“كان لبنانُ إِذا كان الجنوبُ”
هنري زغيب*
في مهرجان الذكرى الأُولى (قصر الأُونسكو 1974) لغياب المحامي والأَديب أَنطُون قازان، كانت قصيدةُ سعيد عقل عروسَ المهرجان، تَقَطَّرَ منها حبُّهُ لبنانَ وما فيه من قيَمٍ وكنوز حضارية. ومنها قَولُه:
الجنوبُ؟ اشمَخْ به رأْسًا، رضًى
كان لبنانُ إِذا كان الجنوبُ…
وها نحن اليوم، بعد 52 سنة على تلك القصيدة، نجدُنا في الحالة ذاتها: “كان لبنانُ إِذا كان الجنوبُ”. وفيما ينهش الوحشُ جنوبَنا قريةً بعد قرية، وواحةً بعد واحة، وتتعالى صرخاتُ الفاجعة من كل صَوب عن ضياع الجنوب وانفصاله عن لبنان وتَقَطُّع شرايين الاتصال به والوصول إِليه، نتمثَّل بأَهله الرائعين المتمسكين بأَرضهم أَكثر: مَن بقي منهم هناك، ومَن ترك قسرًا وينهض كلَّ صباح بعزمٍ أَكبر للعودة مهما تمطَّى زمنُ الانتظارِ واحتمالِ الغُربة في قلب الوطن عن أَطراف الوطن.
طبعًا نتمثَّل بهم، هؤُلاء الغالين على كلِّ لبناني ينبض في وعيه إِيمانُه بلبنان اللبناني. وأَقول “لبنان اللبناني” هذه المرة أَكثر وأَعمق من ترداديها قبلًا، لأَن الدواءَ الوحيدَ الشافي اليوم والمناعيَّ الأَكيد هو التشبُّثُ بالانتماء والهوية أَكثر وأَعمق. وها نحن نتابعهم، أَهلَنا الجنوبيين الواقفين تحت مطر الانتظار، يصرخون لا إِلَّا إِلى دولة لبنان وجيش لبنان وحماية أَذرُع لبنان، بعدما الكُفْرُ بها أَدى إِلى مأْساة كارثية لم يعرفها شعبنا الجنوبي من قبْل بهذا الحجم وبهذه القسْوَة الوجودية الخطيرة. جميعُهم كفَروا بها؟ مش صحيح. يقيني أَنَّهم، في غالبيتهم، أَيقنوا كم كلَّفَهم الانتماءُ إِلى ولاءات أُخرى وإِيديولوجيات أُخرى، وإِلى انتماءات هجينة أَفقدَتْهم وأَفقدَتْنا رئةً رئيسةً من نبْض لبنان، نهلع إِن تجاسرنا على التفكير ولو لبرهةٍ أَنها انفصَلَت عنا.
لو انفصلَت عنا؟؟؟ لو انفصلَ عنا الجنوب؟؟؟ شو يعني لبنان من دون صور وصيدا وقانا؟ شو يعني لبنان من دون جبل عامل؟ شو يعني لبنان من دون علْما الشعب وبنت جبيل وعين إِبل ورميش والنبطية والخيام ومرجعيون وحاصبيا والليطاني؟ شو يعني لبنان من دون كلِّ شبرٍ من أَرض الجنوب وكلِّ طفل من أَهلنا الجنوبيين؟
يا سيِّد، يااااااا سيِّد: نحن اليوم في الجمعة العظيمة، ونرنو إِليك وأَنتَ على الصليب، فهل تعرف وطنًا مصلوبًا مثلَك كما لبنان؟
صلَبوك يومًا يا سيِّد، وها هُم يَصلُبوننا كلَّ يوم.
حمَّلوكَ جلجلةً واحدةً، يا سيِّد، وفي جنوبِنا اللبنانيِّ الحبيبِ كلُّ قريةٍ جلجلةٌ. وأَنت تعرفُه، جنوبَنا، وأَنتَ مشيتَ على أَرضه وباركْتَها، فلا تدَعْها عرضةً لمن يدنِّسُونها من جديد.
لن يعودَ لبنان إِلى لبنان حتى يعودَ إِلينا الجنوب. لن نعيش برئةٍ واحدة، ولا بشرايينَ يسري فيها دمٌ غيرُ لبناني، بل بدمٍ صافٍ في كلِّ جنوبيٍّ وكلِّ لبنانيّ.
الجدَلُ واللغْوُ في السبَب والمسبِّب؟ مش وقتو اليوم. الوقت، كلُّ الوقت، للالتفاف السريع الفوريّ حول انتمائنا اللبناني دون سواه، وهويتنا اللبنانية دون سواها، والإِيمان بعقيدتِنا الوحيدة “لبنان اللبناني” دون سواها، والتمسُّكِ بجيشنا اللبناني دون سواه، ورفْضِنا تدنيسَ أَيِّ حبةِ ترابٍ من أَرض جنوبنا وأَرض لبنان، وتنقيةِ شعبنا من اليوضاسيين والبيلاطسيين والپيتانيين وتجَّار الهيكل والفريسيين والمؤْمنين بغير لبنان، عساهم فهِموا أَنَّ كلَّ ذراعٍ من خارج لبنان تتخلَّى عنهم لمصالحها، وترتدُّ عليهم وعلينا وتستجلبُ إِلى أَرضنا وشعبنا وُحُوشَ العدوِّ التاريخيّ.
غدًا “سبت النور” يا سيِّد، ولا جديرَ كلُبنان بشقِّ النور من كثافة هذا الظلام الهائل الذي انْجَرَّ لبنانُ إِليه.
وبعد غدٍ يتدَحرج الحجر عن قبركَ وتكونُ قيامتُك. ولا جديرَ كلُبنان بدَحرجة الحجر عن قلْب كلِّ جنوبيّ وكل لبنانيّ، كي يصلَ لبنانُ إِلى يومه الثالث، ويعي يوضاسُ فداحةَ خيانته وما سبَّبَتْ لشعبنا، فيهرعَ إِلى أَول تينة يابسة ويلفُّ الحبل حول عنقه ويتدلَّى فوق خارطة جنوبنا، إِلى أَن تُشرقَ شمسُ اليوم الثالث، وجنوبُنا عاد إِلينا، وعاد لبنانُ إِلى لبنان نقيًّا من أَحصنة طروادة، قويًّا في إِيمان شعبه بما سوى لبنان اللبناني، كلِّ لبنان، لا شبرَ ناقصًا ولا مُدَنَّسًا ولا منتميًا إِلى هويةٍ أُخرى، لنَنْعمَ بلبناننا كاملَ الانتماء إِلى دمٍ واحد وهويةٍ واحدة وجنوبٍ حُر، فتصدقَ قولةُ سعيد عقل قبل نصف قرن: “كان لبنانُ إِذا كان الجنوبُ”.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).



