تَسييسُ الفائدة وتآكلُ الثقة: الاقتصادُ الأميركي أمامَ مُنعَطَفٍ حاسِم
البروفِسور بيار الخوري*
يتصاعد التوتر في الولايات المتحدة على خلفية خلافٍ عميق بين الإدارة الأميركية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) بشأن المسار الأمثل للسياسة النقدية، في لحظةٍ اقتصادية دقيقة تتقاطع فيها حسابات النمو مع هواجس التضخم. ففي حين يدفع فريق الرئيس دونالد ترامب نحو تسريع خفض أسعار الفائدة لتخفيف كلفة الدين وتنشيط الأسواق، يتمسّك رئيس المجلس جيروم بأول بنهجٍ حذر يوازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار.
هذا التبايُن لم يعد مجرّدَ اختلافٍ تقني في تقدير المؤشرات، بل تحوّل إلى اختبارٍ حقيقي لمبدَإِ استقلالية البنك المركزي، مع اتساع نطاق الضغوط السياسية وتزايد الجدل القانوني والإداري حول حدود التدخُّل الحكومي في قرارات السياسة النقدية، ما يضع العلاقة بين المؤسّستين في صلب معركةٍ مؤسّسية مفتوحة قد تُعيدُ رسم ملامح إدارة الاقتصاد الأميركي في المرحلة المقبلة.
وقد تفاقمت هذه الإشكالية مع تحذير جيروم باول أخيرًا من أنَّ المسارَ المالي الحالي للولايات المتحدة “غير مُستدام”، مُشدّدًا على أنَّ تفاقم الدين العام يمثّل تهديدًا هيكليًا طويل الأمد يتطلّب انضباطًا ماليًا لا تملكه السلطة النقدية وحدها. وينظرُ فريق الرئيس دونالد ترامب إلى هذه التصريحات باعتبارها تحميلًا ضمنيًا للإدارة مسؤولية العجز المالي، في وقتٍ يرى فيه ضرورة الإسراع بخفض الفائدة لدعم الميزانية وتخفيف تكاليف الاقتراض الحكومي.
وانتقل هذا التوتّر إلى مستوى خطير ببروز وقائع ميدانية في الأشهر الأخيرة تمثّلت في تأخيرٍ غير مُبرَّر لصدور تقارير اقتصادية حيوية، وسط اتهامات بمحاولات تحريف أو تجميل الأرقام لتتوافق مع الخطاب السياسي للإدارة، مما أدى إلى موجة من الاستقالات والإقالات لعددٍ من الخبراء التقنيين رفضوا تعديل المنهجيات الإحصائية، وهو سلوك يضرب كفاءة السوق في مقتل، ويجعل من “اليقين المعلوماتي” سلعة نادرة، حيث يفقد المستثمر ثقته في دقة الأرقام التي يبني عليها مراكزه المالية.
زاد من تعقيد المشهد تصريحات الرئيس الأميركي الأخيرة قبل جرس افتتاح التداولات، والتي ألمَحَت إلى نهاية وشيكة للحرب، ما أحدث ارتباكًا في الأسواق وأثار تساؤلات أخلاقية وقانونية حول مسألة “فجوة المعلومات”. فالتصريحات الاستباقية من هذا النوع قد تُتيح تحقيق أرباح ضخمة مبنية على معلومات ضمنية لا يملكها عموم المستثمرين، مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص ويحوّل السوق الأميركية من بيئة تنافسية كفؤة إلى بيئة قائمة على استغلال النفوذ المعلوماتي والسياسي.
ورُغمَ أنَّ تفضيل الدولار كـ”عملة ملاذ” في ظل الحروب والاضطرابات الجيوسياسية الحالية يحول دون هروبٍ فوري وكبير للرساميل، إلّا أنَّ هذا الوضع ليس دائمًا. فالتاريخ الاقتصادي يُشيرُ إلى أنَّ قوة الملاذات الآمنة لا يمكنها التغطية على غياب النزاهة المؤسسية وعدم الكفاءة لفترات طويلة، وبمجرد زوال الأزمات الخارجية، سيجد رأس المال العالمي نفسه مضطرًا للبحث عن أسواق أكثر شفافية واستقرارًا بعيدًا من تقلبات الأجندات السياسية الأميركية.
في المحصّلة، تؤدي هذه الممارسات مجتمعة إلى تآكل تدريجي لما يمكن تسميته “علاوة الثقة” التي لطالما منحت الاقتصاد الأميركي جاذبيته الاستثنائية. فالمكانة الدولية للدولار، رُغم قوتها، ليست حصانة مطلقة ضد سوء الإدارة، وإذا استمرَّ نهجُ تسييس الإحصاءات والضغط القانوني على صنّاع القرار النقدي واستخدام التسريبات السياسية للتأثير في حركة التداول، فإنَّ السوق الأميركية ستفقد بريقها كوجهةٍ آمنة، مما يمهّد الطريق لنمو ملاذات عالمية جديدة تراهن على انعدام اليقين في النموذج الأميركي الحالي.
- البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.



