بيكاسو… بيكاسو… ما هو سرُّك؟ (2 من 7)

هنري زغيب*
جمهورُ الفن التشكيلي قسمان حيال بيكاسو (1881-1973): قسمٌ يُحبّ في فنِّه تعدُّدَ الأَنواع وغناها، والقسم الآخر يَجده شَوَّهَ الوُجوه والأَجساد بأَشكاله الغريبة الصادمة. سوى أَنه، بين المعجبين والمنتقدين، ما زال يسير شُهرةً في الزمان، حاضرًا بثباتٍ من جيلٍ إِلى جيل.
في الحلقة الأُولى من هذه السُباعية، مهَّدتُ بنبْذةٍ عن نشأَته ومطالعه، ومجيئه من إِسبانيا إِلى باريس التي غيَّرَت في نهجه وأُسلوبه وكان لها تأْثير عليه.
في هذه الحلقة أُتابع ما كان للمسرح والموسيقى من تأْثيرٍ على مسيرة بيكاسو.
أَعماله لمسرح الباليه
تأَثَّرت مسيرةُ بيكاسو تباعًا بأَعمال مسرحية وموسيقية شاهدها في باريس. ولفَتهُ فيها جوُّ الراقصين والمغنّين، وبراعة المهرِّجين في السيرك، فدخلوا بوضوحٍ إِلى أَعماله في مرحلته الزهرية، كما دخلَت بعدذاك آلتَا المندولين والغيتار في أَعماله التكعيبية. وهذا ما هيَّأَه ليُسهم في عشر مسرحيات للباليه، بينها ستةُ أَعمال روسية. بين 1917 و1924 صمَّم الديكور والملابس والستائر لأَربعة أَعمال رئيسة: باليه “الموكب” سنة 1917 (وفي هذه المسرحية التقى راقصةَ الباليه أُولغا خوخلولفا وتزوَّجها سنة 1918)، باليه “القبَّعة المثلَّثة الأَضلاع” (1919)، باليه “بولسينيلَّا” مع موسيقى سترافنسكي (1920)، باليه “مغامرات مركوري” (1924). وكان من تجربته في تصميم الديكور والملابس أَن ساهمَت في تطوير أُسلوبه، وظهر تأْثيرها واضحًا في لوحاته.

الغيتار في لوحاته ومنحوتاته
بين أَشهر أَعماله في المرحلة الزرقاء، لوحتُه “عازف الغيتار” (1904). وهو أَدخل الغيتار الإِسباني في عدد من لوحاته الزيتية والكولَّاج. لكنَّ أَبرزَ ما أَنتج في هذا السياق منحوتتُه “الغيتار” (1912) جمَع فيها الورق والأَسلاك والأَوتار في عملٍ نحتيٍّ مغاير. وهو ابتكر أُسلوبًا لم يكن يعرفه قبْله الفن التشكيلي، إِذ جعل تلك المنحوتة دائريةً في تصميمها وتنفيذها. وبقي عازف الغيتار وآلة الغيتار من أَكثر المواضيع تكرارًا في أَعماله. وهو بلغ من الغبطة في تنفيذه تلك المنحوتة أَن قال يومًا: “أَشعر كأَنَّ دولاكروَى وجيوتو وتِنتوريتُّو وإِلْ غريكو والفنانين المعاصرين الجيِّدين منهم والفاشلين، التجريديين منهم وغير التجريديين، كانوا ورائي ينظرُون إِليَّ وأَنا أُنفِّذ هذه المنحوتة.
حواره مع أَسلافه
وكان من عادة بيكاسو، وهو يعمل، أَن “يحاور” أَعلام الرسم والنحت القدامى، وبعضَ المحْدثين منهم. ويؤْثَر عنه قوله الشهير: “الفنانون الكبار ينسَخون، أَما المبدعون منهم فيسْرقون”. وهو فعلًا كان من دون هوادةٍ يَستخرج رؤًى وأَشكالًا من مناجم الآخرين، مثل لوكاس كراناتش الابن، دييغو فيلاسكيز، إدغار مانيه، جان أوغست دومينيك إنغْر. وكان يطوِّر في تلك الرؤَى، ويحْيي لها أَبعادًا جديدة وأَساليبَ وقوانينَ تشكيليةً مبتكَرة. وهذا ما جعله متفرِّدًا بين أَترابه الفنانين، وغرائبيًّا في ما أَتاه من جديد.

كما كان رامبرانت
خلال ستينيات القرن الماضي، كان بيكاسو على تَـمَـاهٍ متواصل مع رامبرانت. فهذا الأَخير، كما بيكاسو بعده، أَنتج كثيرًا في فترات طويلة من حياته، وغالبًا ما كان يُدخل ملامحه في بعض لوحاته وهو يرسمها. حول هذه النزعة ذاتها لدى بيكاسو، وهي تكررتْ في عدد من لوحاته إِنما في أَشكال مختلفة، صرَّحت يومًا زوجتُه الثانية جاكلين روك: “كان ذلك فترةَ ابتدأَ يعمل على دراسة أَعمال رامبرانت”.
وترسَّخت تلك النزعة حين كان بيكاسو في المستشفى إِثْر عمليةٍ جراحية، وقرأَ عددًا من الأَعمال الأَدبية، وخصوصًا الروايات، بينها رواية أَلكسندر دوما “الفرسان الثلاثة”.
في تلك الفترة، تكرَّر لديه رمزُ الفارس بالزيّ الْكان رائجًا في القرن السابع عشر. ذلك أَن بيكاسو كان يتماهى بشخصيته مع شخصية الفارس البارع الشجاع المقْدام، وخصوصًا في السنوات الأَخيرة من حياته.
الحلقة المقبلة: 4 نساء في حياته.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.