقرار بدل إنهائه. وفي ظلِّ هذا الواقع، يبدو أنَّ “التصعيد المُدار” أصبح، بالنسبة إلى كثير من الأطراف، أكثر جدوى من سلام حقيقي قد يغيّر موازين القوة القائمة.
تكمُنُ المُعضِلة الأعمق في أنَّ شعوب الشرق الأوسط تُعامَل، في كثيرٍ من الأحيان، بوصفها موضوعًا للسياسات الأمنية لا طرفًا فاعلًا في صياغة مستقبلها. فالنقاش حول مجتمعات المنطقة يُختَزَل غالبًا في مفردات “التهديدات”، و”التطرف”، و”تدفقات اللاجئين”، و”التنافس الجيوسياسي”، بينما يتراجع الحديث عن حقوق المواطنين في المساءلة السياسية، والكرامة الاقتصادية، وبناء مؤسسات تمثيلية فاعلة. وبهذا المعنى، يتحوّل الإنسان العادي إلى الضحية الدائمة لنظامٍ إقليمي تُدار فيه موازين القوة عبر الحروب والأزمات، فيما تتحمّل المجتمعات كلفة العنف والانهيار والتفكّك المستمر.
ومن هنا، فإنَّ استمرارَ ما يُعرَف بـ”الحروب الأبدية” لا يعكس فقط إخفاقًا ديبلوماسيًا متكرّرًا، بل يكشف أيضًا عن ترسُّخ رؤية سياسية تعتبر أنَّ التهديدات تُواجَهُ عسكريًا قبل البحث عن جذورها السياسية والاجتماعية. وهذه المقاربة لا تنتمي إلى طرفٍ واحد، بل تتبنّاها قوى متعددة، رُغمَ اختلاف مواقعها وخلفياتها الإيديولوجية. وطالما ظلَّ هذا المنطق مهيمنًا على دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، وكذلك في عدد من الدول العربية، فإنَّ المنطقة ستبقى عرضةً لدوراتٍ متجدّدة من التصعيد وعدم الاستقرار.
ومع ذلك، فإنَّ السلام في الشرق الأوسط ليس احتمالًا مستحيلًا، بقدر ما يبدو خيارًا غير مرغوب فيه لدى أنظمة اعتادت استثمار الصراع للحفاظ على توازنات السلطة القائمة. فإنتاج واقع إقليمي مختلف يتطلّب أولًا التخلّي عن الفرضية التي تربط الشرعية السياسية والتفوق العسكري بصورة تلقائية. كما يقتضي الاعتراف بأنَّ المجتمعات التي أنهكتها الحروب لا يمكن إعادة بنائها عبر الإكراه، أو العقوبات، أو الاحتلال، أو حروب الوكالة. فالأمن المستدام لا يُبنى بالقوة وحدها، بل عبر توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز المؤسسات القادرة على المساءلة، وتوفير الفرص الاقتصادية، وإخضاع عنف الدولة والجماعات المسلحة للمحاسبة، أيًا كان مصدره أو مبرراته.
وتنسحب هذه المعادلة على مختلف أطراف الصراع في المنطقة، من القمع الذي يمارسه النظام الإيراني، إلى سياسات الاحتلال الإسرائيلي، مرورًا بالأنظمة السلطوية العربية، وصولًا إلى التدخلات الدولية التي غالبًا ما تتعامل مع شعوب الشرق الأوسط بوصفها عناصر ضمن حسابات استراتيجية أوسع. فهذه الأزمات ليست منفصلة عن بعضها البعض، بل تتغذى من بنية إقليمية مترابطة تكافئ منطق التسلح والهيمنة، وتُضعف في المقابل فرص التسوية السياسية والاستقرار الحقيقي.
إنَّ كسرَ هذه الحلقة يتطلّب، قبل كل شيء، تحوّلًا في الطريقة التي تنظر بها القوى الدولية إلى الشرق الأوسط. فطالما استمرت مقاربة المنطقة باعتبارها ساحة مفتوحة للردع، واحتواء الخصوم، وإدارة التوازنات الجيوسياسية، سيبقى العنف يتجدّد بأشكالٍ مختلفة. أما البديل، فيبدأ بالاعتراف بسكان المنطقة كفاعلين سياسيين يمتلكون الحق والقدرة على تقرير مصيرهم، لا كمجرد أدوات في صراعات النفوذ الإقليمي والدولي.
ومن دون هذا التحوُّل الجوهري، ستظل اللغة المتداولة حول “الاستقرار” مجرّد غطاء سياسي يخفي واقعًا أكثر قسوة، يتمثل في استمرار الحروب والأزمات البنيوية وعدم الاستقرار المزمن. ولن تبقى تداعيات هذا الواقع محصورة داخل حدود الشرق الأوسط، بل ستمتد آثارها السياسية والاقتصادية والإنسانية إلى العالم بأسره، تاركة إرثًا ثقيلًا ستتحمله أجيال مقبلة داخل المنطقة وخارجها.
- أنجي عمر هي رئيسة تحرير موقع “صدى”، التابع لبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. وهي صحافية ومحررة ومنتجة وكاتبة متخصصة في الشؤون السياسية والأخبار الدولية، تمتلك خبرة مهنية واسعة في تغطية القضايا الإقليمية والعالمية وتحليلها.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.