الطاقة، السيادة، وأفريقيا: هل يُؤسِّس تحالُفٌ مغربي–صيني لنموذجٍ اقتصادي جديد؟
تتحوَّل الطاقة في أفريقيا من تحدٍّ مُزمن إلى فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل الاقتصاد والتنمية. وفي هذا السياق، يبرز تحالف مغربي–صيني كنموذجٍ جديد يسعى إلى بناء منظومة طاقة متكاملة تتجاوز حدود المشاريع التقليدية.

محمد سليم*
في قارةٍ لا تزال تُعاني فجوةً طاقوية هي الأكبر عالميًا، حيث يعيش مئات الملايين من دون كهرباء مستقرة، لم تَعُد الطاقة مجرّد ملفٍّ تنموي، بل تحوّلت إلى رهانٍ سيادي يُحدّدُ موقع الدول في الاقتصاد العالمي الجديد. ومع تسارع التحوُّل نحو الطاقات النظيفة، تبرز أفريقيا كساحةٍ لإعادة رسم قواعد اللعبة، حيث لا يكفي التمويل وحده، ولا التكنولوجيا وحدها، بل يُصبحُ التكامُل بينهما شرطًا للنجاح. وفي هذا السياق، يلفت تحالف مجموعة “ماريتا” المغربية وشركة “غوشن هاي-تيك” الصينية الانتباه، بوصفه نموذجًا مختلفًا يسعى إلى بناء منظومة طاقة متكاملة في القارة السمراء.
و”ماريتا” (Marita)، التي يرأسها رجل الأعمال المعروف رحّال بلكوط، هي مجموعة مغربية تأسست في الرباط عام 1994، ونجحت خلال ثلاثة عقود في بناء حضورٍ متنوّع يشمل قطاعات التعدين والطاقة والعقار والأمن السيبراني والزراعة المستدامة، مع شبكة عمليات تمتد عبر أربع قارات. غير أنَّ القيمة الحقيقية التي راكمتها المجموعة تكمن في علاقاتها العميقة مع الحكومات الأفريقية، وخبرتها في تنفيذ المشاريع في بيئاتٍ معقدة، ما منحها موقعًا كشريكٍ محلي يتمتع بالثقة والقدرة على النفاذ إلى الأسواق.
في المقابل، تُصنَّف “غوشن هاي-تيك” (Gotion High-Tech) ضمن أبرز الشركات العالمية في تكنولوجيا البطاريات وأنظمة تخزين الطاقة، وهي مدرجة ضمن الفئة الأولى (Tier 1) وفق تصنيف “بلومبيرغ” ( BloombergNEF)، ما يعكس مستوى عالٍ من الابتكار والموثوقية. وتُطوِّرُ الشركة بطاريات الليثيوم من الجيل الجديد، إضافةً إلى حلولٍ متقدّمة لتخزين الطاقة، وتملك قاعدة صناعية قوية تشمل مصنعًا في القنيطرة المغربية بقدرة إنتاجية تصل إلى 20 غيغاواط/ساعة سنويًا، ما يجعلها من بين قلة من الشركات القادرة على نشر سلسلة قيمة متكاملة في أفريقيا.
من هذا التقاطع بين الخبرة المحلية والتفوُّق التكنولوجي، وُلد تحالفٌ لا يقوم على تصدير التكنولوجيا، بل على توطينها، ولا يهدف إلى تنفيذ مشاريع منفصلة، بل إلى بناء منظومة متكاملة.
من نقل التكنولوجيا إلى إعادة تعريف الشراكة
ما يُميِّزُ هذا التحالف أنه يبتعد عن النموذج التقليدي الذي يقوم على علاقة “مستثمر–سوق”، حيث تُنقل التكنولوجيا من الخارج إلى الداخل. بدلًا من ذلك، يقوم على معادلة أكثر توازنًا: شريكٌ أفريقي يمتلك المعرفة بالسوق والقدرة على التنفيذ، وشريكٌ صناعي عالمي يمتلك التكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
هذه الصيغة تعكس تحوُّلًا أعمق في طبيعة الشراكات الاقتصادية، حيث لم تعد القيمة في امتلاك التكنولوجيا فقط، بل في القدرة على دمجها ضمن بيئة محلية معقدة. وفي هذا الإطار، لا تبيع “غوشن” منتجاتها فحسب، بل تنقل جُزءًا من إنتاجها إلى أفريقيا، بينما توفّر “ماريتا” ما لا يمكن شراؤه: الثقة، والعلاقات، والخبرة التشغيلية.
ست اتفاقيات… من النوايا إلى التنفيذ
في بيئةٍ دولية تعجّ بمذكّرات تفاهم لا تتجاوز الإطار النظري، يبرز توقيع ست اتفاقيات متزامنة بين الطرفين كإشارةٍ قوية إلى جدّية المشروع. هذه الاتفاقيات تُغطّي مشاريع متعددة تشمل تخزين الطاقة في أوروبا، وتطوير محطات شمسية في أفريقيا، وإزالة الكربون من القطاع الصناعي، إلى جانب النقل الكهربائي والاقتصاد الدائري.
الأهمية هنا لا تكمن في عدد المشاريع، بل في طابعها التنفيذي، حيث تشكّل هذه الاتفاقيات خارطة طريق واضحة، ما يمنح التحالف مصداقية لدى المؤسسات التمويلية، وفي مقدمتها البنك الأفريقي للتنمية، الذي أبدى دعمًا مبدئيًا للمبادرة.
أوروبا كمختبر… وأفريقيا كسوق استراتيجية
اختيار أوروبا، وتحديدًا إيطاليا، كنقطة انطلاق يعكس فهمًا دقيقًا لمنطق الاستثمار. فمشروع تخزين الطاقة في “ترييستي” لا يهدف فقط إلى إنتاج الكهرباء، بل إلى إثبات الجدوى الاقتصادية والتقنية للنموذج، بما يجعله قابلًا للتكرار في الأسواق الأفريقية.
بمعنى آخر، أوروبا تمثل منصة اختبار، بينما تبقى أفريقيا الهدف الحقيقي.
في أفريقيا، حيث يفتقر أكثر من 600 مليون شخص إلى الكهرباء، يشهد قطاع الطاقة الشمسية نموًا متسارعًا، إذ بلغت القدرة المركبة نحو 19.2 غيغاواط، مع قفزة كبيرة في قدرات التخزين مدفوعة بانخفاض تكاليف البطاريات. هذا التحوّل يفتح المجال أمام مشاريع متكاملة تجمع بين الإنتاج والتخزين، بدلًا من الاعتماد على حلول جزئية.
من الطاقة إلى إعادة تشكيل الاقتصاد
التحالف لا يُقدّم نفسه كمزوّد للطاقة فقط، بل كفاعلٍ اقتصادي يسعى إلى إعادة بناء سلاسل القيمة. فمشاريع مثل “تحويل البلاستيك إلى وقود”، أو تطوير مزارع زراعية تعمل بالطاقة الشمسية، أو إدخال شاحنات كهربائية بعيدة المدى، تعكس رؤية تتجاوز قطاع الطاقة نحو الاقتصاد الدائري.
في هذا السياق، تصبح الطاقة أداة:
- لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري
- وخفض تكاليف الإنتاج
- وتعزيز القيمة المضافة المحلية
وهو ما يمنح المشروع بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز إنتاج الكهرباء إلى إعادة هيكلة الاقتصاد.
أفريقيا بين الفرصة والتحدي
رُغمَ قوة هذا النموذج، تبقى تحديات التنفيذ قائمة، من التمويل إلى البنية التحتية، وصولًا إلى تعقيدات البيئة التنظيمية. غير أنَّ ما يمنح هذا التحالف أفضلية نسبية هو تلاقي عناصر نادرًا ما تجتمع: تكنولوجيا متقدمة، شريك محلي متجذّر، وإشارات دعم مؤسساتي.
وفي قارةٍ تحتاجُ إلى استثمارات سنوية تُقدّر بأكثر من 25 مليار دولار لتحقيق الاكتفاء الطاقوي، لا يكمن التحدي فقط في حجم التمويل، بل في طبيعة النموذج المعتمد.
نحو نموذج أفريقي جديد؟
في المحصّلة، لا يقدّم تحالف “ماريتا–غوشن” مجرد مشاريع، بل يطرح تصوُّرًا مختلفًا للتنمية، يقوم على التكامل بدل التبعية، وعلى توطين القيمة بدل استيرادها. وهو نموذج، إذا نجح، قد يعيد تعريف موقع أفريقيا في التحوُّل الطاقوي العالمي.
ففي عالمٍ لم تعد فيه الطاقة مجرّد سلعة، بل عنصرًا في معادلة السيادة، يصبح السؤال ليس كيف تحصل أفريقيا على الكهرباء، بل كيف تُنتجها—وبأيِّ شروط.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية هذا التحالف: ليس لأنه يوفّر الطاقة، بل لأنه قد يغيّر قواعد إنتاجها—ويُعيدُ رسم موقع أفريقيا في معادلة الطاقة العالمية.
- محمد سليم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.