بوحُ فيروز بين قمر العلماء وقمر الشعراء
هنري زغيب*
شُكرًا قلبيًّا عميقًا للأَصدقاء الْكتبُوا أَو اتَّصلوا مرحِّبين بـ”النقطة على الحرف” الأَحد الماضي، معلِّقين على المقارنةِ الْعقدْتُها بين عشَرة أَيام الرحلة الفضائية “أَرتيميس” كي يصبحَ روَّادُها الأَربعة جيرانَ القمر، فيما لبنان، من دون رحلةِ أَيامٍ طويلة، أَعلنَ أَننا “نحنا والقمر جيران”، وبسائر ما أَبدعه عاصي ومنصور الرحباني عن القمر بصوت الخالدة الرائعة فيروز حتى جعلَا القمرَ صديقَنا أَو زميلَنا أَو بيننا من أَهل البيت، ما يتخطَّى تعقيداتِ العلْم ومعادلاتِه الجامدةَ وأَرقامَه الحياديةَ الجافَّةَ البعيدةَ حتى عن الخيال العلْمي.
في هذا السياق ذاته، وغداةَ هُبوط المركبة الفضائية في المحيط الهادئ، عقدَ الأَربعةُ الروَّاد مؤْتمرًا صِحافيًّا كَبْسَلَ فيه قائدُ الرحلة غريغوري ريد وايزمان انطباعاته قائلًا:”بعد سبعٍ وخمسين سنةً على رحلة أَبولُّو، ما زال العقلُ البشريُّ غيرَ مهيَّإٍ بعدُ لاستيعاب ما عاينَّاه. خلال عشَرة أَيامٍ جُلْنا حول القمر وتابعنا شروقَ الشمس وغروبَها. كنَّا مذهولين مما نرى، ولم نستوعبْ كلَّ ما عايشناه”.
نفهمُ ذلك، ونستوعب قولتَه عن محدودية العقل البشري حِيال أَعاجيب الكون والطبيعة أَرضًا وبحرًا وفضاءات. غير أَننا نستوعب الخيالَ الإِبداعيَّ اللامحدودَ المتعدِّدَ الأَجنحة، وتَفَوُّقَه على الخيال العلْمي المحدودِ الإِحاديِّ الجناح.
فها خيالُ الشعرِ اللامحدودُ يقول بِشعر عاصي ومنصور وصوت فيروز: “عمْيطْلَع القمر، والغيمْ البارد يطلَع، والنجمه صوبو تلْمع، عميقْطع وادي ورا وادي، وعلَّى راسو الشجر الراكع”. أَي كما علَّى الأَربعةُ الروَّادُ رؤُوسَهم اندهاشًا عند محاذاتهم القمر.
هذا الفرق بين العلْم والخيال يأْخذُني إِلى جبران، وأَنا أُترجمُ خواطرَه في “كتاب الرمل والزبَد” (يَصدر قريبًا في منشورات “أَكاديمْيا فيليب سالم للتراث اللبناني” لدى الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU). ففي الخاطرة رقم 31 كتَب جبران: “بين تَخَيُّلِ الإِنسانِ وإِنجازِه: مدًى لا يجتازُه سوى تَوْقِه”. وفي الخاطرة رقم 34 كتَب: “ما تقييمُ الإِنسان حيثُما بلَغ، بل حيثُما يتُوقُ أَن يبلُغ”. وفي الخاطرة رقم 196 كتَب: “عالِـمٌ من دون خيالٍ، جزَّارٌ سكِّينُهُ غيرُ مسنون، وميزانُه غيرُ متعادل”. وفي الخاطرة رقم 212 كتَب: “بين العالِم والشاعر فُسحةٌ خضراءُ: إِن عَبَرها العالِـمُ أَصبحَ حكيمًا، وإِن عبَرَها الشاعرُ أَصبح نبيًّا”.
هذا هو الفرقُ، في التعاطي مع القمر، بين العلْم والشعر، وبين العالِـم والشاعر. العلْم أَرقامٌ جامدة ومعادلاتٌ جافة. والشعر خيالٌ نابضٌ بالحياة. ها سعيد عقل يقول: “من روابينا القمَرْ، جاءَه، أَمْ لا، خبَرْ؟ جايلَتْهُ رندلى ودُمى الحُسْن الأُخَرْ. طالَما فاجأْنَهُ حافيًا فوق الزهَرْ. هُمَّ؟ ما هُمَّ، ومن غزْلنا يُكسى القمَرْ. والروابي نهضَت فوق تَجوال النظَرْ. يا تُرى العمْرُ قمَر”؟
الفرقُ بين العالِـم والشاعر، أَنَّ العالِـمَ مضبوطُ الرؤْية إِلى حقيقته العلْمية، والشاعرَ منْفلِتُ المدى إِلى فضاءَات التَخيُّل الحر اللامحدود، كما في القصيدة الرحبانية: “يا قمر أَنا واياكْ صحْبِه من زَغَرْنا حَبَّينا قمَرْنا وعشنا أَنا وايَّاك”.
العلْم يطوِّر العالَـم. الشعر يجمِّل العالَـم. العالِـمُ يَضْبطُ بالأَرقام والوقائع والوثائق. الشاعرُ يُطْلق الخيالَ بلا ضوابطَ فيجعلُ العالَم فضاءَ روحٍ أَرقى من الأَرقام، أَبقى من الوقائع، أَنقى من الوثائق. قمَرُ العلْم كوكبٌ جامد. قمَرُ الشعر فتًى وسيمٌ تُغازله الصبايا.
بين العلْم والشعر، كما بين العالِـم والشاعر، مسافةٌ يَراها كلٌّ منهما وَفْقَ نظرته إِلى القمر. مع فارقٍ جوهريٍّ: قمرُ العلماء صخورٌ وتضاريس، وقمرُ الشعراء نورٌ من السعادة في لقاءات العشاق. فَلْيَبْقَ قمرُ العلْم بعيدًا تَلْزمُ روَّادَ الفضاء أَيامٌ ليقتربوا من جيرته، وَلْيَبْقَ قمرُ الشعر قريبًا منَّا، مسافةَ بوحِ فيروز: “نحنا والقمَر جيران”.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib



