كأس العالم 2026: عشرةُ مُنتَخبات… وعشرةُ أحلام
تسجل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حضورها الأكبر في تاريخ كأس العالم مع مشاركة عشرة منتخبات في نسخة 2026. لكن خلف هذا الرقم القياسي تتوارى قصص وطموحات متباينة، إذ يدخل كل منتخب البطولة وهو يحمل حلمه الخاص وتعريفه الخاص للنجاح.

محمد زين الدين*
بين 11 حزيران (يونيو) الجاري و19 تموز (يوليو) المقبل، تتجه أنظار العالم إلى الولايات المتحدة والمكسيك وكندا التي تستضيف معًا النسخة الثالثة والعشرين من نهائيات كأس العالم لكرة القدم، في بطولةٍ تحمل أكثر من سابقة تاريخية. فهي المرة الأولى التي تُقام فيها النهائيات بمشاركة 48 منتخبًا، كما إنها تمثل اختبارًا جديدًا لقدرة اللعبة الأكثر شعبية في العالم على توسيع حضورها الجغرافي وتعزيز تنافسيتها على نطاق أوسع.
لكن من بين التحوُّلات التي تبرز في هذه النسخة، يلفت الانتباه الحضور غير المسبوق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمع تأهُّل عشرة منتخبات إلى النهائيات، تسجل المنطقة أكبر تمثيل لها في تاريخ كأس العالم، سواء من حيث العدد المطلق أو نسبة المشاركين إلى إجمالي عدد المنتخبات. ولا يعكس هذا الحضور توسُّع البطولة فحسب، بل يعبّر أيضًا عن التحوّلات العميقة التي شهدتها كرة القدم في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعةً باستثمارات متزايدة في البنية التحتية الرياضية، وبرامج تطوير المواهب، والاستفادة من الطاقات الكروية في مجتمعات الشتات المنتشرة حول العالم.
وتأتي المنتخبات العربية ومنتخبات المنطقة إلى البطولة وهي تحمل قصصًا وتجارب مختلفة. فبالنسبة إلى بعض الدول، يبقى مجرد بلوغ النهائيات إنجازًا تاريخيًا يؤكّد تطوُّر اللعبة محليًّا ويمنحها فرصة الظهور على أكبر مسرح كروي في العالم. أما بالنسبة إلى دول أخرى، فقد تجاوزت الطموحات مرحلة المشاركة وأصبحت مرتبطة بمدى القدرة على المنافسة وتكرار الإنجازات التي شهدتها نسخ سابقة، سواء عبر بلوغ الأدوار الإقصائية أو الذهاب أبعد من ذلك.
ومهما اختلفت الظروف والطموحات، فإنَّ المنتخبات العشرة تشترك في حقيقة واحدة: أنَّ كأس العالم لم تعد مجرّد بطولة رياضية بالنسبة إليها، بل أصبحت أيضًا منصّة لقياس التقدم الذي أحرزته كرة القدم في المنطقة، واختبارًا لقدرة المشاريع الرياضية الوطنية على ترجمة سنوات من الاستثمار والعمل المؤسسي إلى نتائج ملموسة على أرض الملعب. ولهذا السبب، فإنَّ مفهوم النجاح في هذه النسخة لن يكون واحدًا للجميع، بل سيتحدد وفقًا لتوقعات كل منتخب وخلفيته الكروية ومسار تطوره خلال السنوات الماضية.
الجزائر: طموح استعادة أمجاد 2014
تدخل الجزائر البطولة وهي تحمل واحدة من أكثر القواعد الجماهيرية اتساعًا وتأثيرًا في المنطقة، سواء داخل البلاد أو بين الجاليات الجزائرية الكبيرة المنتشرة في أوروبا. فبالنسبة إلى كثير من الجزائريين، لا تمثل كرة القدم مجرّد نشاطٍ رياضي، بل إحدى أبرز أدوات التعبير عن الهوية الوطنية والارتباط بالوطن عبر الأجيال والحدود.
ويحتل منتخب “محاربي الصحراء” موقعًا متقدّمًا بين منتخبات المنطقة في التصنيف الدولي، مستندًا إلى قاعدة واسعة من اللاعبين المحترفين في الدوريات الأوروبية. غير أنَّ المعيار الذي تُقاسُ به إنجازات المنتخب ما زال مرتبطًا بما حققه في مونديال البرازيل عام 2014، عندما قدم أحد أفضل عروضه التاريخية وبلغ دور الستة عشر قبل أن يودّع البطولة بشق الأنفس أمام ألمانيا، التي مضت لاحقًا نحو التتويج باللقب.
ومنذ ذلك الحين، ظل السؤال مطروحًا حول قدرة الجزائر على إعادة إنتاج ذلك الجيل أو الاقتراب من مستواه التنافسي. وتبدو المهمة أكثر تعقيدًا اليوم في ظل ارتفاع سقف التوقعات داخل المنطقة، خصوصًا بعد الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في مونديال قطر. ولذلك لن يُنظر إلى مجرد المشاركة باعتبارها نجاحًا كافيًا، بل سيُقاس أداء المنتخب بقدرته على تجاوز الدور الأول والعودة إلى دائرة المنافسة في الأدوار الإقصائية.
وتزداد أهمية هذا التحدي في مجموعة تضم الأرجنتين والأردن والنمسا، حيث تبدو المنافسة مفتوحة على بطاقات التأهل خلف المنتخب الأرجنتيني المرشح الأبرز. ومن هنا، فإنَّ قدرة الجزائر على التعامل مع المباريات الحاسمة قد تكون العامل الفاصل في تحديد مسارها في البطولة.
مصر: بين ثقل التاريخ وطموحات الحاضر
رغم احتفاظ مصر بمكانتها بوصفها أنجح المنتخبات الأفريقية على مستوى بطولة كأس الأمم الأفريقية، فإنَّ هذا التفوُّق القاري لم ينعكس بالقدر نفسه على سجلّها في كأس العالم. فالمشاركات المصرية في النهائيات بقيت محدودة ومتباعدة، ما جعل المونديال يمثل دائمًا تحديًا مختلفًا عن المنافسات القارية.
وتأتي المشاركة الحالية بعد غياب عن نسخة قطر 2022، حاملة معها آمالًا كبيرة لدى جماهير تعتبر أنَّ الوقت قد حان لترجمة المكانة التاريخية لكرة القدم المصرية إلى حضور أكثر تأثيرًا على الساحة العالمية. وسيبقى محمد صلاح محور الاهتمام الإعلامي والجماهيري، ليس فقط بسبب مكانته الدولية، بل لأنه يجسد إلى حد بعيد طموح المنتخب في تحويل التألق الفردي إلى مشروع جماعي قادر على المنافسة.
وبالنسبة إلى بلد يتجاوز عدد سكانه 120 مليون نسمة، فإنَّ التأهُّل إلى النهائيات لا يُنظر إليه بوصفه نهاية المطاف. فوجود منتخبات مثل بلجيكا وإيران ونيوزيلندا في المجموعة يمنح المصريين فرصة واقعية للتفكير في تجاوز الدور الأول، خصوصًا في ظلِّ النظام الجديد الذي يتيح لبعض أصحاب المركز الثالث مواصلة المشوار. لكن تحقيق هذا الهدف قد يتطلب من “الفراعنة” تحقيق ما استعصى عليهم طويلًا: تسجيل أول انتصار مصري في تاريخ مشاركات كأس العالم.
إيران: كرة القدم في ظل السياسة
على خلاف كثير من منتخبات المنطقة، تدخل إيران البطولة وهي تستند إلى خبرة واسعة في المنافسات العالمية، بعدما أصبحت من أكثر المنتخبات الآسيوية حضورًا واستقرارًا على مستوى التأهُّل إلى كأس العالم خلال العقد الأخير.
غير أنَّ المنتخب الإيراني نادرًا ما يظهر على الساحة الرياضية بمعزل عن السياق السياسي المحيط به. ففي بلدٍ تشكّل فيه كرة القدم إحدى أهم المساحات المشتركة بين مختلف شرائح المجتمع، تتحوّل المباريات الكبرى أحيانًا إلى مرآة للتوترات السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.
وتكتسب المشاركة الحالية بُعدًا إضافيًا مع إقامة البطولة في أميركا الشمالية، وفي ظلِّ استمرار التوتر بين طهران وواشنطن. كما إنَّ إقامة بعض المباريات في مدن تضم جاليات إيرانية كبيرة تضيف طبقة أخرى من الحساسية السياسية والإعلامية التي قد تحيط بالمنتخب خارج المستطيل الأخضر.
أما من الناحية الفنية، فما زالت إيران تحتفظ بمكانتها كأحد أقوى منتخبات القارة الآسيوية وأكثرها استقرارًا. وتمنحها المجموعة التي تضم بلجيكا ومصر ونيوزيلندا فرصة واقعية للتنافس على إحدى بطاقات التأهل، خصوصًا في ظل خبرتها الكبيرة في إدارة مباريات المجموعات. ولذلك فإنَّ تجاوز الدور الأول يبدو هدفًا ممكنًا، بل إنَّ كثيرًا من المتابعين يرون أنَّ المنتخب يمتلك من الخبرة والتنظيم ما يؤهله للذهاب أبعد من ذلك إذا ما نجح في استثمار الفرص المتاحة في الأدوار الإقصائية.
العراق: عودة بعد أربعة عقود
بالنسبة إلى العراق، تحمل المشاركة الحالية طابعًا مختلفًا تمامًا. فمرّت أربعة عقود على الظهور الوحيد للمنتخب في نهائيات كأس العالم، وهي فترة شهدت تحوّلات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة داخل البلاد. بل إنَّ معظم لاعبي الجيل الحالي لم يكونوا قد ولدوا عندما شارك العراق للمرة الأولى في مونديال المكسيك عام 1986.
وخلال تلك السنوات، بقي المنتخب الوطني أحد الرموز القليلة القادرة على توحيد العراقيين بمختلف انتماءاتهم السياسية والطائفية والقومية. ففي بلدٍ عانى انقسامات وأزمات متلاحقة، ظلت كرة القدم مساحة نادرة يلتقي حولها الجميع، وهو ما يمنح هذه المشاركة بُعدًا يتجاوز النتائج الرياضية المباشرة.
ويواجه “أسود الرافدَين” تحديًا كبيرًا في مجموعة تضم منتخبات قوية مثل فرنسا والنروج والسنغال. ومع ذلك، فإنَّ النظام الجديد للبطولة يفتح الباب أمام فرص إضافية للتأهُّل، خصوصًا للمنتخبات القادرة على تقديم أداء منظَّم والانضباط تكتيكيًا أمام المنافسين الأقوى.
ولهذا السبب، قد لا يُقاس نجاح العراق بعدد النقاط أو مدى التقدُّم في البطولة فحسب، بل بقدرته على إثبات حضوره التنافسي واستعادة مكانته على الساحة الدولية بعد غيابٍ طويل. فمجرّد العودة إلى هذا المستوى تمثل محطة مهمة في مسار كرة القدم العراقية، أما تحقيق نتائج إيجابية فسيمنح هذه العودة بُعدًا تاريخيًا إضافيًا.
الأردن: الحلم الذي أصبح حقيقة
بالنسبة إلى الأردن، فإنَّ مجرّد الوجود في نهائيات كأس العالم يمثل لحظة تاريخية في مسيرة كرة القدم الوطنية. فبعد عقود من المحاولات والاقتراب من التأهُّل في أكثر من مناسبة، ينجح المنتخب الأردني أخيرًا في بلوغ أكبر محفل كروي عالمي، ليمنح بلدًا لا يتجاوز عدد سكانه 11.5 مليون نسمة إنجازًا رياضيًا طال انتظاره.
ويأتي هذا التأهُّل تتويجًا لمسارٍ تصاعدي شهدته الكرة الأردنية خلال السنوات الأخيرة، تُرجِمَ في الوصول إلى نهائي كأس آسيا وتحقيق نتائج لافتة على المستوى الإقليمي. كما يعكس ظهور جيل جديد من اللاعبين القادرين على المنافسة في مستويات أعلى مما اعتادت عليه الكرة الأردنية تاريخيًا.
وتتجاوز أهمية المشاركة حدود المستطيل الأخضر. ففي بلد يشهد تحوّلات اجتماعية واقتصادية متسارعة، ما زالت كرة القدم إحدى المساحات القليلة القادرة على إنتاج شعور جماعي بالانتماء والوحدة الوطنية. ولهذا فإنَّ الإنجاز بحد ذاته يحمل قيمة رمزية كبيرة، بغضِّ النظر عن النتائج التي قد يحققها المنتخب في البطولة.
أما من الناحية الفنية، فتظل التوقعات أكثر تحفّظًا. فوجود الأردن في مجموعة تضم الأرجنتين والجزائر والنمسا يضعه أمام اختبار صعب في أول ظهور مونديالي له. وإذا نجح “النشامى” في تقديم عروض تنافسية وانتزاع نقاط من أحد منافسيه، فسيُنظر إلى مشاركتهم باعتبارها خطوة تأسيسية مهمة. أما التأهل إلى الدور التالي فسيُشكّل بلا شك أحد أعظم الإنجازات في تاريخ الرياضة الأردنية الحديثة.
المغرب: من مفاجأة إلى قوة راسخة
يصل المغرب إلى كأس العالم وهو يحمل وضعًا مختلفًا تمامًا عن معظم منتخبات المنطقة. فبعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، عندما أصبح أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ الدور نصف النهائي، لم يعد يُنظَر إلى “أسود الأطلس” بوصفهم فريقًا قادرًا على صنع المفاجآت فقط، بل كأحد المنتخبات التي فرضت نفسها ضمن دائرة المنافسة العالمية.
وقد عزّزت النتائج التي تلت ذلك هذا الانطباع. فالمغرب لم يكتفِ بالاستفادة من زخم قطر، بل واصل بناء مشروعه الكروي مستندًا إلى مزيجٍ من المواهب المحلية واللاعبين المتحدّرين من أصول مغربية في أوروبا، إلى جانب بنية مؤسسية أصبحت تُعَدُّ من بين الأكثر تطوُّرًا في أفريقيا والعالم العربي.
ولهذا السبب، لم يعد السؤال المطروح يتعلق بإمكانية تجاوز دور المجموعات، بل بمدى قدرة المنتخب على الحفاظ على مستواه أمام كبار المنافسين في الأدوار المتقدمة. فالتحدي الحقيقي أمام المغرب يتمثل في إثبات أن ما حدث في قطر لم يكن استثناءً تاريخيًا، بل جزءًا من مسارٍ طويل الأمد يعكس نهضة كروية متكاملة.
وحتى لو بدا المغرب مرشحًا قويًا لتجاوز مجموعة تضم البرازيل واسكتلندا وهايتي، فإنَّ الأنظار ستتجه بالدرجة الأولى إلى ما يمكن أن يحققه بعد ذلك. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في العبور من الدور الأول، بل في القدرة على تكرار الحضور القوي أمام كبار المنتخبات في الأدوار المتقدمة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع اقتراب استضافة المغرب لكأس العالم 2030. فكلُّ إنجازٍ جديد سيُعزّز صورة البلد بوصفه أحد المراكز الصاعدة في كرة القدم العالمية، وسيمنح مشروعه الرياضي مزيدًا من المصداقية والزخم.
قطر: من الاستضافة إلى المنافسة
بعد أن ارتبط اسم قطر باستضافة نسخة 2022، تدخل هذه المرة البطولة من زاوية مختلفة تمامًا. فبدل أن تكون الدولة المضيفة، يعود المنتخب القطري إلى المسار التقليدي عبر التصفيات، وهو ما يمنح مشاركته الحالية أهمية خاصة في تقييم تطوُّر المشروع الكروي الذي استثمرت فيه الدوحة لعقود.
فخلال السنوات الماضية، ضخّت قطر استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرياضية وأكاديميات تطوير المواهب، كما عززت حضورها في كرة القدم العالمية عبر شراكات واستثمارات متعددة. ويبقى السؤال المطروح اليوم هو مدى قدرة المنتخب الوطني على ترجمة هذه الجهود إلى نتائج ملموسة في أكبر اختبار كروي ممكن.
وتبدو المجموعة التي تضم كندا وسويسرا والبوسنة والهرسك فرصة مناسبة لإظهار هذا التطور. فهي تجمع بين مدارس كروية مختلفة، لكنها لا تبدو مغلقة أمام المنتخب القطري إذا نجح في استثمار خبرته القارية وتقديم المستوى الذي أظهره في أفضل فتراته خلال السنوات الأخيرة.
ومن هذا المنطلق، قد لا يُقاس نجاح قطر بمدى تقدمها في البطولة فقط، بل بقدرتها على تحقيق أول انتصار في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم وإثبات أنَّ مشروعها الكروي بات قادرًا على إنتاج منتخب تنافسي، لا مجرد بنية تحتية عالمية المستوى.
المملكة العربية السعودية: مشروع طويل الأمد
تُمثّلُ السعودية حالة مختلفة داخل المشهد الكروي الإقليمي. فالتطوُّر الذي تشهده كرة القدم السعودية خلال السنوات الأخيرة لا يُنظر إليه باعتباره مشروعًا رياضيًا منفصلًا، بل جُزءًا من رؤيةٍ أوسع تهدف إلى تعزيز الحضور الدولي للمملكة في مجالات متعددة، من بينها الرياضة.
وتأتي المشاركة الحالية في وقتٍ تستعد المملكة لاستضافة كأس العالم 2034، ما يجعل كل ظهور للمنتخب الوطني جزءًا من عملية بناء طويلة الأمد. ومن هذا المنظور، لن تُقاس نتائج “الصقور الخضر” فقط بما يتحقق في البطولة الحالية، بل أيضًا بمدى التقدم الذي يحرزه الفريق في مسار إعداده للمستقبل.
ويمنح التاريخ الكروي السعودي المنتخب قاعدة من الخبرة لا تتوافر لكثير من منتخبات المنطقة. فمنذ ظهوره الأول اللافت في مونديال 1994، أصبح المنتخب السعودي أحد أكثر المنتخبات العربية حضورًا في النهائيات، وإن ظلت نتائجه متذبذبة بين نسخة وأخرى.
ورغم صعوبة المهمة أمام منافسين أقوياء، فإنَّ المنتخب السعودي أثبت مرارًا قدرته على تحقيق مفاجآت أمام فرق تفوقه تصنيفًا وإمكانات. ولذلك سيُنظر إلى بلوغ الأدوار الإقصائية باعتباره الهدف الواقعي والأكثر انسجامًا مع حجم المشروع الكروي الجاري تطويره داخل المملكة.
وسيكون هذا الطموح على المحك في مجموعة تضم إسبانيا وأوروغواي والرأس الأخضر. فبينما تبدو إسبانيا المرشح الأبرز، تبقى المنافسة على بقية المراكز مفتوحة، وهو ما يمنح “الصقور الخضر” فرصة واقعية للبحث عن إحدى بطاقات التأهل إذا نجحوا في تكرار قدرتهم المعهودة على مفاجأة المنتخبات الأعلى تصنيفًا.
تونس: البحث عن الخطوة التالية
تدخل تونس البطولة وهي تحمل خبرة طويلة في المشاركة بكأس العالم، لكنها تحمل أيضًا إرثًا من الفرص الضائعة. فـ”نسور قرطاج” نجحوا مرارًا في الظهور بصورة مشرفة ومنافسة خصوم أقوى منهم، لكنهم لم يتمكنوا حتى الآن من تحقيق الاختراق الذي ينقلهم إلى مرحلة جديدة في تاريخ مشاركاتهم المونديالية.
وتأتي المشاركة الحالية في ظل أوضاع داخلية معقدة تعيشها البلاد منذ سنوات، ما يجعل المنتخب الوطني أحد الرموز القليلة القادرة على توحيد اهتمام التونسيين واستقطاب مشاعر الفخر الجماعي. وقد ظهر ذلك بوضوح في الانتصارات الرمزية التي حققها المنتخب في النسخ الأخيرة، والتي منحت الجماهير لحظات نادرة من الإجماع الوطني.
ومن الناحية الفنية، يعتمد المنتخب التونسي تقليديًا على الانضباط والتنظيم والقدرة على تقليص الفوارق مع المنافسين الأقوى. وهي صفات قد تكون ذات قيمة كبيرة في بطولة موسعة تتيح فرصًا إضافية للمنتخبات القادرة على انتزاع النتائج في المباريات الحاسمة.
ومع ذلك، يبقى الهدف الأكبر واضحًا: بلوغ الأدوار الإقصائية للمرة الأولى في تاريخ تونس بكأس العالم. ولن تكون المهمة سهلة في مجموعة تضم هولندا واليابان والسويد، لكنها تبدو أكثر قابلية للتحقيق في ظل النظام الموسع للبطولة، الذي يمنح المنتخبات المنظمة والمقاتلة فرصًا إضافية لمواصلة المشوار.
تركيا: عودة منتظرة وطموحات مرتفعة
تدخل تركيا كأس العالم وهي تحمل شعورًا مزدوجًا من الارتياح والطموح. فغياب المنتخب التركي عن النسخ الخمس الأخيرة من البطولة بدا لسنوات طويلة مفارقة يصعب تفسيرها في بلد تُعدّ فيه كرة القدم جزءًا أساسيًا من الثقافة الشعبية، ويملك دوريًا محليًا جماهيريًا عريقًا وقاعدة واسعة من اللاعبين القادرين على المنافسة في أبرز الدوريات الأوروبية.
ولذلك، لم يُنظر إلى التأهُّل الحالي باعتباره إنجازًا استثنائيًا بقدر ما اعتُبر عودة إلى المكان الطبيعي الذي يرى كثير من الأتراك أنَّ منتخبهم يستحقه. فقد ظل الغياب الطويل مصدر إحباط لجماهير اعتادت رؤية بلادها حاضرة في البطولات الكبرى، خصوصًا في ظل الإمكانات البشرية والفنية التي تمتلكها الكرة التركية.
ومع ذلك، فإنَّ العودة إلى كأس العالم لا تعني بداية صفحة جديدة فحسب، بل تعيد أيضًا إلى الواجهة المقارنات مع أبرز لحظة في تاريخ المنتخب، عندما حقق المركز الثالث في مونديال كوريا الجنوبية واليابان عام 2002. ولا يزال ذلك الإنجاز حاضرًا بقوة في الذاكرة الجماعية، كما إنه يشكّل المرجعية التي تُقاس بها طموحات الأجيال اللاحقة، حتى وإن تغيّرت ظروف اللعبة وتوازنات المنافسة العالمية منذ ذلك الحين.
وتبدو تركيا اليوم أكثر نضجًا وخبرة مما كانت عليه خلال فترات سابقة، مستفيدة من جيل يجمع بين الخبرة الدولية والقدرات الفنية العالية. ولهذا السبب، فإنَّ سقف التوقعات لا يقتصر على تقديم مشاركة مشرفة، بل يمتد إلى المنافسة الجدية على بلوغ الأدوار الإقصائية.
كما إنَّ طبيعة المجموعة التي تضم الولايات المتحدة وباراغواي وأوستراليا تمنح المنتخب التركي فرصة واقعية لتحقيق هذا الهدف. فالمجموعة تبدو متوازنة نسبيًا، وتتيح لتركيا إمكانية المنافسة على أحد المراكز المؤهلة إذا نجحت في الحفاظ على استقرارها الفني واستثمار خبرة لاعبيها في المباريات الحاسمة.
وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى عدم تجاوز الدور الأول بوصفه نتيجة مخيبة للآمال قياسًا إلى الإمكانات المتاحة والطموحات المعلنة. أما الوصول إلى الأدوار الإقصائية فسيُعدّ خطوة أولى نحو استعادة المكانة التي يعتقد كثير من الأتراك أن منتخبهم افتقدها طويلًا على الساحة العالمية.
وتكتسب المشاركة التركية بُعدًا إضافيًا مع إقامة بعض المباريات على الأراضي الأميركية، حيث يُتوقع أن تحظى المواجهات التي تجمع المنتخب بخصومه باهتمام إعلامي وجماهيري واسع يتجاوز أحيانًا الإطار الرياضي البحت. ويبدو أنَّ المباراة المرتقبة أمام الولايات المتحدة في لوس أنجليس مرشحة لأن تكون واحدة من أكثر مباريات دور المجموعات متابعة، ليس فقط لأهميتها التنافسية، بل أيضًا لما قد تحمله من أبعاد رمزية وإعلامية تعكس الحضور المتزايد لكرة القدم في التفاعلات الدولية المعاصرة.
******
وبغضِّ النظر عن النتائج التي ستحققها المنتخبات العشرة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، فإنَّ وجود هذا العدد غير المسبوق من منتخبات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في نهائيات كأس العالم يُعدّ بحد ذاته مؤشرًا إلى التحوُّلات التي شهدتها كرة القدم في المنطقة خلال العقدين الأخيرين.
فبين دولٍ تسعى إلى تثبيت مكانتها بين القوى الكروية الصاعدة، وأخرى تخوض أولى تجاربها على المسرح العالمي، تعكس هذه المشاركة الجماعية أثر الاستثمارات المتزايدة في تطوير المواهب والبنية التحتية الرياضية والعمل المؤسسي طويل الأمد. كما تكشف عن الدور المتنامي للاعبين المنحدرين من أصول عربية أو شرق أوسطية والناشطين في أبرز الدوريات العالمية.
ومع اتساع البطولة إلى 48 منتخبًا، تبدو الفرصة متاحة أمام عدد أكبر من منتخبات المنطقة لتحقيق إنجازات غير مسبوقة. لكن التحدي الحقيقي لن يقتصر على ما سيحدث في صيف 2026، بل على قدرة هذه الدول على تحويل المشاركة المتزايدة إلى حضور مستدام في البطولات الكبرى، وإلى بناء أجيال جديدة قادرة على المنافسة بصورة منتظمة على أعلى المستويات.
وعندها فقط يمكن القول إنَّ الزيادة القياسية في عدد المنتخبات المشاركة لم تكن مجرد نتيجة لتوسُّع كأس العالم، بل انعكاسًا لنهوض كروي حقيقي تشهده المنطقة.
- محمد زين الدين هو مراسل “أسواق العرب” في واشنطن.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.