“لبنان الحقيقي” قبل 470 سنة

هنري زغيب*

ليس لبنانيًّا مُقيمًا يتشدَّد بوطنيَّته، ولا مُهاجرًا يَكتب من حنينه الرجوعَ إِلى الوطن. إِنه راهب برتغالي زار لبنان إِبَّان رحلةِ حجٍّ إِلى الأَراضي المقدسة (1552-1558)، جمَعَ دفاترَ تدويناته ومشاهداته في أَوراق كثيفة (764 ورقة غير مرقَّمة) لا تزال مخطوطة. الراهب هو أَنطونيو سُواريس (1523-1593). المخطوطة اليوم لدى مكتبة البرتغال الوطنية في ليشْبونة. تَرجمَها إِلى الفرنسية (تركيزًا على جبل لبنان) الباحثُ الأَكاديمي البرازيلي/اللبناني روبرتو خَطْلَب (مدير مركز أَبحاث أَميركا اللاتينية لدى جامعة الروح القدس-الكسليك)، تعاوُنًا مع الباحث البرازيلي ريتشارد ماكس. صدرَت حديثًا بالفرنسية لدى منشورات “سائر المشرق”، إِحدى أَنشط دُور النشْر اللبنانية مضمونًا ورسالةً لبنانيةً فكريةً وثقافيةً عميقة.

الكتاب من 182 صفحة حجمًا كبيرًا. في القسم اللبناني من هذه المخطوطة: مرورُ الراهب في لبنان (1554) متوجِّهًا إِلى الأَراضي المقدَّسة، وعودتُه إِليه (1555) عائدًا منها. تبدأُ زيارة لبنان منذ رُسُوّ مَركبه في طرابلس (30 تشرين الأَول/أكتوبر 1554)، ودَوَّنَ أَنها “واحة جميلة غنية بالسهول والمياه والبرتقال والليمون وباقات من الفاكهة والخُضَر تُشكِّل فيها فردوسًا ساحرًا يقول فيه أَهلُها إِنَّ خيراتها هبَةٌ من الله لكُلِّ مَن يقصدها”. ومن طرابلس انتقل جنوبًا قاصدًا بيروت، مارًّا في القلمون والبترون وبيبلوس “التي من مرفإِها أَبحرَت أَخشاب الأَرز لبناء هيكل سليمان”، عابرًا جسْر نهر الكلب “الضَيِّق العالي المخيف بخطورته”، وُصُولًا (في 10 تشرين الثاني/نوفمبر) إِلى بيروت “الغنيَّة بالتاريخ الروحي والأَرضي. فحين مرَّ سيِّدُنا يسوع في صيدا، البعيدةِ تسعة فراسخ عن بيروت، جاءَها يبشِّر فيها بملكوت السماء”. وينتقل إِلى صيدا (28 تشرين الثاني/نوفمبر) ثم إِلى صُور “وكلْتاهما زارَها يسوع”، ومنهما انتقل إِلى الأَرض المقدَّسة، زائرًا القدس وبيت لحم والناصرة وصفَد التي “في الجليل الأَعلى والممتدَّة تلالها ووديانها حتى سلسلة جبل لبنان”.

في عودته من الأَراضي المقدسىة يمرُّ مجدَّدًا في صُور وصيدا (14 شباط/فبراير 1555). ويروح ينتقل بين بيروت ودير القمر وعرمون ونيحا والكحلونية ومزرعة الشوف والمختارة وعين قَني وعماطور وبَعدران وباتر وسواها، وعاد منها إِلى بيروت، وكان تفشَّى فيها الطاعون. ثم توجَّهَ إِلى طرابلس، ومنها راح يُصعِّد شرقًا، عن يمينه “النهرُ الذي يَنحدر من جبل لبنان”. يبلغ وادي قاديشا ويَزور دير سيدة قنُّوبين ودير قزحيا وسواهما، ويذُوق فيها نبيذًا “لا يعادله نبيذٌ، يتمُّ إِرسالُه إِلى روما لِطِيب مَذاقه”. وفي دير قنوبين زار البطريرك موسى سعادة العكَّاري (1524-1567). بعدها تنقَّل إِلى بلدات ومدُن عدة، منها تنورين وبشرّي “مدينة المقدَّمين”، وارتقى إِلى غابة الأَرز ثم انحدر إِلى بشرّي فطرابلس التي غادر منها (15 حزيران/يونيو 1555) إِلى فاماغوستا (قبرص).

تُغْري جدًّا قراءَةُ هذا الكتاب. يختلف عن سائر كتُب الحُجَّاج بأَنَّ فيه تدقيقًا تفصيليًّا عن الأَماكن والأَشخاص والظروف والمواسم المحلية وتقاليدها وطقوسها الشعبية والدينية، ما يجعلُه مرجعًا أَساسيًّا موثوقًا لفترة زيارة المؤَلف لبنان القرن السادس عشر إِبَّان حكم الأَمير قرقماز، ولقائه أَبناءَ الطوائف، متحدِّثًا إِلى البطريرك والكهنة الموارنة والمشايخ الدروز والمسلمين، مستطْلعًا دواخلهم.

من هنا صوابُ عَنْوَنَة الكتاب “لبنان الحقيقي” لأَن الأَب أَنطونيو كَتبَ عن لبنان بحُبٍ كثيرٍ دفعه إِليه ما صادفَه من دماثةٍ في شعبه وجمالٍ ساحرٍ في طبيعته، من سحرها ما وصَفَه بفرادة “أَديارٍ محفورةٍ في الصخر ضيِّقةٍ مبتهِلةٍ بنَظْرتها إِلى فوق، إِلى وَسَاعة السماء”.

أَيضًا وأَيضًا، هذا هو لبنان: لا يجوزُ تقزيُمهُ إِلى مساحته الجغرافية ولا إِلى أَرقامه الديموغرافية، لأَنه مساحة روحية حضارية لا حدودَ لمسافاتِ إِشعاعه، فهو المنارة الضئيلة المساحة في قاعدتها لكنها غير محدودة المدى في بلوغ نورها آخرَ البَر وآخرَ البحر.

لذا أَدعو دائمًا إِلى هذا الابتهال: “أَعطِنا يا رب أَن نستاهلَ وطنَنا الغالي الفريد، فنستحقَّ أَن نكونَ أَبناء لبنان”.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني:  www.henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى