اجتياح 2026: بين منطق شارون وعقيدة شمشون

يجد لبنان نفسه مرّةً أخرى في قلب صراعٍ إقليمي يتجاوز حدوده وقدرته على التحكُّم بمساره. فبين إسرائيل التي تُلوّح بحسمٍ عسكري يُعيد تشكيل قواعد اللعبة، وإيران التي تدير معركة وجودية مع خصومها، تتكشّف هشاشة الدولة اللبنانية وعجزها عن الإمساك بقرار الحرب والسلم. وفي ظلِّ هذا المشهد، تعود تجربة 1982 لتطلّ كسؤالٍ تحذيري: أيُّ لبنان قد يخرج من الحرب المقبلة؟

من الاجتماعات التي أدت إلى مشروع اتفاق 17 أيار/مايو 1983: الظروف الإقليمية تغيرت الآن.

ملاك جعفر عباس*

على مدى خمسة عشر شهرًا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقول إنَّ “حزبَ الله” يُعيدُ بناءَ قدراته وإنَّ الدولة اللبنانية لم تَقُم بواجباتها لنزع سلاحه. وعلى مدى خمسة عشر شهرًا كان الشيخ نعيم قاسم يوافقه الرأي، مُردّدًا أنَّ حزبه تعافى وأنه لا يُقيمُ أيَّ وزنٍ لقرارات الحكومة بحصر سلاحه على كامل التراب اللبناني.

وفي إيران كان الخامنئي الأب والابن يُُُُعِدّان الخطّة “الشمشونية” مع حصانهما الأسود أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الإيراني، لمعركةٍ وجودية تُنسِفُ الإقليم ومَن فيه إن هُدِّدَ النظام. وفيما انشغل نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب برَسم خرائط النفوذ والمصالح من الهند الى جنوب السودان، كلٌّ لحساباته، كان التلعثم وتدوير الزوايا سيِّدا الموقف في لبنان. هكذا، وجد اللبنانيون أنفسهم في قلب معارك الاخرين الوجودية يُحدّقون بذهول في مصيرهم المجهول من دون التجرُّؤ على تغييره.

وقد كانت الفرصة سانحة أمام الدولة على مدى الأشهر الخمسة عشر لفرض احتكارها المشروع للعنف، لكنها فضّلت إدارة الأزمة بعقل المحلّل السياسي المتفرّج بدل الفاعل السيادي، وركنت لأنماطٍ مُكرَّرة من الأداء السياسي أثبتت فشلها، بدل التفكير في خطواتٍ جريئة تقلب الطاولة على إسرائيل و”حزب الله” معًا. فكانت النتيجة إعادة إنتاج المعادلة نفسها: “حزب الله” يملك زناد الحرب وإسرائيل تتحضّر لاجتياحٍ بري ل”إتمام المهمة”، والدولة أشبه ب”الكومبارس” في تراجيديا “الغضب الملحمي”.

منطق شارون بعضلات نتنياهو

هنا تفرض مقارنة 1982 نفسها، لا كاستعارة تاريخية مريحة، بل كمفتاحٍ لفهم الطريقة التي تُدار بها الحروب الإسرائيلية على لبنان: شيء يُقال في العلن، وشيءٌ آخر يُحضَّر في الخفاء ثم يتكشّف تدريجًا على الأرض. في رواية توماس فريدمان في كتابه “من بيروت إلى القدس”، لم تُبَع الحرب يومها للإسرائيليين، ولا حتى داخل الإطار الحكومي المعلن، بوصفها مشروعًا للوصول إلى بيروت وطرد منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تركيب السلطة اللبنانية على قياس إسرائيل. العنوان الذي قُدّم كان أكثر تواضعًا وانضباطًا: عملية محدودة هدفها إبعاد خطر منظمة التحرير الفلسطينية عن الحدود الشمالية لإسرائيل، أي ما عُرف بسلام الجليل. هذا هو السقف الذي أمكن تسويقه للرأي العام وقتها وللقسم المُتردِّد من الطبقة السياسية.

لكن فريدمان يشرح أنَّ الخطة التي كان يدفع بها أرييل شارون كانت أوسع بكثير من هذا العنوان المعلن: الوصول إلى بيروت، إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، تنصيب بشير الجميّل بوصفه الشريك اللبناني القادر على إعادة صوغ النظام، تحييد سوريا والخصوم المسلمين واليساريين في الداخل، ثم تحويل الإنجاز العسكري إلى معاهدة سلام مع لبنان. أي إنَّ الحرب لم تكن، في جوهرها، عملية أمنية محدودة انزلقت لاحقًا إلى أهدافٍ أكبر، بل مشروعًا لإعادة ترتيب لبنان نفسه، مع فارقٍ أنَّ هذا المشروع لم يكن قابلًا للبيع دفعة واحدة، فجرى تسويقه على جرعات تبدأ بعنوان دفاعي ضيّق وتنتهي في قلب العاصمة اللبنانية.

ما يعنينا اليوم في هذا الإسقاط ليس فقط أنَّ إسرائيل قالت إنها ستصل إلى أربعين كيلومترًا وانتهت في بيروت، بل أنَّ المنهج نفسه قد يتكرّر: هدفٌ مُعلَن أدنى من الغاية الفعلية، وسقفٌ سياسي محدود لتأمين الغطاء، ومسارٌ ميداني يتكفّل وحده بكشف الخطة الحقيقية. هنا بالضبط تُصبحُ المقارنة مع اللحظة الراهنة خطيرة إلى أقصى حد. فحين يجري اليوم تسريب حديث عن 7 كيلومترات منطقة عازلة، أو عن أهدافٍ محدودة جنوب الليطاني، أو عن ضغطٍ يُرادُ منه تحسين شروط التفاوض، لا يكفي أخذ هذه العناوين على ظاهرها. لأنَّ تجربة 1982 تقول إنَّ الحرب على لبنان لا تُفهَمُ من شعارها المعلن، بل من منطقها الداخلي: ماذا تريد إسرائيل أن تُنتج سياسيًا بعد النار؟ وإذا كان وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون قد أراد يومها طرد منظمة التحرير الفلسطينية وصناعة سلطة لبنانية تُوقّع سلامًا لم يعش، فإنَّ السؤال الآن ليس فقط إلى أين قد تصل الدبابات، بل أيّ لبنان تريد إسرائيل أن يخرج من هذه الحرب: لبنان منزوع السلاح الشيعي بالقوة؟ لبنان يُعادُ فيه فرز السلطة والتمثيل على وقع الهزيمة؟ أم لبنان يُدفَع إلى ترتيباتٍ سياسية وأمنية لم يَكُن ليقبلها لولا أنَّ الميدان سبق الطاولة وكتب شروطها بالنار؟ هذا هو لبّ المسألة، وهو ما يجعل 1982 ليس مرجعًا تاريخيًا، بل العمود الفقري لأيِّ قراءةٍ جدية لما يجري الآن.

الشرع في سوريا وشمشون في إيران

الفارق الجوهري بين 1982 و2026 هو أنّ اليد التي أسقطت مشروع اتفاق السلام الذي توصل إليه لبنان مع إسرائيل في 17 أيار (مايو) 1983 لم تعد موجودة بالشكل نفسه، لكنّها لم تُستبدل بفراغ. يومها رأى الرئيس السوري حافظ الأسد في الاتفاق محاولةً لانتزاع الورقة اللبنانية من يده، فتعامل معه بوصفه تهديدًا مباشرًا لموقع سوريا الإقليمي، ولعب كل أوراقه لإجهاضه: من الضغط العسكري والأمني، إلى تحريك الحلفاء في الداخل، إلى استخدام فائض النفوذ السوري في الدولة اللبنانية نفسها.

أمّا اليوم فالمشهد مختلف جذريًا. لا نظامَ أسديًّا يملك قرارَ التخريب من موقع الهيمنة على لبنان، ولا دمشق ترى في أيّ تفاوض لبناني ـإسرائيلي خطرًا وجوديًا على دورها كما فعلت في الثمانينيات الفائتة. على العكس، تبدو سوريا الجديدة نفسها في موقعٍ مُتقدّم من التفاوض مع إسرائيل، أو على الأقل في موقع إدارة النزاع معها ضمن قواعد مختلفة، فيما يُراد للبنان أن يلتحقَ بهذا المسار من موقع أضعف وتحت ضغط نار أكبر.

غير أنّ غياب العامل السوري المعطِّل لا يعني أنَّ الساحة اللبنانية باتت بلا وصيٍّ إقليمي أو بلا لاعبٍ خارجي مُمسك بمفاصلها. هنا يدخل العامل الإيراني، لكن على نحوٍ مختلف تمامًا عن النموذج السوري القديم. فسوريا الأسد كانت تدير الورقة اللبنانية من داخل الدولة ومؤسساتها وأجهزتها وشبكاتها المفتوحة، وكانت تريد قبل أي شيء منع لبنان من الخروج من قبضتها. أمّا إيران فهي لا تدير لبنان بالطريقة السورية ذاتها، بل عبر ذراع عسكريةـ عقائدية متجذّرة، تتحرّك ضمن منطق يفتح حربًا “شمشونية” عليه وعلى أعدائه وجيرانه من دون أيِّ حساب لليوم التالي. وهذا فارق بالغ الأهمية. ففي 1982 كان اللاعب السوري يسعى إلى إفشال الترتيب لأنَّ نجاحه يُضعف قبضته المباشرة على لبنان، أمّا اليوم فاللاعب الإيراني، المُنهمِك بإدارة المعركة من طهران إلى حارة حريك لا ينشغل أولًا بموقع لبنان في ذاته، بل بوظيفته داخل معركته الكبرى مع إسرائيل والولايات المتحدة. من هنا يصبح لبنان، في الحالة الإيرانية، أقلّ من ورقة تفاوض مستقلة وأكثر من جبهة إسناد متقدّمة، هو ساحة إشغال محروقة سيستخدمها حتى الرماد. فاللاعب الإيراني الغارق في الحرب قد لا يكون معنيًا بالدرجة الأولى بما إذا كان لبنان سيدخل لاحقًا في تفاوض مباشر أو في ترتيبات أمنية، بقدر ما يعنيه أولًا استخدام الجبهة اللبنانية لتحسين شروطه هو، أو لتثبيت سردية الصمود إذا توقفت الحرب عند حدود بقاء النظام. أي إنَّ إيران تستطيع، في لحظةٍ ما، أن تدّعي الانتصار لمجرّد أنّ النظام بقي، فيما يكون لبنان هو الذي دفع الكلفة الأفدح: أرضًا مدمّرة، وبيئة نازحة، ودولة أضعف، ومجتمعًا أقرب إلى التفكّك من دون أن يكون لديها القدرة على وضعه ضمن أية سلة تفاوض مقبلة.

ولهذا لا يمكن النظر إلى استعداد الدولة اللبنانية للذهاب إلى تفاوض مباشر أو إلى ترتيبات أمنية باعتباره تكرارًا آليًا لمحاولة 17 أيار (مايو) 1983. الظروف الإقليمية تغيّرت جذريًا. ما سقط ليس فقط النظام السوري السابق وخط امداده، بل أيضًا التوازن الذي كان يسمح للبنان بالاحتماء بتعارض الإرادات فوق أرضه. اليوم تتقلص تلك الهوامش. إسرائيل تضغط عسكريًا إلى الحد الأقصى لإنهاء الحالة العسكرية ل”حزب الله” في لبنان وتضغط في إيران لتغيير النظام في الحد الأقصى أو لدفعه للانكفاء داخل حدوده، فيما إيران تستخدم لبنان بوصفه جُزءًا من مسرح معركتها الكبرى لا بوصفه قضية قائمة بذاتها. وهذا يعني، ببساطة، أنَّ لبنان قد لا يواجه الآن سيناريو 1982 نفسه، بل سيناريو أشدّ قسوة: ليس لأنَّ إسرائيل ستكرر الخطة حرفيًا، بل لأنَّ البيئة الإقليمية التي كانت كفيلة بإفشال تحويل الإنجاز العسكري إلى ترتيبٍ سياسي لم تَعُد موجودة على الصورة التي عرفها لبنان سابقًا، بينما اللاعب الإيراني يربط مصير الساحة اللبنانية بإيقاع معركة أكبر منه ومن قدرته على الاحتمال.

  • ملاك جعفر عباس هي كاتبة ومحللة سياسية وإعلامية لبنانية حاورت شخصيات عربية وعالمية عدة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. وقد تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى