تحالفٌ مغربي–صيني يُعيدُ رَسمَ خريطة الطاقة في أفريقيا
الرباط — في خطوةٍ تعكسُ تحوُّلاتٍ عميقة في سوق الطاقة العالمية، وقّعت “مجموعة ماريتا” (Marita Group) المغربية، التي يرأسها رجل الأعمال المغربي المعروف رحّال بولكوط، وشركة “سيمونا تِك هولدنغ” (Sinoma Tech Holding) الصينية، التي يرأسها ستيفان لي، مذكرة تفاهم استراتيجية لتطوير مشاريع الطاقة المتجدّدة في المغرب وعدد من الدول الإفريقية، وفق ما أكدته مصادر مطلعة على الاتفاق الذي تمَّ بشكلٍ غير مُعلَن رسميًا. وتأتي هذه الخطوة في سياقِ سباقٍ دولي متسارع للتموضع داخل سوق الطاقة النظيفة في أفريقيا، حيث لم تَعُد المشاريع مجرّد استثمارات، بل أدوات نفوذ اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد.
مَن هما الشريكان؟
تمثل “مجموعة ماريتا” واحدة من التكتلات الاقتصادية المغربية الكبرى الصاعدة، إذ تعتمد نموذجًا متنوّعًا يجمع بين الصناعة والعقار والتكنولوجيا والطاقة، مع توجُّهٍ واضح نحو تعزيز حضورها في القارة الأفريقية. وتشير معطياتها إلى انتشارها عبر قاراتٍ عدة واستثمارها المُكثَّف في قطاعات المستقبل، وعلى رأسها الطاقة الخضراء والتنقل الكهربائي، في إطار استراتيجية تقوم على التكامل بين الإنتاج والتوزيع والتمويل.
في المقابل، تُعَدُّ “سيمونا تِك هولدنغ” لاعبًا دوليًا متخصّصًا في حلول التحوُّل الطاقي، تتوزّع مراكزها القيادية بين الولايات المتحدة والصين، وتدير شبكة تصنيع تمتد إلى المغرب والسعودية وبنما، إضافةً إلى حضور إقليمي في أفريقيا وأوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. وتقوم الشركة على نموذج “نحو الطاقة الخضراء والتحوّل الرقمي” (Go Green, Go Digital)، حيث تمزج بين إنتاج الطاقة الشمسية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، عبر منصات متقدمة لإدارة الطاقة مثل نظام “USmart”، الذي يتيح مراقبة الاستهلاك وتحسين الكفاءة بشكلٍ لحظي.
هذا التلاقي بين خبرةٍ ميدانية مغربية وشبكة علاقاتٍ أفريقية من جهة، وقدرات صناعية وتكنولوجية صينية–أميركية من جهة أخرى، يمنح الشراكة بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرّد تنفيذ المشاريع.
أفريقيا: سوق الطاقة المقبلة وميدان التنافس الدولي
يأتي هذا التحالف في وقتٍ تتجه الأنظار إلى القارة السمراء باعتبارها واحدة من أسرع أسواق الطاقة نموًا في العالم، نتيجة الطلب المتزايد على الكهرباء مقابل ضعف البنية التحتية في العديد من الدول. وتشير المعلومات إلى أنَّ الطرفين حدّدا بالفعل مجموعة من الدول الإفريقية كأهدافٍ أولية، من دون الكشف عنها، في إطار اتفاق يقوم على تنفيذ مشاريع بنماذج” EPC” و”EPCF”، التي تدمج بين البناء والتمويل لتسهيل دخول الأسواق ذات القدرات المالية المحدودة.
وتبرز هنا أهمية الحلول التي تُقدّمها “سيمونا تِك هولدنغ”، خصوصًا في مجال الطاقة خارج الشبكة (off-grid)، والتي تُظهر—بحسب وثائق الشركة—قدرة على تقليص تكلفة الطاقة إلى نحو ثلث تكلفة المولدات التقليدية، مع فترة استرداد استثمار قصيرة تتراوح بين عام وثلاثة أعوام. هذه المعادلة تجعل من الطاقة الشمسية خيارًا اقتصاديًا واستراتيجيًا للدول الأفريقية التي تبحث عن بدائل سريعة وفعّالة.
ما وراء الطاقة
لا يُمكنُ فصل هذه الشراكة عن السياق الأوسع للحضور الصيني المتنامي في أفريقيا، ولا عن طموح المغرب للتحوُّل إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة. فالتعاون بين “مجموعة ماريتا” و”سيمونا تِك هولدنغ” يندرج ضمن منظومة صناعية أوسع تشمل أيضًا شركاء في مجال تخزين الطاقة، ما يخلق سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من إنتاج الكهرباء الشمسية، مرورًا بتخزينها عبر البطاريات، وصولًا إلى إدارتها رقميًا.
هذا النموذج يعكس تحوُّلًا في طبيعة المنافسة الدولية، حيث لم يعد التفوُّق يُقاس بحجم الإنتاج فقط، بل بالقدرة على التحكم في كامل دورة الطاقة. بالنسبة إلى المغرب، يُشكّل ذلك فرصة لتعزيز موقعه كبوابة نحو أفريقيا، مستفيدًا من موقعه الجغرافي واستقراره السياسي واستثماراته في البنية التحتية. أما بالنسبة إلى الصين، فهو امتداد لاستراتيجية طويلة الأمد تقوم على ترسيخ حضورها في القطاعات الحيوية داخل القارة السمراء.
في المحصّلة، لا يتعلق هذا الاتفاق فقط بإطلاق مشاريع طاقة جديدة، بل بإعادة رسم موازين القوة في سوقٍ ناشئة تشهد تنافسًا متزايدًا. وبينما تتجه أفريقيا نحو مرحلةٍ حاسمة من التحوُّل الطاقي، تبدو مثل هذه التحالفات مرشحة لأن تلعب دورًا محوريًا في تحديد مَن سيقود هذا التحوّل، ومَن سيكتفي بدور المُتلقّي في معادلة الطاقة الجديدة.



