حربُ إيران ومَأزَقُ الصين

كابي طبراني*

التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لا يُمثّلُ مجرّدَ أزمةٍ جديدة في الشرق الأوسط، بل يضعُ الصين أيضًا أمامَ اختبارٍ استراتيجي مُعَقَّد. فالحربُ الدائرة ضد الجمهورية الإسلامية تُهدّدُ مصالح بكين الحيوية في الطاقة والتجارة، وتضع طموحاتها المتنامية في المنطقة –ولا سيما عبر مبادرة “الحزام والطريق”– أمامَ واقعٍ جيوسياسي شديد الاضطراب.

فالصين، التي أصبحت أكبر مستورد للنفط في العالم، تعتمدُ بدرجةٍ كبيرة على إمدادات الطاقة الآتية من الخليج. وتُشيرُ التقديرات إلى أنَّ ما بين 50 و60 في المئة من وارداتها النفطية يأتي من هذه المنطقة الحسّاسة. وأيُّ اضطرابٍ واسع في الخليج، أو في الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز الذي تمرُّ عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، يُمكِنُ أن ينعكسَ مباشرةً على أمن الطاقة الصيني وعلى استقرار الاقتصاد العالمي.

لكن أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى بكين لا تقتصر على النفط. فالمنطقة تُشكّلُ أيضًا حلقةً مركزية في شبكة الطرق والممرات التجارية التي تسعى الصين إلى تطويرها عبر مبادرة “الحزام والطريق”. فمنذ إطلاق هذه المبادرة عام 2013، وضعت بكين هدفًا طموحًا يتمثّل في إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية عبر شبكة واسعة من السكك الحديدية والموانئ والمناطق الصناعية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.

وفي هذا التصوُّر الجيو-اقتصادي، تحتلُّ إيران موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية. فهي تقع عند تقاطُعٍ استراتيجي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وتركيا وأوروبا، وتمتلك منافذ بحرية تطلُّ على الخليج وبحر عُمان. وهذا الموقع يجعلها مُرَشَّحة لأن تكون عقدةً مهمّة في الممرّات البرية التي قد تربط الصين بالأسواق الأوروبية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط.

من هنا جاء توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل لمدة 25 عامًا بين الصين وإيران عام 2021، وهي اتفاقية تحدّثت عن آفاق تعاون طويلة الأمد في مجالات الطاقة والبنية التحتية والصناعات المختلفة. وقد رأت طهران في هذا الاتفاق فرصةً لتعزيز شراكتها مع قوة اقتصادية كبرى قادرة على تخفيف أثر العقوبات الغربية، بينما نظرت بكين إليه كجُزءٍ من استراتيجيتها الأوسع لتعزيز حضورها الاقتصادي في منطقةٍ ذات أهمّية حيوية لاقتصادها.

غير أنَّ التطوّرات اللاحقة أظهرت أنَّ العلاقة بين البلدين أكثر تعقيدًا وأقل دراماتيكية مما تصوّر البعض. فالصين، رُغمَ توسيع تعاونها الاقتصادي مع إيران وشراء كميات كبيرة من نفطها، ظلّت حذرة في تحويل هذه العلاقة إلى تحالفٍ سياسي أو أمني واضح. فالعقوبات الدولية المفروضة على إيران، إضافةً إلى المخاطر المُرتبطة بالاستثمار في بيئةٍ إقليمية مضطربة، جعلت العديد من الشركات الصينية تتعامل مع السوق الإيرانية بدرجةٍ كبيرة من الحذر.

كما إنَّ بكين لا تنظرُ إلى إيران بمعزلٍ عن بقية الشرق الأوسط. فقد عملت خلال السنوات الأخيرة على بناءِ شبكةٍ واسعة من العلاقات الاقتصادية مع معظم دول المنطقة، بما في ذلك السعودية والإمارات وتركيا وإسرائيل. بل إنَّ بعضَ أكبر الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والطاقة في الشرق الأوسط يجري تنفيذها في دول الخليج، التي تُعَدُّ أيضًا من أهم مورّدي النفط للصين.

هذا التشابك في العلاقات الاقتصادية يجعل الصين حريصةً على الحفاظ على توازُنٍ دقيق بين مختلف الأطراف الإقليمية. فهي لا ترغب في الانحياز الكامل إلى إيران، كما إنها لا تريد المخاطرة بعلاقاتها الاقتصادية المتنامية مع الدول العربية في الخليج. ولهذا السبب غالبًا ما تكتفي بكين بالدعوة إلى التهدئة والحلول الديبلوماسية، مع تجنُّب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية.

لكن هذا النهج البراغماتي يواجه اليوم اختبارًا متزايد الصعوبة. فالمصالح الاقتصادية الصينية في الشرق الأوسط أصبحت واسعة إلى درجةٍ تجعلُ الاستقرار الإقليمي مسألة تمسُّ أمنها الاقتصادي بشكلٍ مباشر. فطرق التجارة التي تسعى بكين إلى تطويرها، وإمدادات الطاقة التي يعتمد عليها اقتصادها، تمرُّ عبر منطقةٍ لا تزالُ عُرضةً لأزماتٍ متكرّرة وصراعات جيوسياسية حادة.

وفي هذا السياق، تكشف الحرب الأميركية-الإسرائيلية الجارية مع إيران مفارقة أساسية في صعود الصين العالمي. فبكين استطاعت خلال العقود الماضية توسيع نفوذها الاقتصادي بسرعة كبيرة، لكنها تجنّبت إلى حدٍّ بعيد تحمُّل الأعباء الأمنية والسياسية التي ارتبطت تقليديًا بدور القوى العظمى. لقد فضلت الصين بناء الطرق والموانئ وخطوط السكك الحديدية بدلًا من بناء التحالفات العسكرية أو القواعد الأمنية الواسعة.

غير أنَّ الشرق الأوسط يظلُّ منطقةً يصعبُ فيها الفصل بين الاقتصاد والسياسة. فالممرّات التجارية تحتاجُ إلى بيئةٍ مستقرّة كي تعمل بكفاءة، والاستثمارات الكبرى تحتاج إلى حدٍّ أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي. وهذا ما يجعل الأزمات الإقليمية، مثل الحرب ضد إيران، اختبارًا حقيقيًا للنموذج الذي اعتمدته الصين في توسيع نفوذها العالمي.

بالنسبة إلى طهران، تُمثّلُ الصين شريكًا اقتصاديًا مهمًّا يوفّر لها مُتنَفَّسًا في ظل العقوبات الغربية. فالسوق الصينية أصبحت الوجهة الرئيسة للنفط الإيراني، كما إنَّ التعاون الاقتصادي مع بكين يمنح طهران هامشًا أوسع للمناورة في مواجهة الضغوط الدولية. لكن العلاقة بين البلدين تبقى في جوهرها علاقة غير متكافئة، إذ إنَّ إيران تعتمد على الصين اقتصاديًا بدرجةٍ أكبر بكثير مما تعتمد الصين على إيران.

أما بالنسبة إلى بكين، فإنَّ إيران ليست سوى جُزءٍ من صورةٍ إقليمية أوسع بكثير. فمبادرة “الحزام والطريق” تقوم أساسًا على فكرة تنويع الممرّات والطرق التجارية، بحيثُ لا تعتمد الصين على مسارٍ واحد أو دولةٍ واحدة. ولهذا السبب عملت بكين خلال السنوات الأخيرة على تطوير ممرّاتٍ بديلة عبر آسيا الوسطى وباكستان ودول الخليج، في محاولةٍ لتقليل المخاطر المرتبطة بالاضطرابات الجيوسياسية.

ومع ذلك، فإنَّ الأزمة الحالية تفرضُ على الصين مُواجهة واقع جديد. فكلّما توسّعت مصالحها الاقتصادية في مناطق حسّاسة مثل الشرق الأوسط، ازدادت صعوبة الفصل بين النفوذ الاقتصادي والمسؤوليات السياسية والأمنية. فالممرات التجارية لا يمكن حمايتها بالاستثمارات وحدها، كما إنَّ شبكات الطاقة والتجارة العالمية تبقى عُرضةً لتقلبات السياسة والصراعات.

وهنا يكمن جوهر المأزق الذي تكشفه الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران بالنسبة إلى بكين. فالصين نجحت حتى الآن في بناء نفوذٍ عالمي واسع عبر الاقتصاد والتجارة، لكنها لا تزال تحاول تجنّب الانخراط في الترتيبات الأمنية والسياسية التي رافقت تقليديًا دور القوى العظمى.

غير أنَّ استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط قد يجعل هذا التوازن أكثر صعوبة في المستقبل. فكلّما اتسعت المصالح الصينية خارج حدودها، ازدادت الضغوط عليها للعب دور سياسي وأمني أكبر في المناطق التي تمرُّ عبرها طرق تجارتها ومصادر طاقتها.

وفي هذا المعنى، قد لا تكون الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران مجرّد أزمة إقليمية جديدة، بل لحظة كاشفة في مسار صعود الصين العالمي. فهي تطرح سؤالًا استراتيجيًا قد يرافق بكين في السنوات المقبلة: هل يمكن لقوة اقتصادية عظمى أن تحمي مصالحها المتنامية في عالمٍ مضطرب من دون أن تتحوّلَ تدريجًا إلى قوة جيوسياسية كاملة الأدوار؟

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى