شو يعني أَن نكون لبنانيين؟

هنري زغيب*

يوم الآلةُ العسكرية الإِسرائيلية دخلَت أَرضَ لبنان في ما سمَّتْه “عملية سلامة الجليل” (الإِثنين 7 حزيران/يونيو 1982)، وراحت تَبْطش في الجنوب قصفًا وتدميرًا، كان معها علماءُ آثارٍ اختصاصيون “بَطَشوا” بآثارٍ في صُوْر فحملوا معهم كنوزًا أَثرية نادرة عالميًّا في مدينتنا الفريدة الغالية. ويوم تكرَّر قصْفُ جنوبنا في مجزرة “عناقيد الغضب” (الخميس 18 نيسان/أبريل 1996)، كانت “قانا” ضحية القصف، وخفْنا على ما فيها من آثار نادرة عالَميًّا للأُعجوبة الأُولى اجترحَها فيها يسوع و”أَظهر أُلوهتَه فآمَنَ به تلاميذه” على ما روى يوحنا. وصدمَنا الخوف ذاتُه يوم مجزرة “قانا” الثانية (الأَحد 30 تموز/يوليو 2006) لِما تعني لنا تاريخيًّا ضدَّ زعْم إِسرائيل أَنَّ “كْفَركَنَّا” هي بلدةُ الأُعجوبةِ الجاذبةُ إِليها السياح.

وفي الحرب الحالية، منذ الشهر الماضي، نتابع قصف “قانا”، استباقيًّا أَو استلحاقيًّا، بآلة عسكرية إِسرائيلية لم تتوقف عن التوغُّل في جنوبنا حتى بيروت والبقاع وبقاع أُخرى في لبنان لم تسْلَم من صلف الهجوم اليومي. ولن أَدخل في تكرار المعلوم محليًّا وإِقليميًّا ودُوَليًّا عن السبَب والمسبِّب، قصفًا أَو رَدًّا على القصف. فالأَمر واضح ولا حاجة لتسميات تثير الغضب والقرف من هَول ما يحتمل لبنان منذ عقود.

محور كلامي هنا: خوفٌ على تراث تاريخي أَثَري فريد نادر في جنوبنا الغالي مُعرَّضٍ للقصف، عرَّضَنا لإِشاحة العالم عنا بسبب انقسامات لبنانيين متعدِّدي الولاء والانتماء والهوية.

شو يعني أَن نكون لبنانيين؟ يعني أَن نخاف على كل شبْر من جنوبنا فيه إِرثٌ تاريخيٌّ رهْنُ القصف والتدمير: “شمْع” وقلعتُها، صُوْر وكنوزُها، الشقيف وحصْنُه، ومواقع أُخرى ثمينةٌ تدميرُها يمحو تاريخًا لنا أَلْفيًّا يُشكِّلُ عنوانَنا الحضاري التاريخي في العالم، وإِرثًا فريدًا هو الذي يميِّزُنا عالَميًّا، هو، لا السياسة ولا العقائد ولا الأَحزاب ولا المذاهب ولا الطوائف، فجميعها موجودة في أَيِّ بلَد.

نَعم: هذا الإِرث يميِّزُنا. شو يعني لبنان بدون صور وصيدا وقانا وسائر جبل عامل بفلذات النبطية وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا وسائر أَراضي الجنوب؟

شو يعني أَن نكون لبنانيين إِنْ لم نعتبر صُوْر مدينتَنا جميعًا، وما يمسُّها يمسُّ كلَّ شبْر من أَرض لبنان؟ في سِجِلّ سفيرة الأُونسكو للنوايا الحسنة/رئيسة “الجمعية الدولية للحفاظ على آثار صور” الدكتورة مها الخليل الشلبي، تاريخٌ طويل مُشَرِّف من النداءَات والرسائل والأَنشطة والمؤْتمرات والمتابعات لتحييد صُوْر عن النزاعات وأَسبابها ومسبِّبيها، فلا تستبيحُ آثارَها جهاتٌ محلية أَو عدوَّة. وفي مطلع هذا الشهر اجتمعَت “لجنة حماية الممتلكات الثقافية” في الأُونسكو، واستنادًا إِلى اتفاقية لاهاي (1954) وبروتوكولها الثاني (1999)، استصدَرَت حماية 39 موقعًا أَثريًّا وتراثيًا وثقافيًّا تُضاف إِلى 34 موقعًا نالت الحماية سنة 2024. وها لنا اليوم 73 موقعًا لبنانيًّا مسجَّلًا، في طليعتِها صُوْر، صُوْرُنا الغالية، صُوْر التاريخ الجليّ، وكلُّ موقع أَثريّ نادر آخَر يتفرَّد به لبنان.

شو يعني أَن نكون لبنانيين؟ يعني أَن نكون صوتًا واحدًا وانتماءً واحدًا وهويةً لبنانية واحدة، فنُواجه تفتيتًا يتغلغل في صفوفنا أَبْعَدَ عنَّا العالَم وهو يعاين في شعبنا مَنْ وَلاؤُهم لغَير لبنان. فكيف يساعدنا العالم وفي شعبنا مَن يحملون الهوية اللبنانية وينتمُون إِلى هويات أُخرى؟

شو يعني أَن نكون لبنانيين؟ يعني أَن نكون شعبًا واحدًا لا مجموعةَ “شعوب” متباينة متباعدة. فلْنتماسكْ إِذ نرى بعضَ جنوبنا يَفْرغ من أَهله. ولْنتَّحدْ بالرؤْية أَكثر كي لا يتوسع الإِفراغُ المجرمُ بين قصفٍ وَرَدٍّ على القصف. ولْنَكُفَّ عن اعتناق إِيديولوجياتٍ غريبةٍ عنَّا فيما بلدُنا يتسرَّب منَّا ونحن نتصايح من أَجل السوى في كُفْرٍ انتمائي صفيق.

شو يعني أَن نكون لبنانيين؟ يعني أَن نستحقَّ إِرثَ لبنان الوطن، ونتماسكَ في دعم لبنان الدولة التي وحدَها تَحمينا، وحدَها بسُلْطةٍ لا يكون بين أَعضائها مَنْ يَدينون بالهوية والولاء والانتماء لغير لبنان اللبناني.

عندئذ نتوحَّد جميعُنا فنستاهل أَن نكون لبنانيين.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى