الخليج العربي بين الرَدعِ والارتِياب: هل تُعيدُ الضرباتُ الإيرانية رَسمَ مُعادَلةِ الأمنِ الإقليمي؟
كشفت الضربات الإيرانية الأخيرة هشاشةَ التوازن الأمني في الخليج، وأعادت طرحَ سؤالٍ جوهري حول مدى قدرة المظلة الأميركية على ضمان الاستقرار في منطقة تزداد توترًا. وبين الحاجة إلى الردع وتجنُّب الحرب، تجد دول الخليج نفسها أمام اختبارٍ استراتيجي صعب قد يُعيدُ تشكيل حساباتها الأمنية.

أنجي عُمَر*
أدّت الهجمات الإيرانية التي استهدفت مواقع في دول الخليج، ردًّا على الضربة الأميركية–الإسرائيلية التي طالت إيران في 28 شباط (فبراير)، إلى زعزعة التوازُن الدقيق الذي حكم المشهد الإقليمي خلال السنوات الماضية. ففي لحظةٍ واحدة، وجدت دول الخليج نفسها أمام معادلة أمنية أكثر هشاشة وتعقيدًا. ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي يواجه قادتها اليوم: هل ما زال بإمكانهم الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية كما في السابق، أم أنَّ التطوّرات الأخيرة تفرض إعادة تقييم شاملة لمنظومتهم الدفاعية واستراتيجيتهم الأمنية؟
طوال عقود، تعاملت حكومات الخليج مع إيران باعتبارها منافسًا استراتيجيًا، لكن هذا التنافس ظل محكومًا بقواعد غير مُعلَنة حدّت من تحوله إلى مواجهة مباشرة. فقد تجلّى غالبًا عبر صراعاتٍ بالوكالة، وضغوطٍ سياسية، ومساراتٍ ديبلوماسية متوترة. غير أنَّ الهجمات الأخيرة كسرت هذا النمط. فاستهدافُ مواقع مُتعدِّدة داخل الخليج شكّل رسالة واضحة بأنَّ طهران مستعدة لنقل المواجهة إلى قلب المراكز الاقتصادية والسياسية في المنطقة. ونتيجةً لذلك، يجد القادة في الرياض وأبوظبي والدوحة وسواها من العواصم الخليجية أنفسهم أمام واقعٍ استراتيجي جديد: ضرورة التعامل مع الضغوط الإيرانية المتصاعدة، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنّب الانزلاق إلى حربٍ إقليمية واسعة النطاق.
إيران تنقل المواجهة إلى قلب الخليج
سلّط التصعيد الأخير مع إيران، الذي يأتي في سياق مواجهة متصاعدة بينها وبين كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، الضوء على هشاشة الموقع الأمني لدول الخليج، على الرغم من استضافتها قواعد عسكرية أميركية وأنظمة دفاع متطورة. ففي خضم هذا التوتر، بدت تصرفات طهران وكأنها تعكس امتلاكها ما يمكن تسميته “خيار شمشون” الخاص بها، وهو تعبير يُستعار عادةً من العقيدة النووية الإسرائيلية التي تفترض اللجوء إلى أقصى وسائل الردع في حال التعرّض لتهديد وجودي. ويعود أصل المصطلح إلى قصة شمشون في العهد القديم، حين أسقط الهيكل على نفسه وعلى أعدائه بعد أن أصبح عاجزًا. وفي السياق الإيراني، يعكس هذا المنطق استعداد طهران لاستخدام أدوات غير تقليدية وغير متوقعة في المواجهة، خصوصًا عندما تكون قدرتها على مجابهة الولايات المتحدة وإسرائيل مباشرةً محدودة. ومن هذا المنطلق، بدت الهجمات على جيرانها في الخليج بمثابة محاولة لنقل كلفة الصراع إلى أطراف أخرى، حتى وإن كانت العواقب المحتملة على إيران نفسها جسيمة.
بالنسبة إلى دول الخليج، تبدو المُعضِلة الاستراتيجية واضحة ومقلقة في آن واحد. فالردُّ الضعيف على الهجمات الإيرانية قد يفسَّر باعتباره دعوة ضمنية لمزيد من التصعيد، بينما قد يؤدي الردُّ القوي إلى توسيع رقعة الصراع الإقليمي. وعلى الرُغم من الاستثمارات الضخمة التي ضخّتها هذه الدول في تطوير قدراتها الدفاعية خلال السنوات الماضية، فإنها تظلُّ عُرضةً لطيفٍ واسع من الأدوات العسكرية الإيرانية، من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة إلى القدرة على تعطيل حركة الملاحة البحرية في الممرات الحيوية. هذه المعادلة المعقدة تجعل قرار الانخراط في مواجهة مباشرة أكثر صعوبة مما قد يبدو ظاهريًا، وهو ما يفسر الحذر الشديد الذي أبداه قادة الخليج في تعاملهم مع الأزمة حتى الآن.
وفي هذا السياق، كشف لي ديبلوماسي أميركي، طلب عدم الكشف عن هويته، أنَّ حكوماتٍ خليجية تواصلت مع واشنطن لإجراء مشاورات عاجلة. غير أنَّ هذه الاتصالات تأتي في لحظة تُعيدُ فيها العديد من دول الخليج تقييم طبيعة اعتمادها على الولايات المتحدة. فعلى مدى عقود، شكّلت المظلة الأمنية الأميركية العمود الفقري لاستراتيجيات الدفاع الخليجية. لكن سلسلة من التطوّرات خلال السنوات الأخيرة —بدءًا من الرد الأميركي المحدود على الهجمات التي استهدفت البنية التحتية في الخليج، وصولًا إلى تحولات الأولويات الاستراتيجية لواشنطن على المستوى العالمي— أثارت تساؤلات متزايدة حول مدى استدامة هذه الضمانة الأمنية.
وفي موازاة ذلك، تشير تقارير إلى أنَّ قوى خليجية رئيسة، بينها السعودية والإمارات والكويت وقطر، دخلت في مشاورات رفيعة المستوى بشأن مستقبل ترتيباتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وتشمل هذه المناقشات طيفًا واسعًا من الملفات، من صفقات التسلح والتعاون الدفاعي إلى مشاريع الطاقة والبنية التحتية. وتعكس هذه التحركات اتجاهًا أوسع في التفكير الاستراتيجي الخليجي، حيث يتجه القادة بشكل متزايد إلى تنويع شراكاتهم الدولية وتقليل الاعتماد على شريك أمني واحد، في محاولة لبناء منظومة توازنات أكثر مرونة في بيئة إقليمية تتسم بتزايد عدم اليقين.
إعادة تقييم المظلة الأميركية وتنويع الشراكات
لا يعني هذا التقييم المُتجدّد أنَّ دول الخليج تتجه إلى فكِّ ارتباطها بالولايات المتحدة. بل قد يكون العكس هو الصحيح. فالهجمات الإيرانية الأخيرة قد تدفع هذه الدول إلى تعزيز اعتمادها على واشنطن، إذ أعادت التذكير بحجم التهديد الذي تُمثّله القدرات العسكرية الإيرانية. فترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إلى جانب قدرتها على تعطيل خطوط الشحن واستهداف البنية التحتية للطاقة، تفوق إلى حدٍّ كبير ما تستطيع أي دولة خليجية التعامل معه منفردة. ومن المرجح، في ظلِّ هذه المعطيات، أن تتجه دول الخليج إلى تعميق التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة خلال المرحلة الحالية، باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على توفير منظومات ردع عسكرية متقدِّمة وشبكات دفاع متكاملة قادرة على مواجهة القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية. وفي الوقت نفسه، سيواصل قادة الخليج بهدوء البحث عن سُبُل لتقليل اعتمادهم المفرط على التحوّلات المتقلبة في أولويات السياسة الأميركية.
ومع ذلك، يبقى مستقبل هذا التوازن الدقيق غير محسوم. فمن جهة، قد يمنح تنويع الشراكات الدولية دول الخليج قدرًا أكبر من المرونة الاستراتيجية، ويحدّ من تأثرها بالتغيّرات الجيوسياسية المفاجئة. لكن من جهة أخرى، قد يثير هذا النهج حساسيات لدى القوى الكبرى إذا ما فُسّر على أنه مؤشّرٌ على تراجع الالتزام بالتحالفات القائمة. وسيعتمد الكثير على قدرة قادة الخليج على إدارة شبكة علاقاتهم الدولية المعقدة من دون إضعاف قوة الردع التي توفرها شراكتهم الأمنية مع واشنطن. وبذلك، لا يقتصر التحدي على مسألة تنويع الشركاء فحسب، بل يمتد إلى التساؤل عما إذا كان هذا التنويع قادرًا بالفعل على تعزيز الأمن الإقليمي، أم أنه سيكشف حدود استراتيجية تحاول طمأنة أطراف متعددة في آنٍ واحد.
وفي هذا السياق، تبدو المملكة العربية السعودية لاعبًا محوريًا في تحديد مسار المرحلة المقبلة. فبوصفها أكبر دول الخليج وأكثرها تأثيرًا سياسيًا واقتصاديًا، فإنَّ طبيعة ردها على الضربات الإيرانية ستُسهِمُ في رسم اتجاهات المنطقة بأسرها. ويجد القادة السعوديون أنفسهم أمام معادلة دقيقة تتطلّب موازنة اعتبارات عدة متزامنة: الحفاظ على شراكتهم الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتجنُّب الانزلاق إلى مواجهةٍ مباشرة مع إيران، وفي الوقت نفسه حماية البنية التحتية النفطية الحيوية التي لا تزال تشكل ركيزةً أساسية للاقتصادين السعودي والعالمي.
في الوقت الراهن، تتمثل الأولوية الملحّة لدول الخليج في احتواء التصعيد ومنع تحوّل المواجهة إلى صراعٍ أوسع، مع ضمان حماية البنية التحتية الحيوية للطاقة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. ولا تزال تجربة العام 2019 حاضرة بقوة في الذاكرة الاستراتيجية للمنطقة، حين استهدفت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة منشآت النفط السعودية في بقيق وخريص. فقد أدى ذلك الهجوم، الذي نُسب إلى إيران أو إلى حلفائها من جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن، إلى خفض إنتاج المملكة النفطي مؤقتًا بنحو النصف، ما أحدث صدمة في أسواق الطاقة العالمية. واليوم، أعادت الضربات الإيرانية الأخيرة إحياء المخاوف ذاتها، إذ يخشى صناع القرار في الخليج من احتمال تكرار سيناريو مماثل إذا ما اتسعت رقعة المواجهة في المنطقة.
وفي المحصّلة، قد تُمثّلُ الأزمة الحالية نقطة انطلاق لتحوُّلٍ تدريجي في التفكير الأمني لدول الخليج. فبدل السعي إلى استبدال الشراكة مع الولايات المتحدة، يبدو أنَّ هذه الدول تتجه إلى إعادة صياغتها وتكييفها مع واقعٍ إقليمي ودولي أكثر تعقيدًا. ويتمثّل الهدف في الحفاظ على المظلة الأمنية التي توفرها واشنطن، مع العمل في الوقت نفسه على توسيع هامش الخيارات الديبلوماسية والاستراتيجية المتاحة. وسيكون مدى قدرة دول الخليج على إدارة هذا التوازن الدقيق عاملًا حاسمًا في رسم معالم بنية الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
- أنجي عُمَر هي رئيسة تحرير موقع “صدى”، المنصة التحليلية التابعة لمؤسسة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. وهي صحافية دولية بارزة، ومحررة، ومنتجة، وكاتبة، تتمتع بخبرة واسعة في مجالي الأخبار والسياسة.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.