لبنان بين الحرب والدولة: فرصةُ تضييق الخناق على “حزب الله”؟

أعادت حرب غزة والمواجهة الإسرائيليةـالإيرانية رسم موازين القوى التي استفاد منها “حزب الله” لعقود، وفتحت نافذة نادرة أمام الدولة اللبنانية لاستعادة بعضٍ من سلطتها المفقودة. غير أنَّ تحويل هذه اللحظة إلى فرصة سياسية يتطلب أكثر بكثير من إضعاف الحزب عسكريًا؛ إذ يتوقف على قدرة الدولة على ملء الفراغ الذي سمح له بالتمدُّد أصلًا.

الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام: أمامهما فرصة نادرة لإنقاذ لبنان من سلاح “حزب الله”.

جيفري فيلتمان*

بينما تدفع إيران باتجاه إدراج لبنان في أيِّ ترتيبات أو مفاوضات محتملة لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أعاد استيلاء الجيش الإسرائيلي على قلعة الشقيف في 31 أيار (مايو) إلى الواجهة ذاكرة مرحلة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، وهي الحقبة التي أسهمت في صعود “حزب الله” وترسيخ حضوره العسكري والسياسي.

وفي وقتٍ تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية داخل لبنان، فيما تراهن واشنطن وطهران كلٌّ على تراجع الطرف الآخر في مسارات التفاوض المختلفة، تتزايد الضغوط على بيروت لكسر أحد المحظورات السياسية الأكثر حساسية عبر الانخراط في محادثات مباشرة مع إسرائيل. إلّا أنَّ هذه التطوّرات تصطدم بحقيقة أساسية: لا يوجد مسار سريع أو حاسم لمعالجة مسألة سلاح “حزب الله”.

فعلى الرغم من التوافق الظاهر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وقطاعات واسعة من الدولة اللبنانية على هدف تقليص نفوذ الحزب العسكري أو إنهائه، فإنَّ الوقائع الميدانية والسياسية تجعل هذا الهدف أكثر تعقيدًا مما توحي به الشعارات السياسية. فالعمليات العسكرية الإسرائيلية، حتى عندما تلحق خسائر كبيرة بالحزب، لم تنجح تاريخيًا في القضاء عليه، بل دفعت التنظيم مرارًا إلى التكيّف والانتقال نحو أنماط أكثر مرونة من الحرب غير المتكافئة.

في المقابل، لا يمتلك الجيش اللبناني، بصيغته الحالية، القدرات السياسية أو الاجتماعية أو العسكرية التي تؤهّله لفرض نزع سلاح الحزب بالقوة. فـ”حزب الله” ليس مجرّد تشكيلٍ مسلح، بل شبكة متداخلة من المؤسسات والخدمات والرعاية الاجتماعية والعلاقات الزبائنية التي نشأت داخل بيئة شيعية عانت طويلًا من التهميش وضعف حضور الدولة. ولا تبدو الدولة اللبنانية، الغارقة في أزماتها المالية والمؤسساتية، قادرة حتى الآن على ملء هذا الفراغ.

كما إنَّ الرهان على أن توافق طهران، في إطار أي تفاهم مع واشنطن، على تقليص دور أبرز حلفائها الإقليميين يبدو محدود الواقعية. فبالنسبة إلى إيران، يبقى “حزب الله” أحد أكثر استثماراتها الاستراتيجية نجاحًا في المنطقة، وأداة نفوذ يصعب التفريط بها في ظل موازين القوى الحالية.

لذلك، فإنَّ أيَّ مسعى جدّي لتحجيم الدور العسكري لـ”حزب الله” أو استعادة الدولة اللبنانية لاحتكار السلاح يتطلّب شروطًا تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فهو يحتاج أولًا إلى رؤية طويلة الأمد وصبر سياسي، وإلى التزام أميركي مستدام لا يقتصر على إدارة الأزمات، بل يشمل بناء المؤسسات اللبنانية وتعزيز قدراتها ومواكبة تنفيذ أي تفاهمات إقليمية محتملة. كما يتطلّب توفير ضمانات سياسية وأمنية واقتصادية حقيقية للطائفة الشيعية، تُقنع شريحة واسعة منها بأنَّ التخلّي عن سلاح “حزب الله” لن يعني العودة إلى موقع الهشاشة الذي عانت منه تاريخيًا، أو فقدان مظلة الردع في مواجهة إسرائيل، أو التعرُّض لتقلبات البيئة الإقليمية المحيطة، ولا سيما في ظل التحولات الجارية في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد. فبالنسبة إلى كثيرين داخل البيئة الحاضنة للحزب، لا يرتبط السلاح فقط بالصراع مع إسرائيل، بل أيضًا بمخاوف أعمق تتعلق بموازين القوى الطائفية والإقليمية وبقدرة الدولة اللبنانية نفسها على توفير الحماية والاستقرار.

ورغم إصرار واشنطن على الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، فإنَّ الواقع الإقليمي يجعل هذا الفصل نظريًا أكثر منه عمليًا. فطهران قد توظّف أي تخفيف للعقوبات أو أي موارد مالية إضافية تحصل عليها نتيجة التفاهمات المحتملة مع الغرب في دعم إعادة إعمار البيئة الحاضنة لـ”حزب الله”، بما يسمح له باستعادة جزء من نفوذه السياسي والاجتماعي. وفي المقابل، فإنَّ تصاعد الغضب داخل الأوساط الشيعية من كلفة المواجهة المستمرّة مع إسرائيل، إلى جانب تنامي الانتقادات الموجهة للحزب بسبب جرّ لبنان إلى دورة جديدة من الحرب، قد يفتح نافذة محدودة أمام الدولة اللبنانية لاستعادة بعضٍ من دورها المفقود.

السلام السوري” والاستثناء الذي صنعه الاحتلال

يشكل “حزب الله” حالة فريدة بين الميليشيات اللبنانية التي نشأت خلال الحرب الأهلية. فبموجب اتفاق الطائف عام 1989، الذي وضع حدًا للحرب الأهلية، جرى حل معظم التنظيمات المسلحة ونزع أسلحتها، إلّا أنَّ الحزب احتفظ بترسانته تحت عنوان “المقاومة” ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.

ويستند الحزب في ذلك إلى سردية لا تزال تحظى بقدر من الشرعية داخل جزء من المجتمع اللبناني، مفادها أن مقاومته المسلحة أسهمت بصورة حاسمة في دفع إسرائيل إلى الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، منهية احتلالًا استمر نحو ثمانية عشر عامًا. وبانتهاء الاحتلال، انهار أيضًا “جيش لبنان الجنوبي” المدعوم من إسرائيل، والذي كان قد شكّل الاستثناء الآخر على مسار نزع السلاح الذي أعقب اتفاق الطائف.

نجح “حزب الله” خلال العقود الماضية في ترسيخ نفسه بوصفه الممثل الأقوى لشريحة واسعة من الطائفة الشيعية في لبنان. فقد نشأ في بيئة شعرت تاريخيًا بالتهميش السياسي والاقتصادي على أيدي النخب التقليدية (المسيحية والسنية) التي هيمنت على الدولة اللبنانية، وقدم نفسه ليس فقط كحركة مقاومة ضد إسرائيل، بل أيضًا كشبكة حماية اجتماعية واقتصادية وسياسية.

ورغم أنَّ الحزب ظل، في جوهره، أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في المشرق العربي، فإنه نجح في بناء قاعدة شعبية واسعة من خلال تقديم الخدمات الاجتماعية وفرص العمل وتعزيز الحضور السياسي للشيعة داخل النظام اللبناني. ولو اقتصر دوره على العمل السياسي المدني، لكان مرشحًا لأن يكون إحدى أكثر القوى السياسية اللبنانية تنظيمًا وتأثيرًا. غير أنَّ احتفاظه بسلاحه، واستمرار ارتباطه الوثيق بالأجندة الإقليمية الإيرانية، حالا دون تحوله إلى حزب سياسي تقليدي، وأبقياه في موقع يجمع بين العمل السياسي والقوة العسكرية.

وخلال مرحلة الهيمنة السورية على لبنان بعد انتهاء الحرب الأهلية، استفاد الحزب من الترتيبات التي فرضها ما سُمّي آنذاك بـ”السلام السوري”. ففي الوقت الذي أبقت دمشق قبضتها الأمنية والسياسية على البلاد، سمحت للحزب بالحفاظ على سلاحه تحت عنوان مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. وفي المقابل، لم تُبدِ الولايات المتحدة اهتمامًا جديًا بتغيير هذا الواقع، مكتفية بإدارة التوازنات الإقليمية التي كرّست النفوذ السوري والإيراني داخل لبنان.

لكن هذا المشهد بدأ يتغير مع صدور القرار 1559 عام 2004، الذي دعا إلى انسحاب القوات السورية ونزع سلاح الميليشيات اللبنانية. وبعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005 وما أعقبه من انسحاب سوري تحت ضغط داخلي ودولي، بدا للبعض أنَّ نفوذ “حزب الله” قد يتراجع. إلّا أنَّ ما حدث كان العكس تقريبًا.

فقد خرج الحزب من مرحلة الوصاية السورية أكثر قوة وثقة بالنفس. وبعد حرب عام 2006 مع إسرائيل، التي انتهت من دون حسم واضح لأيٍّ من الطرفين، عزز الحزب صورته كقوة إقليمية صاعدة، ووسع ترسانته العسكرية بشكلٍ غير مسبوق، فيما استخدم نفوذه السياسي والأمني لفرض شروطه على الحكومات اللبنانية المتعاقبة.

في المقابل، استثمرت الولايات المتحدة ملايين الدولارات في دعم الجيش اللبناني وتدريبه وتجهيزه، وساهم هذا الدعم في تحسين أداء المؤسسة العسكرية، ولا سيما خلال المواجهات ضد تنظيم “داعش” والجماعات المتطرفة على الحدود الشرقية. غير أنَّ تطوير الجيش ظل محكومًا بقيود سياسية وعسكرية واضحة. فقد ترددت واشنطن، تحت ضغط المخاوف الإسرائيلية، في تزويده بمنظومات قتالية متقدمة يمكن أن تغيّر موازين القوى الداخلية، فيما بقيت المؤسسة العسكرية عرضة لأزمات التمويل والانهيار الاقتصادي والانقسامات الطائفية المحتملة.

وفي الوقت الذي كان جنود الجيش اللبناني يكافحون لمواجهة تداعيات الانهيار المالي وتآكل رواتبهم، كان مقاتلو “حزب الله” يراكمون خبرات ميدانية واسعة في الحرب السورية إلى جانب الحرس الثوري الإيراني، ما عمّق الفجوة العسكرية بين الطرفين.

مشهد مختلف بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر

شكّل هجوم “حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 نقطة تحول إقليمية كبرى، سرعان ما انعكست على لبنان. ففي اليوم التالي مباشرة، فتح “حزب الله” جبهة الجنوب من دون الرجوع إلى الحكومة اللبنانية أو البرلمان، واضعًا البلاد مجددًا في قلب مواجهة إقليمية لا تملك الدولة قرارها.

لكن الحرب التي أرادها الحزب جُزءًا من استراتيجية “وحدة الساحات” أطلقت سلسلة من التطوّرات التي أضعفت موقعه بدلًا من تعزيزه.

فالحملة العسكرية الإسرائيلية الواسعة استهدفت البنية القيادية والعسكرية للحزب بصورة غير مسبوقة، فيما تزامن ذلك مع تراجع النفوذ الإيراني والسوري اللذين شكّلا لعقود العمق الاستراتيجي له. ومع سقوط نظام بشار الأسد، خسر الحزب الممر البري الذي ربطه بإيران عبر سوريا، وهو تطور لا يقل أهمية عن الخسائر العسكرية المباشرة، لأنه يهدد أحد أهم شرايين الإمداد التي اعتمد عليها طوال سنوات.

وفي الوقت نفسه، وجدت القيادة الجديدة في بيروت نفسها أمام فرصة نادرة لإعادة رسم العلاقة بين الدولة والحزب. فللمرة الأولى منذ أوائل التسعينيات، وصل رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة إلى السلطة من دون أن يكونا نتاج تفاهم مباشر أو غير مباشر بين “حزب الله” وطهران ودمشق.

وسرعان ما عكس الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام هذا التحوّل في الخطاب والممارسة. فقد تخلّيا عن معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” التي استخدمت طويلًا لتوفير غطاء سياسي لسلاح الحزب، وأكدا مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، ولو بقي ذلك حتى الآن أقرب إلى الهدف السياسي منه إلى الواقع العملي.

كما اتخذت الحكومة خطوات رمزية وعملية غير مسبوقة للحد من نفوذ الحزب داخل بعض مؤسسات الدولة، ورفعت سقف انتقاداتها للدور الإيراني في لبنان. وفي تطور كان يصعب تصوره قبل سنوات قليلة، أبدى كل من عون وسلام انفتاحًا على المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية، في كسر واضح لأحد أكثر المحرمات رسوخًا في الحياة السياسية اللبنانية.

ومع ذلك، فإنَّ تراجع نفوذ “حزب الله” لا يعني اختفاءه. فالحزب ما زال يمتلك قاعدة اجتماعية واسعة وبنية تنظيمية متماسكة وشبكة علاقات سياسية وأمنية تجعل من الصعب تجاوزه أو عزله بالكامل. ولهذا السبب، بقي رئيس مجلس النواب نبيه بري، بحكم علاقته التاريخية بالحزب وموقعه داخل النظام السياسي، قناة التواصل الأساسية بين الدولة اللبنانية و”حزب الله”، ودور الوسيط الذي لطالما برع في أدائه خلال محطات الأزمات الكبرى.

وعلى نحوٍ لافت، ورغم الغضب العارم من العمليات العسكرية الإسرائيلية، بدأ عدد متزايد من أبناء الطائفة الشيعية يوجّهون انتقاداتهم أيضًا إلى “حزب الله” بسبب دوره في إشعال مواجهة أفضت إلى أكبر موجة دمار وتهجير شهدتها المناطق الشيعية في لبنان في التاريخ الحديث. وفي مدينتي صور والنبطية، وهما من أبرز المراكز السكانية الشيعية في الجنوب، برزت دعوات علنية لإنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة ورفض ما يُنظر إليه على أنه “حروب الآخرين” التي يدفع اللبنانيون ثمنها.

وعلى خلاف ما حدث بعد حرب عام 2006، يواجه “حزب الله” اليوم واقعًا أكثر تعقيدًا. فحجم الدمار الذي لحق بالقرى والبلدات الجنوبية يجعل من الصعب عليه تسويق رواية انتصار تحظى بالصدقية نفسها التي نجح في ترسيخها سابقًا. بل إنَّ كثيرًا من اللبنانيين الشيعة باتوا ينظرون بصورة متزايدة إلى سلاح الحزب باعتباره مصدرًا للمخاطر بقدر ما يُفترض أن يكون وسيلة للردع والحماية.

ومع ذلك، سيكون من الخطَإِ استنتاج أنَّ “حزب الله” فقد قدرته على التأثير أو الردع. ففي أيار (مايو)، وجّه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم تحذيرات مباشرة إلى الحكومة اللبنانية، في تذكير بأساليب الضغط التي مارسها الحزب في مراحل سابقة، سواء عبر دوره في الاغتيالات السياسية أو من خلال استعراض القوة الذي بلغ ذروته خلال أحداث بيروت في أيار (مايو) 2008. كما إنَّ الحزب، مستفيدًا من الخطاب الإيراني الذي يصوّر المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارها صمودًا أو انتصارًا، يواصل إبراز عملياته العسكرية، ولا سيما هجمات الطائرات المسيّرة ضد القوات الإسرائيلية، باعتبارها دليلًا على استمرار قدراته القتالية.

ورغم تغيُّر البيئة السياسية والإقليمية، لا تزال الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني يفتقران إلى الإرادة والقدرة اللازمتَين لخوض مواجهة مباشرة مع “حزب الله”. بل إنَّ محاولة فرض هذا الخيار في المرحلة الراهنة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، بما في ذلك تعريض مؤسسات الدولة والجيش نفسه لخطر الانقسام والانهيار. وتزداد هذه المُعضلة تعقيدًا مع تنامي الغضب الشعبي من حجم الدمار الذي ألحقته إسرائيل بمناطق واسعة من لبنان.

ولهذا السبب، حتى أولئك الذين يرون إيجابية في جلوس لبنان إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل، بدل بقائه ساحة للصراع بالوكالة، ينبغي أن يتعاملوا بحذر مع المسار الحالي. فالمحادثات المباشرة التي ترعاها الولايات المتحدة، إلى جانب ترتيبات وقف إطلاق النار، قد تُفسَّر عمليًا باعتبارها غطاءً أو ضوءًا أخضر لاستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما قد يقوّض شرعية أي مسار سياسي ناشئ.

توصيات السياسة

أمضى كثيرون، (وأنا منهم)، عقودًا في محاولة تطوير سياسات ومبادرات تهدف إلى إضعاف “حزب الله” وتقليص نفوذه. وكانت النتائج، في معظم الأحيان، محدودة أو مخيّبة للآمال. لكن التحوّلات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين تخلق فرصة حقيقية للتعامل مع التهديد الأمني الذي يمثله الحزب، شريطة التخلي عن أوهام الحلول السريعة أو الاعتماد الحصري على الأدوات العسكرية.

ويتمثّل المفتاح الأساسي في تقويض القاعدة السياسية والاجتماعية التي يستند إليها الحزب داخل الطائفة الشيعية، عبر تمكين الدولة اللبنانية من ملء الفراغ الذي استفاد منه لعقود. فـ”حزب الله” لم يبنِ نفوذه على السلاح وحده، بل على تقديم خدمات ووظائف ومساعدات افتقرت إليها الدولة. ومن ثم، فإنَّ استعادة الدولة لهذه الوظائف تمثل شرطًا أساسيًا لإضعاف السردية التي تربط بين تراجع نفوذ الحزب وبين عودة تهميش الشيعة.

وبعبارة أخرى، فإنَّ نزع سلاح “حزب الله” من دون إعادة إنتاج الفوضى الطائفية يتطلب خطوات متوازية تعزز خيبة الأمل المتزايدة داخل البيئة الشيعية تجاه الحزب، وتُقنع اللبنانيين في الوقت نفسه بأنَّ مؤسسات الدولة قادرة على الإنجاز وتقديم الخدمات والحماية.

أوّلًا: الانتقال الأمني والعسكري

من غير الواقعي توقع أن تتخلى النواة العقائدية الصلبة داخل “حزب الله”، والمرتبطة بإيران، عن خياراتها الحالية بصورة طوعية أو سريعة. ولذلك سيظل بناء قدرات الجيش اللبناني ضرورة أساسية لأي استراتيجية طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، يمكن للمحادثات اللبنانية-الإسرائيلية التي ترعاها الولايات المتحدة أن تتجاوز إدارة التهدئة المؤقتة نحو إعداد خطط عملية تسمح للجيش اللبناني بتولي المسؤولية الأمنية في المناطق التي لا تزال تشهد وجودًا أو عمليات إسرائيلية. كما تستطيع واشنطن والأمم المتحدة وشركاؤهما الدوليون إعادة إحياء مجموعة من المبادرات التي طُرحت مرارًا خلال العقود الماضية، بما في ذلك برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وإصلاح القطاع الأمني، وتوسيع قدرات الجيش اللبناني وانتشاره.

وقد استجاب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لطلب مجلس الأمن إعداد خيارات تتعلق بمهام المراقبة والإشراف الأممية بعد انتهاء الولاية الحالية لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). غير أنَّ أحد أوجه القصور الرئيسية في المقاربات السابقة تمثّل في غياب آليات إنفاذ فعالة. ولذلك فإن تطوير أدوات تنفيذ ومتابعة أكثر جدية يجب أن يشكل عنصرًا أساسيًا في أيِّ مقاربة جديدة.

ثانيًا: المسار الديبلوماسي وتثبيت وقف إطلاق النار

يتطلب أي جهد جدي لإضعاف “حزب الله” بيئة أمنية مستقرة نسبيًا، وهو ما يجعل تثبيت وقف إطلاق النار أولوية لا تقل أهمية عن بناء قدرات الدولة اللبنانية. ولهذا ينبغي على واشنطن توظيف قنوات التواصل القائمة بين إسرائيل ولبنان، وكذلك بين الولايات المتحدة وإيران، لضمان التوصل إلى وقفٍ فعلي ومستدام للأعمال القتالية.

ورغم تأكيد الإدارة الأميركية على الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، فإنَّ الواقع يشير إلى أنَّ طهران ربطت عمليًا بين الملفين، وتعاملت مع لبنان بوصفه جُزءًا من معادلة الخروج من المواجهة الأوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هنا تبرز أهمية استمرار الانخراط الشخصي للرئيس دونالد ترامب في هذا الملف، نظرًا إلى أنَّ الولايات المتحدة تبقى الطرف الوحيد القادر على الجمع بين النفوذ السياسي والضمانات الأمنية والموارد المالية اللازمة لإعادة صياغة العلاقة الإسرائيلية-اللبنانية بصورة مختلفة.

ويكتسب هذا الدور أهمية إضافية في ضوء الحسابات السياسية الإسرائيلية الداخلية. فمع اقتراب الانتخابات واستمرار نزوح آلاف الإسرائيليين من المناطق الشمالية بسبب هجمات “حزب الله” الصاروخية والمسيّرات، قد يرى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في توسيع الحرب على الجبهة اللبنانية خيارًا سياسيًا مجديًا، لا سيما أن تشديد المواجهة مع لبنان يحظى، وفق استطلاعات الرأي التي يستشهد بها الكاتب، بتأييد نحو 80 في المئة من اليهود الإسرائيليين. كما إنَّ التصعيد قد يساعده على صرف الأنظار عن الانتقادات الموجهة إلى حكومته بشأن نتائج الحرب مع إيران.

ومع ذلك، يبقى هامش المناورة الإسرائيلي مرتبطًا إلى حد كبير بالموقف الأميركي. فإذا خلص الرئيس دونالد ترامب إلى أن تهدئة الجبهة اللبنانية ضرورية لإنجاح استراتيجيته الأوسع تجاه إيران وإنهاء الحرب، فستمتلك واشنطن ورقة ضغط مؤثرة على الحكومة الإسرائيلية. ومن غير المرجح أن يخاطر نتنياهو بالدخول في مواجهة سياسية مع ترامب قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول (أكتوبر)، حتى لو ظل مقتنعًا بأنَّ استمرار الضغط العسكري على لبنان يخدم مصالحه الداخلية.

كما إنَّ المصالح الأميركية في سوريا تمنح هذا الملف بُعدًا إضافيًا. فاستقرار لبنان يرتبط بصورة وثيقة بمسار التطورات السورية، وأيُّ دعمٍ أميركي للحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع يمكن أن يساهم في تعزيز التعاون اللبناني-السوري الناشئ، وفي الوقت نفسه تبديد بعض المخاوف داخل البيئة الشيعية اللبنانية من التحولات السياسية الجارية في دمشق وهيمنة قوى ذات خلفية إسلامية سنية على السلطة الجديدة.

ثالثًا: الإغاثة الاقتصادية واستعادة شرعية الدولة

إذا كان “حزب الله” قد بنى جُزءًا كبيرًا من نفوذه على دوره العسكري، فإنه رسّخ جُزءًا لا يقل أهمية من قوته من خلال قدرته على توفير المساعدات والخدمات عندما عجزت الدولة عن القيام بذلك.

بعد حرب عام 2006، نجح الحزب في الظهور بمظهر الجهة الأسرع والأكثر فعالية في تعويض المتضرّرين وإعادة إعمار المناطق المدمرة، وهو ما عزز مكانته داخل بيئته الحاضنة. أما اليوم، فالمعادلة مختلفة. فالدمار أكبر بكثير، لكن الموارد المالية للحزب أقل بكثير أيضًا، ما يخلق فرصة نادرة أمام الدولة اللبنانية لاستعادة المبادرة.

غير أنَّ استغلال هذه الفرصة يتطلب موارد لا تملكها الحكومة اللبنانية في ظل الانهيار المالي المستمر. ولذلك ينبغي على الولايات المتحدة، بالتعاون مع الأمم المتحدة وفرنسا والدول المانحة الأخرى، العمل على تعبئة الدعم المالي اللازم لبرامج الإغاثة وإعادة الإعمار، بالتوازي مع إنشاء آليات رقابة صارمة تحول دون تسرب الأموال إلى شبكات الفساد أو المؤسسات التي فقدت مصداقيتها لدى المانحين كمجلس الجنوب.

وسيكون إشراك دول الخليج عنصرًا مهمًا في هذا المسار. فرغم انشغالها بأولوياتها الإقليمية الخاصة، فإنَّ لديها مصلحة واضحة في منع عودة الهيمنة الإيرانية على لبنان، كما لا ترغب في رؤية النفوذ الإيراني يُستبدل بنفوذ إسرائيلي مباشر. وإذا أُديرت عملية إعادة الإعمار بصورة فعالة وشفافة، فإنَّ أموال المانحين ودعم المؤسسات المالية الدولية يمكن أن يساعدا الدولة اللبنانية على توسيع حضورها واستعادة قدرتها على تقديم الخدمات في المناطق التي طالما شكلت معاقل لـ”حزب الله”.

رابعًا: احتواء الدور الإيراني

في موازاة هذه الجهود، يتعيّن على واشنطن التعامل بواقعية مع الدور الإيراني. فمن غير المرجح أن توافق طهران على التخلّي عن “حزب الله” أو التعامل معه كورقة قابلة للمقايضة في أيِّ مفاوضات مع الولايات المتحدة.

فعلى مدى أربعة عقود، استثمرت إيران موارد سياسية وعسكرية ومالية ضخمة في بناء الحزب وتحويله إلى أهم أذرعها الإقليمية. ومن ثم، فإنَّ أيَّ انفراج اقتصادي أو ديبلوماسي تحصل عليه طهران قد يدفعها إلى تكثيف جهودها لإعادة بناء قدرات الحزب وتعزيز موقعه داخل لبنان.

ولهذا السبب، ينبغي أن ترافق أي تفاهمات مستقبلية مع إيران آليات متابعة ورقابة دقيقة، تأخذ في الاعتبار احتمال توجيه الموارد المالية الجديدة نحو دعم “حزب الله” أو تمويل أنشطته السياسية والاجتماعية والعسكرية. فنجاح أيُّ استراتيجية تهدف إلى تعزيز الدولة اللبنانية سيبقى مرتبطًا بقدرتها على منع الحزب من استعادة التفوق المالي والتنظيمي الذي مكّنه لعقود من منافسة مؤسسات الدولة، بل والتفوُّق عليها في بعض المناطق والقطاعات.

الخلاصة

أحدثت تداعيات هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر) والحرب بين إسرائيل وإيران تحوّلًا عميقًا في البيئة الاستراتيجية التي عمل فيها “حزب الله” طوال العقود الماضية. فالحزب الذي استفاد طويلًا من شبكة دعم إقليمية متماسكة ومن توازنات داخلية وفّرت له هامش حركة واسعًا، يواجه اليوم واقعًا أكثر تعقيدًا وأقل ملاءمة لمصالحه.

ورُغمَ أنَّ هذه التحوُّلات لا تعني نهاية “حزب الله” أو زوال نفوذه في المدى المنظور، فإنها تخلق فرصة نادرة لتحقيق ما فشلت فيه عقود من الضغوط العسكرية والعقوبات والجهود الديبلوماسية: تقليص التهديد الذي يشكله الحزب على لبنان وإسرائيل في آن واحد، من خلال تعزيز الدولة اللبنانية بدلًا من محاولة تجاوزها.

غير أنَّ استغلالَ هذه الفرصة يتطلّب أكثر من مجرد إضعاف “حزب الله”. فهو يستوجب توفير الموارد والدعم السياسي والاقتصادي والأمني اللازم لتمكين الحكومة اللبنانية من ترجمة تعهدات الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام إلى واقع ملموس: دولة قادرة على احتكار السلاح، وفرض الأمن، وتقديم الخدمات الأساسية، وإطلاق مسار تعافٍ اقتصادي، من دون أن تتحوّل إلى مصدر تهديد لجيرانها أو ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

لكن العقبة الأساسية تكمن في عامل الوقت والإرادة السياسية. فهذه الاستراتيجية تحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل، في حين أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد لا يكون مستعدًا لمنحها الوقت الكافي إذا فضّل مواصلة الضغط العسكري لتحقيق أهداف أكثر إلحاحًا من وجهة نظره. كما إنها تتطلب مستوى من التركيز والانخراط الأميركي طويل الأمد يصعب ضمانه في ظل التراجع المستمر لأدوات الديبلوماسية والمساعدات الخارجية الأميركية، والقيود التي فرضتها إدارة ترامب على المؤسسات التي كانت تقود هذه الجهود في السابق.

وبذلك، فإنَّ نجاح هذه المقاربة لا يتوقف على ضعف “حزب الله” فحسب، بل على قدرة الولايات المتحدة وشركائها على استثمار اللحظة الحالية قبل أن تضيع، كما ضاعت فرص عديدة سبقتها.

  • جيفري فيلتمان هو زميل جون سي. وايتهيد الزائر في الديبلوماسية الدولية ضمن برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز. شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان بين عامي 2004 و2008، قبل أن يتولى منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى من عام 2009 حتى تقاعده من السلك الديبلوماسي في أيار (مايو) 2012 برتبة وزير مهني (Career Minister)، وهي من أعلى الرتب في وزارة الخارجية الأميركية.
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى