في حديث الشعر (30 – الأَخيرة)

هنري زغيب*
هي ذي الحلقة الأَخيرة التي تختم، في “أَسواق العرب”، هذه السلسلة التي امتدت على30 حلقة، عالجتُ فيها تباعًا معظم المسائل حول الشعر والنثر فنَّيْن عظيمَين متعادلَيْن في الأَهمية والإِبداع.
أَختُمُها، على أَن تجد يومًا طريقها إِلى النشر في شكل كتاب (ورقي أَو إلِكْتروني) كي تبقى شهادة متكاملة على مسيرتي الأَدبية وقناعاتي في الشأْن الكتابي.
وهنا ما تبقَّى من كلامي عن شعر المناسبات، وهو أَضعف أَنواع الشعر.
على المنبر
حدثَ لي أَن وقفتُ على المنبر، مُلْقيًا قصائد لي في مناسبات مختلفة على منصات مختلفة.
دُعيت إِلى مناسبات منبرية كثيرة، لبّيتُ معظَمها، لكنّ الضئيل منها حظِيَ بقصيدةٍ مني، لِحرصي أَلَّا أَكتب في مناسبةٍ قصيدةً إِلَّا حين المناسبةُ على مستوى أَن تدخل في الشعر. لذا، في غالبية المناسبات المنبرية التي أُدعى إِليها، أَكتب خطبةً نثريةً أَشتغلها تَمامًا بِحِرَفيّة كتابتي القصيدةَ الجديدة، لأَنني أَرى النثرَ يتَّسع على المنبر لِمساحاتٍ تليق به من دون حَرَج، وغالبًا لا تليق بأَنْ تدخل الشعر.

القدسية ذاتُها شعرًا ونثرًا
اشتغالي على النثر في خطبة منبرية، يعادله تمامًا إِلقائِيها كما أُلقي القصيدة: بالنبْض ذاته وبالنبرة ذاتها، احترامًا هَيْبَةَ النثر الذي، كتابةً وإِلقاءً، لا يقلُّ حرمةً عندي عن الشعر.
وإِذ يحصل لي أَحيانًا أَن أَرتجلَ خطبةً على المنبر، حين المنصة تتيح (وحتى نَصِّيَ المرتَجَل أَتعمَّدُه أَنيقًا كَنَصِّيَ المكتوب)، لا أَسمحُ لي مطْلَقًا بأَن أَرتجلَ بيتَ شعر واحدًا على المنبر. فللشعر حُرمتُه وقدسيَّته وَهَيبَتُه وطقوس تأْليفه، ما يتساهل به النثر ولا يتساهل به مطْلقًا السيّدُ الشعر. وأَنا ضَنينٌ بالشعر، كتابةً وإِلقاءً، فلا أَتهاونُ أَبدًا بالتعامل معه تعامُلي مع صديقي النثر.
دُعيتُ إِلى مناسباتٍ كتبتُ لها قصائدَ أَلقَيتُها على المنابر مؤْمنًا بمناسبتِها التي وجدتُ الشعر يليق بها فرفعتُها إِليه وحاولتُ أَن أَجعله على مستواها. منها مثلًا: ذكرى كبار (جبران، كرم ملحم كرم، أَمين تقي الدين، رياض المعلوف)، ووفاءً لِمَدينة (زحلة مدينة الشعراء، جونيه مدينتي الغالية)، ولاءً لعلَم (جيش لبنان)، وقفة وطنية (قانا، ذكرى مأْساة فلسطين)، وسواها.
هذا في المضمون.
خروج على نمطية العمود الشعري
في الشكل، قصائدي جميعُها كلاسيكية=عمودية أَو تفعيلية، إِنما لَم أَنشْرها في كتبي بالطريقة العروضية التقليدية في التقطيع (صدْر/عجُز) بل صُغْتُها فنتَزيةً منسرحَةً، تقطيعُها يُراعي المعنى أَو نَفَس العبارة، عوض تصنيمها وَقْفًا أَو قطعًا بنهاية الصدر، أَو بالروي/القافية عند نهاية البيت. هذا لأَقول إِنَّ تشكيل القصيدة على المساحة البيضاء لا يجعلُها، بشكلها، شِعرًا إِن هي ليست في الشِعر (بل نَظْمٌ مسطَّح)، ولا يَنْزع عنها الشِعرية حين هي كلاسيكيةٌ منتثرةٌ بالشكل “الحديث” المحسوب علينا “حديثًا” لتمرير نصوصٍ تلبسه على أَنها “حديثة” وهي ليست سوى نثر منتثِر بهذا الشكل “الحديث” الذي لا يجعلُها، لِوحده، شعرًا، بل يُبقيها نثرًا غير مكتوبٍ أَفقيًا (كالشكل التقليدي للنثر) بل عموديًّا متقطّعَ العبارات فنتزيًّا وَفْق ما اقترحه كاتبُه ليَسِمَه “شعرًا” لكنها تبقى نثرًا أَيًّا تكن طريقة (أَو شكلُ) كتابتها، بينما القصيدة (كلاسيكيةً كانت أَم قصيدة تفعيلة) تبقى شعرًا أَيًّا تكن طريقةُ (أَو شكلُ) كتابتها.

الشكل ثوب لا هوية
في الخلاصة: النثر مطواعُ الشكل الكتابي، والشعر مطواعُ الشكل الكتابي. النثر يبقى نثرًا كيفما كُتِب، والشعر الكلاسيكي يبقى شِعرًا كيفما كُتِب. الشكل ثوب، والثوبُ لا يعطي الهوية. والكلاسيكية (ذات الأَوزان والبُحور المكرّسة)، سواءٌ بكتابتها العَروضيةِ القديمةِ التقطيع منذ الجاهلية، أَو بكتابتها الحديثة النيوكلاسيكية الفنتزية، تبقى الكلاسيكية هي هي الهوية التي تسِمُ الشعر. هنا صُعوبتُها وتَمَيُّزُها عن النظم المحسوب علينا شِعرًا وهو ليس في الشعر، تمامًا كالنثر العمودي المحسوب علينا شعرًا وهو نظْمٌ وليس في الشعر.
القصيدةُ الأَصيلةُ، حين هي في الشعر الشعر، لا تنطوي مع انتهاء إِلقائها على المنبر وانقضاء المناسبة، بل يؤلَّقُها الشعر معه إِلى الآتي في الزمان.
هنا عبقرية الشعر.
وأَستغفره إِن كنتُ، على مِنصَّةٍ، أَسأْتُ إِليه بـ”استدراجه” إِلى حيثما لا يليق به.
المجد للشعر.
المجد للشعراء.
والمجد دائمًا للبنان الشاعر.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.