لماذا لا يزالُ العالم يَثِقُ بالذهب؟

رغم العملات الرقمية والتطوّر المالي الهائل، لا يزال الذهب يحتفظ بمكانته كأكثر الأصول أمانًا في أوقات الأزمات. فما سرّ الثقة العالمية المستمرة بالمعدن الأصفر؟

الرئيس ريتشارد نيكسون: قراره عام 1971 أنهى عصر الذهب وفتح باب العملات العائمة.

بول بوست*

في أزمنة الاضطراب وعدم اليقين، يميلُ المستثمرون عادةً إلى البحث عن ملاذاتٍ آمنة تحمي أموالهم من تقلبات الأسواق والعواصف الاقتصادية. ومع تصاعد الحروب، واتساع رقعة التوترات الجيوسياسية، وتزايد المخاوف من ركود عالمي أو أزمات مالية جديدة، عاد الحديث بقوة عن ظاهرة “الهروب إلى الملاذ الآمن”، في وقتٍ يرى كثيرٌ من المحللين أنَّ الارتفاعات القياسية التي تسجّلها أسواق الأسهم العالمية قد لا تعكس متانة اقتصادية حقيقية بقدر ما تُنذر بفقاعة قابلة للانفجار في أيِّ لحظة.

وفي قلب هذه المعادلة، يواصل الدولار الأميركي الحفاظ على موقعه كأبرز ملاذ مالي عالمي، رُغمَ أنَّ الولايات المتحدة نفسها، خصوصًا في ظل السياسات التي اتبعها الرئيس دونالد ترامب، تُعَدُّ أحد أبرز مصادر الاضطراب وعدم اليقين في النظام الدولي الراهن. فالدولار لا يزال العملة الاحتياطية الأولى عالميًا، محافظًا على حضوره القوي في احتياطيات البنوك المركزية، فيما تجاوزت الودائع المقوَّمة بالدولار خارج الولايات المتحدة حاجز 14 تريليون دولار، بفارق شاسع عن أقرب منافسيه، اليورو، الذي تقل ودائعه الخارجية عن أربعة تريليونات دولار. ورُغمَ تصاعد الحديث في السنوات الأخيرة عن “نهاية هيمنة الدولار”، ومحاولات الصين تدويل اليوان وتحويله إلى عملة منافسة، إلّا أنَّ المؤشرات الفعلية لا تزال تؤكد استمرار النفوذ الأميركي النقدي على النظام المالي العالمي.

لكن الدولار لم يكن يومًا الملاذ الآمن الوحيد. فإلى جانبه، حافظ الذهب تاريخيًا على مكانته كإحدى أهم أدوات التحوُّط والأمان المالي، حتى بات يُعرف بـ”المعيار الذهبي” للثقة النقدية في أوقات الأزمات. ومع تصاعد التوترات العالمية خلال العام الماضي، عاد المعدن الأصفر إلى الواجهة مسجّلًا ارتفاعات قياسية جديدة تعكس حجم القلق الذي يسيطر على الأسواق والمستثمرين.

ولفهم هذا الصعود، لا بد من العودة إلى التحوُّل التاريخي الذي شهده النظام النقدي العالمي مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين أنهى الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ارتباط الدولار بالذهب، مُنهيًا بذلك نظام “بريتون وودز”. منذ ذلك الوقت، بدأ الذهب رحلة صعود طويلة، وإن بوتيرة أبطأ مما توقعه كثير من الاقتصاديين آنذاك. فبعد عقود بقي خلالها سعر الأونصة دون ألف دولار، تجاوز الذهب عتبة الألفية الجديدة بثبات، قبل أن يخترق للمرة الأولى مستوى ألفي دولار للأونصة عام 2020، ليواصل بعدها تسجيل مستويات غير مسبوقة مع كل موجة جديدة من التوترات الاقتصادية والسياسية العالمية.

وخلال السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة ارتفاع أسعار الذهب بصورة لافتة، عاكسةً حجم القلق الذي يخيّم على الاقتصاد العالمي. ففي منتصف عام 2025، تجاوز سعر الأونصة حاجز أربعة آلاف دولار، قبل أن يسجّل في كانون الثاني (يناير) الماضي مستوى قياسيًا تخطى 5500 دولار للأونصة. ورغم تراجعه لاحقًا إلى نحو 4700 دولار، فإنَّ كثيرين من المحللين لا يستبعدون مواصلة المعدن الأصفر صعوده ليتجاوز عتبة الستة آلاف دولار قبل نهاية العام، مدفوعًا باستمرار التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاوف من اضطرابات مالية أوسع.

ولا يقتصر الإقبال على الذهب على المستثمرين والأفراد فقط، بل يمتد أيضًا إلى البنوك المركزية حول العالم، التي واصلت خلال السنوات الأخيرة تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس بوتيرة غير مسبوقة. فرغم احتفاظ الدولار بموقعه كعملة مهيمنة على النظام المالي العالمي، فإنَّ الذهب عاد ليحتل موقعًا محوريًا في استراتيجيات التحوُّط النقدي للدول. وفي تطوّر لافت، شهد عام 2025 للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود تجاوز قيمة حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب قيمة ما تمتلكه من سندات الخزانة الأميركية، وهو تحوُّلٌ يعكس، إلى حدٍّ بعيد، الارتفاع الكبير في أسعار الذهب وتزايد الرغبة الدولية في تنويع الاحتياطيات بعيدًا من الأصول المقوَّمة بالدولار.

لماذا لم يفقد الذهب بريقه؟

هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي يمنح الذهب هذه المكانة الاستثنائية كملاذٍ آمن، ولماذا تتعزّز أهميته كلما ازدادت الأزمات العالمية تعقيدًا؟

تاريخيًا، ارتبط الذهب بفكرة الثروة والاستقرار النقدي، واستُخدِمَ عبر قرون طويلة بوصفه وسيلة للتبادل ومخزنًا للقيمة ووحدة للحساب، وهي الوظائف الأساسية التي تقوم عليها النقود التقليدية. ولهذا السبب، عندما بدأت الدول بإصدار العملات الورقية، ربطتها بما عُرف بـ”معيار الذهب”، بحيث تلتزم الحكومات بإصدار كميات من النقد تتناسب مع احتياطياتها الذهبية، مع ضمان إمكانية تحويل العملة الورقية إلى ذهب بسعر ثابت. وكان الهدف من هذا النظام فرض نوع من الانضباط على البنوك المركزية ومنعها من طباعة النقود بلا قيود، إضافة إلى توفير غطاء يحمي العملات من الانهيار في حال اندفاع المودعين لتحويل أموالهم إلى ذهب.

غير أنَّ هذا الالتزام لم يكن دائمًا صلبًا أو مستدامًا. فكثيرًا ما لجأت الحكومات إلى خفض قيمة عملاتها عبر طباعة كميات من النقود تفوق احتياطياتها الفعلية من الذهب، أو عبر تعديل سعر التحويل الرسمي، الأمر الذي أدى في مراحل مختلفة إلى موجات تضخم حادة وفقدان الثقة بالعملات الورقية، ودفع المستثمرين مجددًا نحو المعدن الأصفر باعتباره الملاذ الأكثر أمانًا.

ورُغم هذه المكانة التاريخية، يبقى الذهب أصلًا لا يدرّ عائدًا بحد ذاته، ولا يمتلك قيمة إنتاجية مباشرة. ففي عام 1776، رأى الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث، في كتابه الشهير “ثروة الأمم”، أنَّ القيمة الأساسية للذهب والفضة تنبع من جمالهما واستخدامهما في الزينة والتزيين. وبعد نحو قرن ونصف، وصف الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز معيار الذهب بأنه “بقايا همجية”، معتبرًا أنَّ العالم الحديث لم يعد بحاجة إلى ربط اقتصاده بمعدنٍ جامد. لكن المفارقة أنَّ الأزمات المتلاحقة التي شهدها العالم منذ ذلك الحين أعادت الذهب، مرة بعد أخرى، إلى الواجهة بوصفه رمزًا للثقة والأمان في عالمٍ يزداد اضطرابًا وعدم يقين.

حين حكم الذهب النظام النقدي العالمي

ومع ذلك، لم تتخلَّ الحكومات بسهولة عن الذهب بوصفه ركيزة للنظام النقدي العالمي. فبعد الاضطرابات الاقتصادية التي شهدها العالم في أعقاب الحرب العالمية الأولى، عاد العديد من الدول في أواخر عشرينيات القرن الماضي إلى اعتماد معيار الذهب، في محاولة لاستعادة الاستقرار والثقة بالعملات الوطنية. وبعد الحرب العالمية الثانية، عاد الذهب ليؤدي دورًا محوريًا، ولكن بصيغة مختلفة هذه المرة، من خلال نظام “بريتون وودز” الذي أسّس للنظام المالي العالمي الحديث.

وبموجب هذا النظام، أصبح الدولار الأميركي العملة الوحيدة القابلة للتحويل إلى الذهب بسعر ثابت، لكن على مستوى المعاملات بين الحكومات والبنوك المركزية فقط، فيما ارتبطت العملات الأخرى بالدولار ضمن هوامش محدودة لتقلبات أسعار الصرف. وقد منح ذلك الولايات المتحدة موقعًا استثنائيًا في قلب النظام النقدي الدولي، ورسّخ هيمنة الدولار لعقود طويلة.

إلّا أنَّ هذا النظام لم يصمد إلى الأبد. ففي عام 1971، اتخذ الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون قراره الشهير بإغلاق “نافذة الذهب”، مُعلنًا تعليق قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، قبل أن يتحوّل هذا التعليق المؤقت إلى نهاية فعلية لعصر الارتباط الرسمي بين العملات والمعدن النفيس. ومنذ ذلك الحين، دخل العالم مرحلة العملات الورقية الحرة وأسعار الصرف العائمة، التي لم تعد تستند إلى غطاء ذهبي مباشر، بل إلى الثقة بالاقتصادات والحكومات والبنوك المركزية.

لكن المفارقة أنَّ الذهب، رُغمَ خروجه رسميًا من قلب النظام النقدي، لم يفقد مكانته داخل خزائن البنوك المركزية. فحتى في عصر التحويلات الرقمية والخدمات المصرفية الإلكترونية والتعاملات المالية المعقدة العابرة للحدود، لا تزال الدول تحتفظ بكمياتٍ هائلة من المعدن الأصفر، الأمر الذي يثير تساؤلًا جوهريًا: لماذا يحتاج العالم الرقمي الحديث إلى الذهب حتى اليوم؟

بالنسبة إلى بعض البنوك المركزية، مثل بنك إنكلترا، يرتبط الأمر بالحفاظ على استقرار أسواق الذهب المحلية وضمان قدرتها على دعم عمليات التداول والتسوية. لكن الدوافع تتجاوز ذلك بكثير. فاستطلاعات الرأي التي أُجريت بين محافظي البنوك المركزية حول العالم تُظهر أنَّ الذهب لا يزال يُنظر إليه باعتباره أداة فعالة للتحوُّط ضد التضخم، ووسيلة مهمة لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار.

وفوق ذلك كله، يحتفظ الذهب بقيمته الرمزية والنفسية بوصفه “ملاذ الملاذات” في أوقات الأزمات الكبرى. ففي السيناريوهات القصوى، كالأزمات المالية العالمية الحادة أو الانهيارات التقنية الواسعة أو حتى انقطاع الأنظمة الإلكترونية، يبقى الذهب أصلًا ماديًا ملموسًا يمكن الاعتماد عليه عندما تتعطل الأنظمة المالية الحديثة. ولهذا السبب تحديدًا، لا تزال البنوك المركزية تنظر إلى المعدن الأصفر بوصفه خط الدفاع الأخير في عالم يزداد هشاشة واضطرابًا.

الملاذ الأخير في عالم هشّ

ولعلّ أفضل دليل على استمرار الأهمية الاستراتيجية للذهب يتمثل في حجم الاحتياطيات التي تحتفظ بها كبرى دول العالم. فالولايات المتحدة لا تزال تتصدر قائمة الدول المالكة للمعدن النفيس، بأكثر من ثمانية آلاف طن من الذهب، متقدمة بفارق واسع على كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا منفردة، رغم أنَّ مجموع احتياطيات هذه الدول الأوروبية الثلاث يتجاوز الاحتياطي الأميركي. وتأتي بعد ذلك روسيا والصين، اللتان تمتلك كل منهما أكثر من ألفي طن، في مؤشر يعكس الأهمية التي توليها القوى الكبرى لهذا الأصل التقليدي، حتى في عصر الاقتصاد الرقمي والعملات الإلكترونية.

والمفارقة اللافتة أنَّ الدول المُصدِّرة لأكثر العملات تداولًا في العالم هي نفسها من بين أكبر حائزي الذهب. فالولايات المتحدة، صاحبة الدولار، ما زالت تتمسّك بأكبر احتياطي ذهبي عالمي، في حين تواصل الصين وروسيا، الساعيتان إلى تقليص هيمنة الدولار على النظام المالي الدولي، تعزيز مخزوناتهما من المعدن الأصفر بوتيرة متزايدة. ويكشف ذلك أنَّ الذهب لم يفقد مكانته بوصفه عنصرًا أساسيًا في معادلة القوة الاقتصادية والسيادة النقدية، بل ربما ازدادت أهميته مع تصاعد التنافس الجيوسياسي وتنامي الشكوك بشأن استقرار النظام المالي العالمي.

في جوهر الأمر، لا يزال الذهب يحمل قيمة تتجاوز كونه مجرد معدن ثمين أو أصل استثماري. فهو يمثل، بالنسبة إلى الدول والبنوك المركزية والمستثمرين، رمزًا للثقة والاستقرار والهيبة المالية، ووسيلة تحوُّط أخيرة في مواجهة الأزمات الكبرى. صحيح أنَّ العالم تجاوز رسميًا عصر ربط العملات بالذهب، رغم استمرار بعض أنصار “المعيار الذهبي” في الاعتقاد بأنَّ الاقتصاد العالمي كان سيكون أكثر انضباطًا واستقرارًا لو بقي هذا النظام قائمًا، إلّا أنَّ المعدن الأصفر لم يخرج فعليًا من قلب النظام المالي العالمي.

فالذهب، حتى اليوم، لا يزال يؤدي وظيفة جوهرية بوصفه مخزنًا للقيمة في أوقات الاضطراب، وصمام أمان تلجأ إليه الدول عندما تهتز الثقة بالعملات والأسواق والمؤسسات المالية. وفي عالم تتزايد فيه احتمالات الأزمات والحروب والانقطاعات التقنية والمالية، يبدو أنَّ الذهب ما زال يحتفظ بدوره التاريخي كخط الدفاع الأخير عندما تصبح كل أشكال اليقين الأخرى موضع شك.

  • بول بوست هو أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، وزميل غير مقيم في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية.
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى