ما وراء الجدار: قراءةٌ في التحوُّلات العميقة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي
بينما ينشغل النقاش السياسي بإدارة الأزمات اليومية ومسارات التفاوض المتعثرة، تتشكل على الأرض حقائق جديدة تُعيد رسم معالم الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. والسؤال لم يعد ما الذي يحدث أمام الجدار، بل ما الذي تغيّر خلفه.

ناثان براون*
في النقاشات السياسية المتعلقة بإسرائيل وفلسطين، كثيرًا ما تواصل المفاهيم والأطر التفسيرية هيمنتها على الجدل العام حتى بعد أن تفقد قدرتها على وصف الواقع كما هو. فالأفكار التي صيغت لتفسير مرحلة معينة قد تستمر في توجيه النقاشات لسنوات، رغم أن الوقائع على الأرض تكون قد تجاوزتها بالفعل.
هذه الملاحظة ليست نظرية فحسب، بل تستند أيضًا إلى تجربة شخصية في متابعة التحوّلات السياسية وتحليلها. فغالبًا ما كانت الكتابات التي أثبتت قدرتها على الصمود أمام اختبار الزمن هي تلك التي بدت، عند نشرها لأول مرة، صعبة التصنيف أو مخالفة للمسلمات السائدة. وما إن تتحوّل هذه الأفكار لاحقًا إلى جُزءٍ من الحكمة المتداولة حتى تكون قد فقدت الكثير من قيمتها العملية، لأن اللحظة التي كان يمكن أن تؤثر فيها على مسار الأحداث تكون قد انقضت. فالتحليلات التي تظهر مبكرًا بما يكفي لتكون مؤثرة غالبًا ما تُقابَل بالتجاهل، بينما يصبح الاعتراف بصحّتها أسهل عندما يكون الوقت قد فات لتغيير المسار الذي حذّرت منه أو وصفته.
وكما هو حال كثير من المحللين، لم تخلُ قراءاتي من مواطن القصور أو قصر النظر. غير أنَّ التجربة تكشف نمطًا متكررًا يستحق التأمل: فالتحليلات التي سعت إلى تحسين الأطر السياسية القائمة من داخلها كانت الأقل قدرة على الصمود مع مرور الوقت، مقارنةً بتلك التي شكّكت في صلاحية هذه الأطر نفسها. والسبب أنَّ المفاهيم السياسية كثيرًا ما تعيش أطول من الوقائع التي وُلدت لتفسيرها، بحيث يبقى الخطاب العام أسير مصطلحات قديمة بينما تكون التحوّلات الفعلية قد أصبحت أمرًا واقعًا.
وقد تجسّد هذا النمط في سلسلةٍ من المقالات التي تناولت التحولات السياسية بعيدًا من اللغة التقليدية لـ”عملية السلام”. فمن الحديث عن تآكل أسس حل الدولتين وصعود “واقع الدولة الواحدة”، إلى مناقشة مسألة بناء الدولة الفلسطينية والحقائق السياسية الجديدة التي أخذت تتشكّل على الأرض، وصولًا إلى مقالات تناولت اقتراب إسرائيل من لحظة مفصلية تشبه في دلالاتها عام 1948. وبعد هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، اتجهت التحليلات إلى قراءة الواقع الناشئ في غزة والمنطقة من منظورٍ يتحدّى التصوّرات السائدة، محاولًا فهم الحقائق الجديدة بدلًا من التمسّك بالأفكار التي لم تعد قادرة على تفسيرها.
حين تعيش الأفكار أطول من الواقع
ولعلّ من بين أكثر مقالاتي التي بدت استشرافًا للمستقبل تلك التي أُنجزت بالشراكة مع زميل يتمتع بقدر كبير من البصيرة التحليلية، قبل أن تفرض اعتبارات مؤسسية عدم الإشارة إلى اسمه عند النشر. كانت تلك المقالة تتجاوز حدود النقاش المألوف، وهو ما ينسجم مع النمط ذاته الذي يتكرر في كثير من الأحيان: فبعض الأفكار تكتسب أهميتها ليس لأنها تنسجم مع أسئلة اللحظة الراهنة، بل لأنها تتجاوزها وتعيد صياغتها من أساسها. غير أنَّ هذا النوع من الحجج غالبًا ما يواجه التجاهل، لا بسبب ضعفه، بل لأنه يقع خارج الإطار الذهني السائد.
ولا يقتصر الأمر على تجربة شخصية. فخلال العقود الثلاثة الماضية، واجه عدد من أبرز الدراسات المتخصصة في الشأن الفلسطيني المصير ذاته. ففي كتابه الصادر عام 1998 بعنوان “السلام الآن أو حماس لاحقًا”، قدّم خليل الشقاقي تحذيرًا مبكرًا من مسارات كانت ملامحها قد بدأت تتشكل بالفعل. وبعد ذلك بعام، تناول تقرير يزيد صايغ والشقاقي حول تعزيز المؤسسات العامة الفلسطينية الاختلالات البنيوية الناشئة داخل السلطة الفلسطينية، مقدمًا مجموعة واسعة من المقترحات الإصلاحية. إلّا أنَّ برنامج الإصلاح الذي استلهم بعض أفكاره من ذلك التقرير أُعيد دمجه سريعًا في مسار سياسي كانت مرتكزاته الأساسية تتآكل تدريجًا. وهكذا تحوّل مفهوم “الإصلاح” من أداة لمعالجة المشكلات إلى آلية تُستخدم أحيانًا ضد الفئات التي كان يُفترض أن يستفيد منها.
وفي مرحلة لاحقة، شكّك طارق بكوني في الافتراض الشائع القائل إنَّ إدارة حركة “حماس” لقطاع غزة ستقود تلقائيًا إلى احتوائها أو ترويضها في المدى الطويل. كما عادت مجموعة الأزمات الدولية مرارًا إلى الإشارة إلى التناقض ذاته بين الخطاب السياسي والوقائع الميدانية، إلى حد استخدام استعارة مشابهة لتلك التي تصف “عملية السلام” بأنها مشروع فقد مضمونه بينما استمر الحديث عنه كما لو أنه ما زال قائمًا. بالنسبة إلى كثيرين ممن تابعوا التطورات على الأرض بالتوازي مع الخطاب الديبلوماسي، بدا هذا التناقض واضحًا بصورة يصعب تجاهلها.
ورُغم اختلاف هذه الدراسات في منطلقاتها واستنتاجاتها، فإنها اشتركت في سمة أساسية واحدة: التشكيك في مدى قدرة الإطار الفكري السائد على تفسير الواقع القائم. غير أنَّ هذا السؤال نادرًا ما وجد مكانًا له داخل الخطاب السياسي المهيمن. فاستمرت “عملية السلام” عنوانًا رئيسيًا للنقاش حتى بعد انحسار فرص تحقيق سلام فعلي. وظل حل الدولتين يمثل الأفق السياسي المرجعي في الوقت الذي كانت شروط قيامه تتآكل تدريجًا. واستمر الحديث عن بناء الدولة الفلسطينية بينما كانت مقومات السيادة الفعلية تتراجع. كما تحوّل “اليوم التالي” إلى محور للتخطيط السياسي المكثف رغم محدودية المؤشرات التي توحي بوجود إرادة حقيقية لدى الأطراف المعنية لتحقيقه.
وينطبق الأمر ذاته على المبادرات السياسية اللاحقة. فقد جرى التعامل مع خطة دونالد ترامب للسلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي، التي طُرحت في أيلول/سبتمبر 2025، من خلال ثنائية النجاح أو الفشل، في حين أنَّ تأثيرها الأكثر ترجيحًا كان يتمثل في إعادة تشكيل الواقع القائم وتعطيل مسارات أخرى محتملة، بصرف النظر عن قدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة.
بهذه الطريقة جرى استيعاب كثير من المؤشرات السلبية وإفراغها من مضمونها التحذيري. فقد وُصِفَت “عملية السلام” بأنها متعثّرة بعد سنوات من فقدانها مقومات الاستمرار، ووُصِفَ “الضم الزاحف” بأنه خطرٌ مستقبلي بعد أن أصبح واقعًا ملموسًا في أجزاء واسعة من الأرض الفلسطينية. وحتى عندما حظيت هذه التطورات باعتراف سياسي أو إعلامي، غالبًا ما قُدمت باعتبارها إنذارات لما قد يحدث لاحقًا، لا توصيفًا لما حدث بالفعل. ثم جرى استيعابها مجددًا داخل الخطاب القائم عبر الدعوة إلى المزيد من المفاوضات، والمزيد من الإصلاحات، والمزيد من بناء المؤسسات، والمزيد من الاستعجال السياسي، بدلًا من إعادة النظر في الافتراضات الأساسية التي تحكم فهم الواقع.
وتكرر المشهد مرارًا. فقد أصبح تآكل الثقة باتفاقيات أوسلو مبررًا لمضاعفة الجهود الرامية إلى إحياء العملية التي انبثقت عنها. وأصبح ضعف مؤسسات الدولة الفلسطينية حجة لمزيد من مشاريع بناء الدولة. وتحول استنفاد عملية السلام إلى سبب إضافي للمطالبة بإعادة إطلاقها. وبعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أصبح غياب أفق سياسي واضح مبررًا لتكثيف التخطيط لمرحلة “ما بعد الحرب” مع تجاهل متزايد للنوايا المعلنة للأطراف الفاعلة. وحتى عندما برزت مؤشرات على احتمال تعثر خطة ترامب الخاصة بغزة، استُخدمت هذه المؤشرات ذريعة للمطالبة بدفعها بقوة أكبر إلى الأمام. وفي السياق ذاته، حذر نيكولاي ملادينوف مؤخرًا من “تدهور الوضع الراهن”، مستعيدًا المنطق نفسه الذي حكم كثيرًا من المقاربات السابقة.
في جميع هذه الحالات، جرى التعامل مع الاتجاهات السلبية بوصفها تحذيرات يمكن احتواؤها بمجرد الاعتراف بها. فهي كانت تُقدَّم كإشارات إلى أنَّ الإطار السياسي القائم يواجه خطرًا متزايدًا ما لم يُدعَّم ويُرسَّخ أكثر، لكنها نادرًا ما استُخدمت للتساؤل عمّا إذا كان ذلك الإطار نفسه قد فقد صلاحيته بالفعل، أو ما إذا كانت المشكلة تكمن فيه لا في درجة الالتزام به.
ما الذي يغيب عن النقاش السياسي؟
إذا كان هذا النمط قد تكرّر مرارًا خلال العقود الماضية، فما الذي يغيب اليوم عن النقاش السياسي السائد؟ وما الذي يظل خارج دائرة الاهتمام بينما تنشغل الديبلوماسية الإقليمية بمتابعة التفاصيل اليومية، من الخطوات اللاحقة في خطة ترامب ذات النقاط العشرين إلى مسارات التفاوض بين إسرائيل ولبنان، في وقتٍ تبدو المنطقة بأسرها أسيرة دورة مفتوحة من الصراعات والحروب؟
ثمة مسألتان على الأقل تبدوان غائبتين عن صلب النقاش السياسي، رُغمَ أنهما ليستا غامضتين بالنسبة إلى أولئك الذين يعيشون يوميًا في ظل الواقع القائم بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. فبالنسبة إلى كثيرين ممن يواجهون هذا الواقع في حياتهم اليومية أو في عملهم السياسي والقانوني، لم تعد بعض القضايا موضع جدل نظري، بل أصبحت نقطة الانطلاق لأي نقاش جاد حول المستقبل. غير أنَّ هذه المسلمات تكاد تختفي بمجرد الانتقال إلى فضاء النقاش السياسي الرسمي.
أولى هاتين المسألتين تتعلق بمأزق المشروع الوطني الفلسطيني. فالقضية الفلسطينية، في جوهرها، لا تنتظر مجرد إصلاح إداري أو مؤسساتي، ولا تفتقر فقط إلى قيادة أكثر كفاءة أو إلى إعادة تنشيط الهياكل القائمة. المشكلة الأعمق تتمثل في تآكل المشروع السياسي الذي قامت هذه المؤسسات أصلًا لخدمته. وقد وصف يزيد صايغ هذا الواقع بالحديث عن “الموت الثالث” للسياسة الفلسطينية، فيما وصفته أنا من زاوية أخرى باعتباره حالة “فلسطينيين بلا فلسطين”: شعب ما زال حاضرًا، وهوية وطنية ما زالت متماسكة، لكن البنية السياسية التي يفترض أن تترجم هذه الهوية إلى مشروع وطني فاعل تعرضت للتآكل التدريجي.
ورغم ذلك، يواصل النقاش السياسي الدوران داخل الحلقة ذاتها. فكلما برزت أزمة جديدة، عادت الأسماء والمقترحات نفسها إلى الواجهة: مروان البرغوثي بوصفه رمزًا وطنيًا قادرًا على استعادة الشرعية الشعبية، وسلام فياض باعتباره نموذجًا للإصلاح الإداري وبناء المؤسسات، إلى جانب الدعوات المتكررة إلى الإصلاح التكنوقراطي والتجديد المؤسسي. وكأن المعضلة الأساسية تكمن في العثور على القائد المناسب أو الصيغة الإدارية الأكثر كفاءة لإدارة المرحلة المقبلة، لا في التساؤل عما إذا كان المشروع السياسي نفسه ما زال يمتلك أفقًا واضحًا يمكن أن يقود الفلسطينيين نحوه. فالنقاش ينشغل بمن سيتولى القيادة أكثر مما ينشغل بالسؤال عن الوجهة التي يُفترض أن تقود إليها هذه القيادة.
أما المسألة الثانية فتتعلق بطبيعة الواقع القائم على الأرض. فما يُقدَّم في كثير من الأحيان باعتباره خطرًا مستقبليًا أو احتمالًا ينبغي تفاديه، يراه عدد متزايد من المراقبين واقعًا قائمًا بالفعل. ولا يزال جزء كبير من النقاش السياسي يتعامل مع رفض إسرائيل لحل الدولتين بوصفه موقفًا سياسيًا مؤقتًا يمكن تغييره أو تعديله عبر الضغوط أو المفاوضات. غير أنَّ ما يتشكل على الأرض يوحي بأنَّ القضية تجاوزت منذ وقت طويل حدود المواقف التفاوضية، لتصبح جزءًا من بنية حكم متكاملة تنظم الأرض والقانون والحركة والأمن والتمثيل السياسي وفق معادلات تكرّس السيطرة الإسرائيلية وتحرم الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم الوطنية الجماعية. وبذلك، لا يتعلق الأمر باحتمال مستقبلي بقدر ما يتعلق بواقع قائم تتحدد في ظله حياة ملايين الفلسطينيين يوميًا.
ولا يعني ذلك أنَّ هذه القراءة فوق النقاش أو أنها تحظى بإجماع كامل. فالمسألة ليست في صحة هذه الأطروحات أو خطئها بقدر ما هي في غيابها شبه الكامل عن النقاشات السياسية الرسمية. فهي غالبًا لا تُفند ولا تُناقش، بل يجري تجاوزها أو تجاهلها. وفي كثير من الأحيان، تُفسَّر مثل هذه القراءات على أنها محاولة متأخرة لتبرير أحداث وقعت بالفعل. غير أن هذا النوع من الردود نادرًا ما يجيب عن السؤال الأهم: كيف يمكن للتحليل السياسي أن يكون مفيدًا إذا لم يسعَ إلى وصف التحولات قبل أن تتحول إلى حقائق راسخة؟
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى العاملين داخل الأطر السياسية التقليدية باعتبارهم متشائمين أو محدودي الرؤية. فكثير منهم يمتلك خبرة واسعة ومعرفة دقيقة ويؤدي أدوارًا ضرورية في إدارة الأزمات والحد من تداعياتها. كما إنَّ الاختلاف لا يتعلق بامتلاك بصيرة استثنائية بقدر ما يتعلق باختلاف زاوية النظر. فصانعو السياسات والمنخرطون في العمل الديبلوماسي ينظرون غالبًا إلى العقبات المباشرة ويحاولون منع الاصطدام بها، وهو جهد مهم في حد ذاته. لكن بعض أشكال التحليل يتطلّب النظر إلى ما وراء العقبات الآنية، نحو الاتجاه العام الذي تتحرك فيه الأحداث.
ومن هذا المنظور، قد يكون التطور الأكثر أهمية اليوم هو أنَّ الأفق السياسي نفسه تغيّر، بينما لا يزال جزء كبير من الجهد الديبلوماسي منصبًّا على إدارة تفاصيل المشهد القديم. فبينما ينشغل الفاعلون السياسيون بإصلاح التصدعات الظاهرة في الجدار القائم، تكون ملامح المشهد خلف ذلك الجدار قد تبدلت بالفعل.
حين تصبح الخريطة أقدم من الواقع
ولا يقتصر الأمر على الإحباط من محدودية النقاش السياسي الراهن، بل يعكس مشكلة أعمق في منهجية تحليل السياسات. فغالبًا ما تحظى التقديرات التي تساعد صناع القرار على فهم الخريطة القائمة بالترحيب والقبول، لأنها تقدم أدوات عملية للتعامل مع الواقع كما يُفترض أنه موجود. أما التحليلات التي تطرح احتمالًا أكثر إزعاجًا —وهو أنَّ الخريطة نفسها لم تعد تعكس الواقع الفعلي— فغالبًا ما تبقى على هامش النقاش، حتى يصبح تجاهلها مستحيلًا.
في نهاية المطاف، لا تكمن صعوبة التحليل السياسي في تشخيص انهيار الأطر السائدة بعد وقوعه، بل في التقاط إشارات التآكل الأولى قبل أن تصبح واضحة للجميع. فعندما ينهار إطار سياسي أو ديبلوماسي بصورة لا لبس فيها، تتكشّف مواطن ضعفه تلقائيًا، ويتحول ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه قراءة متشائمة أو مبالغ فيها إلى حقيقة مقبولة على نطاق واسع.
أما اللحظة الأكثر تعقيدًا فتأتي قبل ذلك بكثير؛ حين لا تزال المصطلحات المألوفة تحتفظ بجاذبيتها، وتواصل الاجتماعات الدولية انعقادها، وتبقى المسارات الديبلوماسية قائمة شكليًا، فيما تستمر الافتراضات القديمة في توجيه النقاش السياسي رغم أن الواقع الذي استندت إليه بدأ يتغير بالفعل. في تلك المرحلة، تبدو اللغة السائدة مطمئنة، وتمنح الفاعلين السياسيين شعورًا بالاستمرارية والاستقرار، حتى عندما تكون المؤشرات المتراكمة توحي بأنَّ التحوّلات الأعمق تسير في اتجاه مختلف.
وفي مثل هذه اللحظات تحديدًا تبرز أهمية التحليل الذي يتجاوز حدود المألوف، لا لأنه يمتلك قدرة استثنائية على التنبؤ، بل لأنه يطرح سؤالًا مختلفًا: هل ما زالت المفاهيم التي تنظّم النقاش السياسي قادرة على تفسير الواقع كما هو، أم أنها أصبحت جزءًا من المشكلة نفسها؟ غير أنَّ هذا النوع من الأسئلة نادرًا ما يجد ترحيبًا في وقته. فكلما كان التحليل أبكر في رصد التحولات، ازداد ابتعاده عن اللغة التي اعتادها صانعو القرار والفاعلون السياسيون.
ولهذا السبب، لا تُقاس قيمة بعض التحليلات بمدى قبولها عند نشرها، بل بقدرتها على رؤية التحوُّل قبل أن يتحول إلى أمر واقع. فالتحدي الحقيقي ليس في وصف العالم بعد أن يتغير، بل في ملاحظة التغيير بينما لا يزال معظم النقاش منشغلًا بالدفاع عن خرائط لم تعد تعكس تضاريسه الفعلية.
- ناثان براون هو زميل أول غير مقيم في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، وأستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، باحث مرموق ومؤلف لتسعة كتب في السياسة والحكم العربي، بالإضافة إلى كونه محررًا لخمسة كتب.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.