مهمة للجيش اللبناني: استعادةُ الجنوب قبلَ أن يُفرَضَ واقِعٌ جديد
يقف الجيش اللبناني أمام اختبارٍ حاسم في جنوب البلاد، حيث لم يعد الحذر كافيًا في ظل تحوّلات ميدانية متسارعة. بين ضغط الحرب وحسابات الداخل، تبرز مهمة معقّدة عنوانها تثبيت حضور الدولة ومنع انزلاق المنطقة إلى واقعٍ خارج السيطرة.

مايكل يونغ*
تزايدت خلال الأشهر الماضية الانتقادات الموجّهة إلى الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني، متهمةً إياهما بالتباطؤ في معالجة ملف سلاح “حزب الله”. غير أنَّ المعطيات التي تكشّفت تباعًا تشير إلى واقعٍ أكثر تعقيدًا مما بدا في البداية؛ إذ تبيّن أنَّ الحزب يمتلك ترسانة أوسع وموارد أكثر استدامة، مدعومة باستمرار تدفّق التمويل من إيران، ما سمح له بالحفاظ على جاهزية مقاتليه وقدرته التنظيمية. وفي هذا السياق، كان أيُّ تحرّك عسكري مباشر لنزع سلاحه مُرشَّحًا لمواجهة مقاومة شديدة، قد تتسع اجتماعيًا في حال انخراط البيئة الحاضنة، بما يجعل كلفته مرتفعة إلى حدّ يصعب احتواؤه.
ومع تقدّم العمليات الإسرائيلية شمالًا باتجاه نهر الليطاني، تتجه الأنظار إلى المرحلة التالية، حيث يُرجَّح أن يُعيدَ الحزبُ تموضعه في المنطقة الممتدة بين نهرَي الليطاني والأوَّلي عند المدخل الجنوبي لمدينة صيدا. في هذه اللحظة الحساسة، يواجه الجيش اللبناني اختبارًا دقيقًا؛ فسياسة تجنّب الاحتكاك المباشر، التي كانت مفهومة في مراحل سابقة، قد لا تبقى خيارًا كافيًا. ويُطرَح هنا دور قيادة الجيش، ولا سيما العماد رودولف هيكل، بين الحذر المشروع وضرورة المبادرة الاستباقية لضبط هذه المنطقة، عبر إجراءات ميدانية قد تعزّز الاستقرار من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
في موازاة ذلك، يعتقد بعض الديبلوماسيين العرب أنَّ الحرب في لبنان ستستمر شهرين آخرين، أي شهرًا أطول من الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران. ويجادلون أيضًا بأنه خلال هذه الفترة، سيستنزف “حزب الله” تدريجًا مخزونه من الأسلحة، الذي لا يستطيع الحزب تعويضه بشكلٍ كافٍ نظرًا لانخفاض خط إمداده عبر سوريا بشكل كبير. إذا كان هذا التقييم صحيحًا، فسنجد أنَّ الهدف الرئيس ل”حزب الله” في هذه الحرب هو كسب الوقت لإيران لتحقيق نتيجة مرضية لنفسه.
لماذا يتجنّب الجيش المواجهة؟
ليس سرًّا أن خلافًا برز بين قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل ورئيس الحكومة نواف سلام، عقب قرار حكومي اتُّخذ قبل نحو شهر يقضي باعتبار الأنشطة العسكرية والأمنية ل”حزب الله” غير قانونية. ووفق ما يُتداول، أبلغ هيكل رئيس الجمهورية جوزيف عون بوضوح أنه لا يمتلك الوسائل اللازمة لتنفيذ هذا القرار، مشيرًا إلى أسبابٍ عملية، من بينها تدني رواتب العسكريين وعدم قدرة الدولة على تأمين الدعم الكافي لعائلات القتلى. إلّا أنَّ السبب الأكثر وضوحًا يبقى في ميزان القوى نفسه، إذ يدرك الجيش أنَّ أيَّ محاولة لمواجهة الحزب عسكريًا لن تكون قابلة للحسم، بل قد تفضي إلى أضرار جسيمة تلحق بالمؤسسة العسكرية.
وقد تعرّض هيكل لانتقادات حادة من قبل ما يُعرف بـ”الجنرالات النظريين” الذين يتنقلون بين بيروت وواشنطن، حيث دعا بعضهم إلى إقالته وتعيين قائدٍ أكثر حزمًا. وذهب آخرون إلى حد القول إنه يتجنّب إغضاب “حزب الله” تحسّبًا لاحتمال تحوّله إلى مرشح رئاسي خلال خمس سنوات، فيما رأى فريق ثالث أنه يعكس موقف مؤسسة تقيم علاقات ملتبسة مع الحزب. غير أنَّ هذه التفسيرات، على اختلافها، تغفل حقيقة أساسية، وهي أنَّ هيكل يدرك أنَّ أيَّ مواجهة مع الحزب لن تبقى محصورة به، بل ستتحوّل إلى صدام أوسع مع المجتمع الشيعي، وهو مسارٌ لا يملك الجيش القدرة على حسمه في ظل الظروف الراهنة.
وكما أشار لي أحد المراقبين المطلعين على شؤون المؤسسة العسكرية، فإنَّ هيكل، ومعه الرئيس جوزيف عون، ينتميان إلى جيل من الضباط بدأت مسيرتهم المهنية خلال الصراع المدمر مع “القوات اللبنانية” عام 1990. وهو جيلٌ يدرك، بحكم التجربة، حدود قدرة الجيش في مواجهة الميليشيات ذات الامتداد الطائفي. فعندما تواجه الجيوش مقاومة داخلية، غالبًا ما تتوقف عن التقدم ثم تلجأ إلى قصف المناطق التي تحاول دخولها، أي قصف بيئاتها السكانية، ما يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ويُفاقم النقمة الشعبية. وقد تجلّى هذا السيناريو في أوائل العام 1984، حين حاصر الجيش الضاحية الجنوبية لبيروت بهدف إضعاف “حركة أمل”، قبل أن تنفجر، في السادس من شباط (فبراير)، انتفاضة الميليشيات في بيروت الغربية، التي شكّلت فعليًا بداية نهاية عهد الرئيس أمين الجميل كرئيسٍ فعلي.
وقبل اندلاع هذه الحرب الأخيرة المرتبطة بإيران، كان الجيش الإسرائيلي يستعد لبدء المرحلة الثانية من خطته الرامية إلى احتكار الدولة للسلاح في لبنان. ورغم أن هذه الخطة تقدّمت ببطء شديد، ولم تحقق سوى نتائج محدودة في احتواء “حزب الله” أو الضباط الإيرانيين الذين يقودون وحداته القتالية، فإنَّ التطوُّرات الميدانية الأخيرة تمنحها بُعدًا مختلفًا. فمع تقدّم القوات الإسرائيلية نحو نهر الليطاني، تكتسب المنطقة الممتدة شمال هذا الخط حتى صيدا أهمية متزايدة، إذ يُرجّح أن تتحول إلى جبهة جديدة محتملة في حال أعاد الحزب تموضعه فيها.
الجنوب كساحة حاسمة: خطة الدولة لمنع ترسّخ واقع جديد
انطلاقًا من هذه المعطيات، يبدو أن على قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، ومعه الحكومة، التحرُّك سريعًا لوضع خطة تمنع “حزب الله” من توسيع شبكاته العسكرية في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني، وتُكرّس بدلًا من ذلك حضور الدولة. المهمة بطبيعتها معقدة، نظرًا لوجود الحزب المسبق هناك، إلّا أنَّ القرار الحكومي الأخير باعتبار أنشطته العسكرية والأمنية غير قانونية—والذي حظي بموافقة غالبية الوزراء الشيعة—يوفّر أرضية سياسية يمكن البناء عليها. كما إنَّ وجود قناعة داخل الحكومة بأنَّ الحرب الدائرة تحمل بصمات إيران يمنح هذا التوجه بُعدًا إضافيًا يدعم أيَّ تحرك من قبل الجيش.
في المقابل، يكتنف الغموض مستقبل هذه المنطقة، خصوصًا بعد الدعوات الإسرائيلية لإخلاء المناطق الواقعة شمال نهر الزهراني. وفي هذا السياق، يُفترض بالحكومة اللبنانية العمل على صياغة تفاهم يحدد شكل الوجود العسكري جنوب الزهراني وصولًا إلى الليطاني، مع الاستعانة بالولايات المتحدة كوسيط في أيِّ تواصُل مع إسرائيل. مثل هذا المسار يتطلّب مقاربة ديبلوماسية مبتكرة، ويمكن تسويقه داخليًا على أنه محاولة للحد من نطاق التوغل الإسرائيلي. ومن خلال الانتشار شمال الليطاني، قد تتمكن الدولة من تحييد هذه المنطقة—أو على الأقل الحد من استخدامها كمنصّة لإطلاق الصواريخ—إلى جانب ضبط تحركات عناصر “حزب الله” المُتَّجهين جنوبًا. والهدف النهائي يتمثل في فرض واقع تكون فيه حيازة السلاح حكرًا على الدولة، حتى لو استدعى ذلك احتكاكات موضعية. ومع انشغال الحزب في مواجهة إسرائيل، تبدو قدرته على فتح جبهة موازية مع الجيش محدودة، ما يفرض على المؤسسة العسكرية نشر وحداتها الأكثر تدريبًا في هذه المنطقة، بدل الاعتماد على المجندين الأقل خبرة.
ويمكن توسيع هذه المقاربة عبر إدماج بُعد مدني يخفف من معاناة السكان شمال الليطاني، من خلال إصلاح البنى التحتية المتضررة وإعادة تفعيل الخدمات الأساسية. كما يبرز دور الأمم المتحدة، بوصفها الجهة الرسمية المشرفة على تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بلبنان، لا سيما في ظل مساعي رئيس مجلس النواب نبيه بري لإعادة تفعيل الآليات القائمة كقناة تواصل غير مباشرة مع إسرائيل. غير أنَّ الأولوية تبقى في منع تحوّل هذه المنطقة بالكامل إلى ساحة مواجهة يديرها “حزب الله”، إذ إنَّ أيَّ سيناريو يدفع إسرائيل إلى جعلها غير صالحة للسكن قد يؤدي إلى نزوح سكاني واسع، خصوصًا باتجاه مناطق غير شيعية في جبل لبنان، بما ينذر بتوترات داخلية تهدد ما تبقى من استقرار الدولة.
في المحصّلة، يبدو أن العماد رودولف هيكل محق في رفض المقاربات التي تختزل دور الجيش في كونه حلًا سحريًا لمُعضلة “حزب الله”، إذ إنَّ أيَّ انتكاسة عسكرية لن تجد مَن يدافع عن المؤسسة. غير أنَّ الحفاظ على مصداقية الجيش يقتضي، في المقابل، صياغة خطط عملية تتماشى مع قرارات الحكومة، وتُترجَم إلى خطوات ميدانية مدروسة. وتبقى نقطة الانطلاق في ذلك هي المنطقة الممتدة بين نهر الليطاني ونهر الأولي، بوصفها اليوم العقدة الأكثر حساسية في المشهد اللبناني.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.