العراق والفصائل: تحوُّلٌ استراتيجي أم إعادةُ تَمَوضُع؟

تُثيرُ التحرّكات الأخيرة للفصائل المسلّحة في العراق تساؤلات تتجاوز البُعدَ الأمني إلى مستقبل الدولة نفسها. فبين رهانات تعزيز السيادة وحسابات النفوذ الداخلي والإقليمي، تبدو بغداد أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح المشهد السياسي والأمني في البلاد.

علي الزيدي… واختبار الدولة العراقية.

بغداد – رئيف عمرو*

أعادَ إعلانُ عددٍ من الفصائل المسلّحة العراقية اتخاذ خطوات لوضع أسلحتها وإمكاناتها العسكرية تحت إشراف الدولة فَتحَ واحدٍ من أكثر الملفّات حساسية في الحياة السياسية العراقية خلال العقدين الأخيرين. ففي بلدٍ ظلّ لسنواتٍ طويلة ساحةً لتقاطعات النفوذ الإقليمي والدولي، ولتداخُل الأدوار بين الدولة والفاعلين المسلحين، لم يكن من المستغرب أن تُثيرَ هذه الخطوات اهتمامًا واسعًا داخل العراق وخارجه.

وقد سارعت أطرافٌ دولية إلى الترحيب بهذه التطوّرات باعتبارها مؤشّرًا إلى تقدُّم مشروع الدولة العراقية وتعزيز قدرتها على احتكار استخدام القوة، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الدول الحديثة. لكن الترحيب الخارجي لم يمنع بروز قراءات أكثر حذرًا داخل الأوساط السياسية والبحثية، رأت أنَّ الحكم على أهمية هذه الخطوات لا ينبغي أن يستندَ إلى الإعلانات وحدها، بل إلى ما إذا كانت ستُترجم فعلًا إلى تغييرات مؤسّسية مستدامة في بنية السلطة والأمن.

ويكتسبُ هذا النِّقاشُ أهميةً إضافية لأنَّ هذه التطوُّرات جاءت في أعقاب تولّي علي الزيدي رئاسةَ الحكومة العراقية، في خطوةٍ اعتبرها كثيرٌ من المراقبين إيذانًا بمرحلة سياسية جديدة في بغداد. وقد أثار التزامُن بين وصول الحكومة الجديدة وإعلانات بعض الفصائل بشأن إعادة تنظيم وضعها العسكري تساؤلاتٍ حول طبيعة العلاقة بين المسارين، وما إذا كانت البلاد تشهد بداية مقاربة مختلفة لإدارة ملف السلاح ومراكز النفوذ، بعد مرحلة طويلة من التجاذبات السياسية التي رافقت تشكيل الحكومات المتعاقبة.

ولا ينظرُ أنصارُ الحكومة الجديدة إلى هذه الخطوات باعتبارها حدثًا منفصلًا عن أولويات المرحلة الراهنة. فالزيدي وصل إلى السلطة وسط توقُّعاتٍ بأن تُركّز حكومته على تعزيز الاستقرار الداخلي، وتحسين البيئة الاقتصادية، واستعادة ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين بقدرة العراق على المضي في مشاريع التنمية الكبرى. ومن هذا المنطلق، يرى بعضُ المراقبين أنَّ أيَّ تقدُّم في ملف تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل سيُشكّل اختبارًا مبكرًا لمدى قدرة الحكومة على ترجمة شعارات بناء الدولة إلى سياسات عملية.

وتنبع أهمية هذا النقاش من أنَّ قضية السلاح في العراق لم تكن يومًا قضية أمنية بحتة، بل كانت دائمًا جُزءًا من سؤالٍ أكبر يتعلّق بطبيعة الدولة نفسها، وحدود سلطتها، وقدرتها على إدارة التوازنات السياسية والاجتماعية التي تشكّلت منذ عام 2003.

فبعد سقوط نظام صدام حسين، دخل العراق مرحلة إعادة بناء شاملة لمؤسّساته في ظلِّ ظروفٍ استثنائية اتسمت بالاحتلال والعنف الطائفي وصعود الجماعات المسلحة وتزايد التدخّلات الخارجية. وخلال تلك المرحلة تشكّلَ نظامٌ سياسي قائم على التوافقات بين المكوّنات والقوى المختلفة، وهو نظامٌ ساهم في الحفاظ على وحدة الدولة في بعض المحطات، لكنه أوجد أيضًا مراكز نفوذ متعدّدة داخل المشهد السياسي والأمني.

ثم جاءت الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) عام 2014 لتضيف عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة. فقد وجدت الدولة العراقية نفسها أمام تهديدٍ وجودي، ما أدّى إلى صعود دور الفصائل المسلحة التي شاركت في القتال ضد التنظيم وأسهمت في استعادة المدن والأراضي التي سيطر عليها. ومع انتهاء الحرب، تحوّلت هذه الفصائل إلى جُزءٍ أساسي من المشهد العراقي، سواء من خلال حضورها العسكري أو من خلال امتداداتها السياسية والاجتماعية.

وفي السنوات اللاحقة، جرى تقنين جُزءٍ كبير من هذه التشكيلات ضمن قوات “الحشد الشعبي” التي أصبحت مؤسسة رسمية تتبع الدولة. غير أنَّ هذا التطوّر لم يُنهِ الجدل بشأن العلاقة بين الدولة والفصائل، بل نقل النقاش إلى مستوى جديد يتعلق بطبيعة القرار الأمني، وحدود النفوذ السياسي، ومستقبل التعددية المسلحة داخل النظام العراقي.

ولذلك فإنَّ التطوُّرات الأخيرة لا يمكن فهمها بمعزل عن هذا السياق التاريخي الطويل. فالعراق لا يناقش اليوم مجرّد مسألة تنظيم السلاح، بل يناقش بصورة غير مباشرة شكل الدولة التي يريد بناءها بعد أكثر من عقدين من التحوُّلات العميقة والأزمات المتلاحقة.

الدولة في مواجهة التعقيد العراقي

من منظور الدولة العراقية، تبدو القضية أبعد من مجرد إجراءات إدارية أو أمنية تتعلق بتسليم الأسلحة أو إعادة تنظيم بعض التشكيلات المسلحة. فالمسألة ترتبط بمشروعٍ أوسع يسعى إلى تعزيز مؤسسات الدولة وتوحيد مراكز القرار الأمني والعسكري ضمن إطار دستوري واضح.

وتدرك بغداد أنَّ المرحلة الحالية تختلف عن المراحل السابقة. فبعد سنوات من الحروب والصراعات، باتت الأولوية لدى شريحة واسعة من العراقيين تتمثل في الاستقرار والتنمية وتحسين مستوى الخدمات، أكثر من انشغالها بالشعارات السياسية والإيديولوجية التي هيمنت على المشهد خلال السنوات الماضية.

كما إنَّ العراق يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه دولة مستقرة وقادرة على جذب الاستثمارات وتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية. ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف من دون مؤسسات أمنية واضحة الصلاحيات وقادرة على فرض القانون بصورة متساوية على الجميع.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الرسمي المتزايد بإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة. فنجاحُ أيِّ مشروع اقتصادي أو تنموي طويل الأمد يتطلّب بيئة مستقرة ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه بعيدًا من تعدُّد المرجعيات ومراكز النفوذ.

لكن الطريق نحو تحقيق هذا الهدف لا يبدو سهلًا. فالفصائل المسلحة ليست مجرّد تشكيلات عسكرية يمكن التعامل معها باعتبارها كيانات منفصلة عن المجتمع والدولة. بل إنَّ العديدَ منها يمتلك أذرعًا سياسية وتمثيلًا برلمانيًا وشبكات اجتماعية واقتصادية واسعة، الأمر الذي يجعل عملية إعادة تنظيم دورها أكثر تعقيدًا من مجرد نقل أسلحة أو دمج مقاتلين.

كما إنَّ التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين أظهرت أنَّ الاستقرار غالبًا ما تحقق عبر التفاهمات والتسويات السياسية أكثر مما تحقق عبر المواجهات المباشرة. ولهذا تبدو حكومةُ علي الزيدي حريصةً على إدارة الملف بصورةٍ تدريجية تضمن تعزيز سلطة الدولة من دون التسبُّب في توترات داخلية جديدة، مع المحافظة في الوقت نفسه على التوازنات السياسية والأمنية التي ما زالت تشكّل أحد أعمدة الاستقرار الهش في البلاد.

ويعتقد عددٌ من المراقبين أنَّ ما يجري اليوم قد يشكّلُ اختبارًا مهمًّا لقدرة النظام السياسي العراقي على الانتقال من مرحلة إدارة التوازنات إلى مرحلة بناء المؤسسات. فنجاح هذه العملية سيعني تعزيز مفهوم الدولة بوصفها المرجعية النهائية للقرار الأمني والعسكري، أما تعثُّرها فقد يعيد إنتاج الأسئلة القديمة نفسها بأشكال جديدة.

بين النفوذ والتوازنات

لا يمكن الحديث عن المشهد العراقي من دون التطرُّق إلى العامل الإقليمي، وفي مقدمته العلاقة المعقّدة مع إيران.

فطهران ترتبط بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية وثيقة مع العراق، كما إنَّ العديد من القوى السياسية العراقية تحتفظ بعلاقات تاريخية معها تعود إلى سنوات طويلة سبقت عام 2003. وقد تعزّز هذا النفوذ بصورةٍ ملحوظة خلال الحرب ضد “داعش”، عندما لعبت إيران دورًا مباشرًا في دعم عدد من الفصائل المسلحة العراقية.

غير أنَّ النظرَ إلى العراق باعتباره مجرّد ساحة نفوذ إيراني لا يعكس كامل الصورة. فالعراق يمتلك ديناميكيات داخلية معقدة، كما إنَّ القوى الشيعية التي تشكّل أحد الأعمدة الرئيسة للنظام السياسي ليست كتلة واحدة متجانسة.

فداخل البيت السياسي الشيعي نفسه توجد تباينات وخلافات وصراعات نفوذ امتدت لسنوات، وظهرت بوضوح خلال الأزمات المتعلقة بتشكيل الحكومات وتوزيع المناصب وإدارة الملفات الأمنية والاقتصادية. ولذلك يرى كثيرٌ من الباحثين أنَّ جانبًا من الصراع السياسي العراقي يجري داخل المعسكر الواحد بقدر ما يجري بين معسكرات مختلفة.

وفي هذا السياق، يلفت عدد من المحلّلين إلى أنَّ التنافس بين القوى الشيعية المختلفة لا يعني بالضرورة وجود انقسام بين مشروع وطني وآخر خارجي، بل قد يعكس في كثيرٍ من الأحيان اختلافًا حول إدارة النفوذ وتوزيع السلطة داخل الإطار السياسي القائم.

في المقابل، تواصل الولايات المتحدة النظر إلى العراق باعتباره شريكًا استراتيجيًا مهمًّا في المنطقة. ومن هذا المنطلق تدعم واشنطن أي خطوات من شأنها تعزيز مؤسسات الدولة وتقليص دور القوى المسلحة غير الخاضعة بشكل مباشر للسلطة الحكومية.

لكن السياسة الأميركية تجاه العراق تواجه تحديات مستمرة، أبرزها أنَّ الواقع العراقي أكثر تعقيدًا من التصوُّرات التقليدية القائمة على الاستقطاب الحاد بين واشنطن وطهران. فالكثير من الفاعلين العراقيين يحاولون الحفاظ على علاقات متوازنة مع الطرفين، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بالمصالح الوطنية وبطبيعة موقع العراق الجغرافي والسياسي.

ومن العناصر الأخرى التي برزت خلال السنوات الأخيرة الدور المتزايد للمؤسسة القضائية في إدارة الأزمات السياسية. فمع تكرار حالات الانسداد السياسي وتعثر تشكيل الحكومات، أصبحت المحاكم والمؤسسات القضائية لاعبًا أكثر تأثيرًا في تحديد المسارات السياسية.

ويرى البعض أنَّ هذا الدور ساهم في حماية النظام الدستوري ومنع الانزلاق إلى الفوضى، بينما يعتبر آخرون أنَّ بعضَ القرارات القضائية كان له تأثيرٌ مباشر في إعادة تشكيل التوازنات السياسية بين القوى المتنافسة.

ومهما يكن من أمر، فإنَّ المشهد العراقي الحالي يبدو أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في مواجهة بين الدولة والفصائل أو بين النفوذين الإيراني والأميركي. فالعراق يعيش حالة متشابكة من التوازنات الداخلية والخارجية، تجعل أي تحوّل سياسي أو أمني جُزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها اعتبارات السلطة والسيادة والاستقرار.

إلى أين يتجه العراق؟

بعيدًا من الحسابات السياسية والإقليمية، يبقى العامل الأكثر أهمية هو ما ينتظره العراقيون من دولتهم خلال المرحلة المقبلة.

فمنذ احتجاجات عام 2019، برزت مطالب واضحة تدعو إلى بناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على تقديم الخدمات ومحاربة الفساد وتوفير فرص العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد عكست تلك الاحتجاجات حالة من الإحباط الشعبي تجاه الأداء المؤسسي، لكنها أظهرت في الوقت نفسه رغبة واسعة في الحفاظ على الدولة وتعزيز دورها.

وفي هذا الإطار، ينظر كثير من العراقيين إلى قضية السلاح باعتبارها جُزءًا من مشروع أكبر يتعلق ببناء دولة قوية وقادرة على فرض القانون وحماية المواطنين وإدارة الموارد العامة بكفاءة وشفافية.

كما إنَّ البُعدَ الاقتصادي بات يحتلُّ موقعًا متقدّمًا في أولويات النقاش العام. فالعراق يمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في العالم، ويتمتع بموقع جغرافي يجعله حلقة وصل محتملة بين الخليج وتركيا وإيران وبلدان المشرق العربي. كما يراهن على مشاريع استراتيجية يمكن أن تحوّل البلاد إلى مركز مهم للنقل والتجارة والطاقة.

لكن تحقيق هذه الطموحات يتطلب بيئة مستقرة ومؤسسات قوية وثقة محلية ودولية بقدرة الدولة على إدارة الملفات الكبرى بعيدًا من الاضطرابات السياسية والأمنية المتكررة.

ومن هنا تكتسب التطوّرات الأخيرة أهميتها. فنجاحها قد يرسل إشارات إيجابية إلى الداخل والخارج بشأن قدرة العراق على تطوير مؤسساته وتعزيز استقراره. أما إذا بقيت مجرد خطوة شكلية أو جُزئية، فإنَّ تأثيرها سيظل محدودًا ولن يغيّر كثيرًا من التحديات القائمة.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الفصائل ستختفي من المشهد العراقي أو ستبقى جُزءًا منه. فالأهم من ذلك هو معرفة ما إذا كانت الدولة العراقية قادرة على استيعاب مختلف القوى ضمن إطارٍ مؤسّسي واحد يجعل القانون المرجعية العليا للجميع.

لقد أمضى العراق أكثر من عشرين عامًا في البحث عن توازن بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات بناء الدولة. واليوم يبدو أنه يقف أمام فرصة جديدة لاختبار قدرته على تحويل هذا التوازن إلى مشروع مستدام للسيادة والتنمية والحكم الرشيد.

وبين مَن يرى في التحرُّكات الأخيرة بداية تحوُّل استراتيجي في بنية الدولة، ومَن يعتبرها مجرّد إعادةِ تموضع داخل منظومة النفوذ القائمة، يبقى الحكم النهائي مرهونًا بما ستكشفه الوقائع على الأرض. أما المؤكد فهو أنَّ مستقبل العراق لن يُحسَم في ساحات السلاح وحدها، بل في قدرة مؤسساته على بناء دولة يشعر مواطنوها بأنها المرجعية الأولى والأخيرة للسلطة والقانون والتنمية.

  • رئيف عمرو هو صحافي لبناني ومبعوث “أسواق العرب” إلى بغداد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى