كي لا تَمُرَّ حافيةً مئويةُ “رمل وزَبَد”
هنري زغيب*
أَسترِقُ هنيهاتٍ بيضاءَ من هذا الزمَن الأَسْوَد، وأَفتحُ نافذةً نقيةً أَخرُج إِليها من هذا الاختناق.
في مثْل هذا اليوم: الجمعة 10 نيسان/أبريل، قبل 95 سنة، خرجَ النفَسُ الأَخيرُ من صدْر جبران، الساعة 10:55 ليلةَ الجمعة 10 نيسان/أبريل 1931، على سرير الغرفة 303 في الطابق الثالث من مستشفى سانت ڤِنْسِنْتْ – مانهاتن، نيويورك.
وفي مثْل هذه السنة: 2016، قبل 100 سنة، صدَرَ الكتاب الأَقلُّ رواجًا بين مؤَلَّفات جبران الإِنكليزية: “رمْل وزَبَد”. وكي لا تمرَّ المئويةُ حافيةً بدون احتفاء، في هذا الزمن اللبنانيّ الأَسوَد الْلا مَكان فيه إِلَّا لنَعْيِ الشهداء والضحايا، ترجمتُ الكتاب في لغة معاصرة، ليَصدُر قريبًا في منشورات “أَكاديمْيا فيليب سالم للتراث اللبناني” (LAU). ذاك أَنَّ مُترجمَهُ الأَول الأَرشمندريت (عهدئذٍ ثم متروبوليت أَميركا الشمالية) أَنطونيوس بشير (دُوما 1898-بوسطن 1966) وضَعَهُ في عربيَّةِ تلك الحقْبة. واللغة، كأَيِّ كائنٍ حيٍّ، تهرَم مع الوقت. وترجمةُ بشير قبل 100 سنة (القاهرة 1927) صالحةٌ وجيِّدة، إِنما تجديدُها يتَوجَّه إِلى جيل اليوم في لُغة اليوم.
من ظواهر هذا الكتابِ الخلفيةِ حول ظُروف تأْليفه وصدُوره، وُرُودُ صيغتَيْن مختلفَتَيْن من أَقرب امرأَتَيْن إِلى جبران سيرةً ومسيرة: ماري هاسكل (1873-1964) وباربرة يونغ (1878-1961). كيف ذلك؟
عن ماري هاسكل في دفتر يومياتها: “من عادة جبران أَنْ يُدَوِّنَ على قصاصاتِ أَوراقٍ أَفكارًا تخطُر له (السبت 17 نيسان/أبريل 1920). وهو قال لي: “تجَمَّعَ لديَّ عددٌ كبيرٌ من أَقوالٍ وخواطر، أَحفظُها لكِ لأُصدِرَها ذاتَ يومٍ في كتاب أُهديه إِليكِ” (…) “نسَخْنا عددًا من تلك الأَقوال الْكان جبران دَوَّنها في دفتره بالإِنكليزية، وأَقوالًا أُخرى بالعربية كان دوَّنها على قُصاصات ورق” (الثلثاء 31 آب/أغسطس 1920). وذات جلسةٍ سنة 1923، كانا خلالها يراجعان الفصول الأَخيرة من كتاب “النبي”، ورَدَتْ فكرةُ تنسيق نحو 500 من تلك الأَقوال المتفرِّقة، وجمْعها في كتاب مستقلّ، اقترحَت ماري عنوانَه: “درب الأَيام السبعة”. وعن لقائهما في محترفه بعد ظهر الأَربعاء 21 أَيار/مايو 1924 كتبَتْ في دفتر يومياتها: “كان لقاؤُنا ساحرًا. أَخبَرَني عن كتابٍ له جديدٍ يُعدُّه للنشر، يضمُّ خواطرَ قصيرةً قرأَ لي منها مقطوعةً صغيرةً جميلةً سيَجعلُها فاتحة الكتاب، جاء فيها أَنَّ شاطئَ البحر الأَعظم هو من الرَمل، وأَنَّ خواطره هذه ليست سوى بضْعِ حبَّاتٍ رمليةٍ وحفْنةِ فُقاعاتٍ من ذاك الزبَد”.
بينما باربرة يونغ في كتابها عنه “هذا الرجل من لبنان” (نيويورك 1945) ذكرَتْ أَنها هي التي جمعَتْ تلك التدوينات المتفرِّقة، ورتَّبَتْها ونَقَلَتْها إِلى آلتها الكاتبة (الدكتيلو)، وهيَّأَتْها للنشْر: “عرضْتُ عليه فكرةَ جمْع تلك الكتابات المتناثرة. هَزِئَ في البدء وقال: “فيها الكثيرُ من الرَمل والزبَد”. التقطْتُ عبارتَه هذه، واقترحتُ عليه أَن يكون “رملٌ وزَبَد” عنوانَ الكتاب. لَفَتَهُ الأَمر، وراح من يومها يعطيني بطاقةَ دعوةٍ إِلى أُمسيةٍ مسرحيةٍ أَو موسيقية، قصاصةً ورقيةً، قطعةً كرتونيةً من علْبة سكائر، غلافًا مطويًّا… وعلى كلٍّ منها عباراتٌ بِـخطِّه، ويقول لي: “إِنكِ تَجمَعين خطراتٍ من رملٍ وزبَد”. وراح تباعًا يستَمتعُ بفكرة الكتاب، فيَنسجُ بتأَنٍّ عباراتٍ، بعضُها من أَجمل ما قال أَو كتَب، هي التي شكَّلت لاحقًا كتاب “رمل وزبَد”.
إِذًا: أَيُّ المرأَتَيْن لها فضْلُ جمْع الخواطر وضَمِّها في كتاب؟ أَيَّهما نصدِّق؟ أَيُّ سردٍ هو الثابت في بعض هذا التناقُض؟
الثابت، من خلال تَضَلُّعي بسيرة جبران، إِدراكُهُ أَنَّ المرأَتَيْن تكتُبان بعضًا من خلوده: الأُولى في دفتر يومياتها، والأُخرى في ملازمتها إِياه ست سنوات في المحترف (1925-1931) وما تدوِّنُ عن أَفكاره وتصرُّفاته. لذا كان يُخبرهما بما يعرف أَنهما تُدَوِّنانِه، كأَنه يُملي عليهما “ماذا وكيف” يريد أَن تَكْتُبا عنه بعد غيابه. وهذه من عاداته الذكية كي يُؤَسْطرَ بيُوغرافياه. وها هو نجح في إِيحاءاته: فها سيرَتُه اليوم، بأَقلام مُعظم مُتَناوليها، مكتوبةٌ بـ”هاجيوغرافيا” أَسرارٍ وأَلْغازٍ وغَوامضَ لا أَقلَّ أَبدًا من هالة الأُسطُورة.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).



