نهايةُ الهَيبَة: هل بدأَ أُفولُ “حزب الله”؟

بعد عقود من القوة والنفوذ، يجد الحزب نفسه محاصرًا عسكريًا وسياسيًا وماليًا، في لحظة قد تعيد رسم ميزان القوى في لبنان.

الشيخ نعيم قاسم: إلى أين يأخذ الحزب؟

دانيال بايمان*

انضمَّ “حزب الله”، الذراع الأبرز لإيران في لبنان، إلى المواجهة المتصاعدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مُطلِقًا صواريخ وطائرات مُسيَّرة على مواقع عسكرية إسرائيلية، في خطوةٍ قال إنها ردٌّ على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين في طهران. لم يتأخّر الرد الإسرائيلي، إذ استهدفت تل أبيب بسرعة قيادات أمنية في الحزب، فاغتالت رئيس جهاز استخباراته وقصفت مواقع عسكرية تابعة له داخل لبنان. وتصاعدت وتيرة المواجهة أكثر عندما دفعت إسرائيل، يوم الثلاثاء، بتعزيزاتٍ برية إضافية إلى جنوب لبنان، بالتوازي مع تحذيراتٍ وجهتها إلى سكان نحو 80 قرية بضرورة الإخلاء تحسُّبًا لتوسُّع العمليات العسكرية.

غير أنَّ المواجهة مع “حزب الله” لن تكون معركة سهلة بالنسبة إلى إسرائيل. فالحزب ما زال مُتجذّرًا بعمق في البنية السياسية والاجتماعية اللبنانية، فيما يُشكّلُ ضعفُ مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش اللبناني والنظام السياسي المُنقسم، عاملًا يحدُّ من قدرة لبنان على كبح نفوذه أو تقويض قوته العسكرية.

كما أظهر الحزب قدرةً لافتة على التكيُّف مع ظروف الحرب. فمع سقوط عدد من قادته في الضربات الإسرائيلية، يعمد إلى ترقية قيادات بديلة بسرعة وإعادة توزيع عملياته العسكرية على وحدات متعددة، ما يُقلّل من تأثير الضربات القيادية. إضافةً إلى ذلك، لا يزال يمتلك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والقذائف، فيما تبقى احتمالات لجوئه إلى عمليات خارجية قائمة، كما فعل في مراحل سابقة من صراعه مع إسرائيل.

في الواقع، تخوض إسرائيل مواجهة مع “حزب الله” منذ أكثر من أربعة عقود. وعلى امتداد هذه السنوات، تراوحت المواجهة بين ضربات محدودة وعمليات عسكرية واسعة النطاق، شملت قصفًا كثيفًا وغزوات محدودة داخل الأراضي اللبنانية. ومع ذلك، نجحت الجماعة الشيعية في الصمود والبقاء لاعبًا عسكريًا وسياسيًا مؤثرًا رغم الضربات المتكررة التي تعرضت لها.

لكن “حزب الله”، الذي وصفه مسؤول أميركي رفيع المستوى ذات مرة بأنه “فريق نخبة من الإرهابيين”، لم يعد كما كان. فمنذ عام 2023 تلقّى الحزب ضربات قاسية نتيجة الهجمات الإسرائيلية، فيما سقط حليفه الإقليمي الأبرز، نظام الأسد. كما تضرّرت إيران، داعمته الرئيسة، بفعل الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية المتواصلة منذ حزيران (يونيو) الماضي، إلى جانب اضطرابات داخلية تضغط على نظامها. وفي الداخل اللبناني، بدأ خصوم الحزب، الذين طالما خضعوا لسطوته الشعبية وقدرته على الردع، يرفعون صوتهم مجددًا. سياسياً، يبدو “حزب الله” اليوم في أضعف حالاته منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي.

ومع ذلك، فإنَّ ضعفَ الحزب لا يعني هزيمته. فهو يمرّ بمرحلةٍ حرجة، لكن قدراته لم تُستنزف بالكامل. من هنا ترى واشنطن وتل أبيب وحلفاؤهما الإقليميون أنَّ الظرف الراهن يتيح فرصة لزيادة الضغط عليه مستفيدين من تراجع نفوذ إيران. غير أنَّ تقليص قوة الحزب ونفوذه بشكل دائم يتطلب أكثر من ضربات عسكرية؛ إذ يحتاج إلى ضغط متواصل، واستثمار طويل الأمد في مؤسسات الدولة اللبنانية، ولا سيما الجيش، إضافة إلى مقاربة ديبلوماسية حذرة.

من جيش إلى ميليشيا

بدأت عملية “حزب الله” لما سماه “إسناد غزة” في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، في اليوم التالي للهجوم الذي شنّته “حماس” على إسرائيل. وبعد سنواتٍ من المواجهات المتقطّعة، دخل الطرفان في تبادل ضربات محدودة استمر أشهرًا عدة. لكن في أيلول (سبتمبر) 2024 صعّدت إسرائيل عملياتها، فاستهدفت عناصر الحزب عبر تفجير متفجرات مخبأة في أجهزة النداء اللاسلكي الخاصة بهم، ما أدى إلى مقتل أو إصابة أكثر من ألف عنصر. تبع ذلك موجة غارات جوية على مواقع عسكرية للحزب واغتيالات طالت قيادات بارزة، أبرزهم الأمين العام السيد حسن نصر الله، قبل أن تتوغل القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.

كشفت هذه المواجهة حدود القدرات العسكرية للحزب، إذ بدت ترسانته الصاروخية وقواته أقل فعالية مما كان يُعتقد. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 وافق الحزب على وقف إطلاق النار، الذي نصّ على سحب قواته من جنوب نهر الليطاني، على بعد نحو 32 كيلومترًا من الحدود الإسرائيلية، لتحلّ محلها وحدات من الجيش اللبناني.

وقد أقرّ الشيخ نعيم قاسم، الذي خلف نصر الله في قيادة الحزب، بأنَّ “حزب الله” تكبّد نحو 18 ألف ضحية خلال المعارك، بينهم خمسة آلاف قتيل. كما أعلنت إسرائيل أنها دمّرت نحو 80 في المئة من ترسانة الصواريخ التابعة للحزب. وإلى جانب هذه الخسائر المادية، برزت خسائر أخرى أقل وضوحًا، تتعلق بالقيادة والرمزية؛ فخليفة نصر الله يفتقر إلى الكاريزما والنفوذ اللذين تمتع بهما سلفه. ووفق توصيف المحللة اللبنانية حنين غدار، فإن “حزب الله تحوّل من جيش إلى ميليشيا”.

ومع ذلك، لم يفقد الحزب كل قدراته. فحتى بعد انتهاء المعارك، لا يزال يمتلك ما يقدَّر بنحو 25 ألف صاروخ وقذيفة، إضافة إلى ما بين 40 و50 ألف مقاتل بدوام كامل أو جزئي، فضلاً عن قوات احتياطية. وهو ما يعني أنَّ المواجهة معه، رغم تراجع قوته، ما زالت بعيدة من نهايتها.

بعد وقف إطلاق النار، أبقت إسرائيل على خمسة مواقع عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وواصلت قصف مواقع تابعة ل”حزب الله” بشكلٍ دوري، وهو ما اعتبره الحزب انتهاكًا واضحًا للهدنة. غير أنَّ ردّه ظلَّ محدودًا إلى حدٍّ كبير. فمنذ الاتفاق على وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 وحتى اندلاع الحرب مع إيران في شباط (فبراير) 2026، لم يُقدِم الحزب على ردودٍ مؤثّرة على العمليات الإسرائيلية، على ما يبدو لقناعته بأنَّ التصعيد لن يكونَ مُجديًا وقد يستدعي ردًا إسرائيليًا أعنف. إلّا أنَّ هذا النهج المتحفّظ ترك أثرًا سلبيًا على صورة الحزب داخل قاعدته الشعبية، إذ إنَّ “حزب الله”، في نهاية المطاف، يُعرّف نفسه بوصفه جُزءًا من حركة مقاومة لإسرائيل.

ولم تقتصر خسائر الحزب على الجانب العسكري أو الرمزي، بل امتدت إلى المجال المالي. ففي العام 2024 استهدفت إسرائيل فروعًا ل”بنك” (جمعية القرض الحسن) المرتبط بالحزب، في محاولة لضرب بنيته المالية. وفي الوقت نفسه، فرضت الحكومة اللبنانية، تحت ضغط أميركي، قيودًا إضافية على المؤسسات المالية المرتبطة به. وفي المقابل، ارتفعت نفقات الحزب بصورة ملحوظة، مع حاجته إلى تجنيد مقاتلين جدد، وإعادة تسليح وحداته، وتأمين الدعم لعائلات القتلى. ووفق ما أفادت صحيفة “العرب الجديد”، اضطر “حزب الله” إلى تجميد أو خفض المدفوعات التي يقدمها لمقاتليه ولعائلاتهم.

قلة الأصدقاء، وكثرة الأعداء

تفاقمت متاعب الحزب مع تراجع الدعم الذي كان يتلقاه من حلفائه الإقليميين. ففي كانون الأول (ديسمبر) 2024 سقط نظام الأسد في سوريا، وهو الحليف الذي وفّر للحزب دعمًا سياسيًا وعسكريًا لعقود، لتأتي حكومة جديدة تتخذ موقفًا معارضًا له. وقد فرضت السلطات السورية الجديدة قيودًا صارمة على تدفق السلاح إلى لبنان، كما شددت حملتها على تجارة المخدرات التي كانت تمثل أحد مصادر التمويل للحزب. وفي تطور آخر، أدّى اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى قطع “حزب الله” عن إحدى النقاط الرئيسية التي اعتمد عليها في شبكات التهريب الدولية.

لا تزال إيران تؤكّد التزامها بدعم “حزب الله”، غير أنها تجد نفسها اليوم في موقعٍ دفاعي. فقبل العام 2023 كانت طهران تقدّم للحزب نحو 700 مليون دولار سنويًا، وهو مبلغٌ كان يشكّل الجزء الأكبر من ميزانيته. أما اليوم، فيبدو من الصعب عليها الاستمرار في هذا المستوى من الدعم. فقد تضرّرت البنية التحتية الإيرانية نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية، بينما يعاني اقتصادها من ركود حاد بفعل سوء الإدارة والعقوبات الدولية. وخلال السنوات الثماني الماضية تراجعت القدرة الشرائية للإيرانيين بأكثر من 90 في المئة، فيما فجّرت أزمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة موجة احتجاجات في كانون الثاني (يناير) قُمعت بعنف وأودت بحياة آلاف المتظاهرين.

وفي ظلِّ هذه الضغوط، قد تجد الحكومة الإيرانية المقبلة نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في حجم دعمها ل”حزب الله”. وحتى إذا بقيت السلطة بيد رجال الدين أو المتشددين من الحرس الثوري، فإنَّ الضائقة المالية قد تدفعها إلى تقليص المساعدات، أو حتى وقفها جُزئيًا، ولا سيما إذا جاء ذلك في إطار تفاهم محتمل لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد استند الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تبرير حربه، إلى دور طهران في دعم ما وصفه ب”الميليشيات الإرهابية”، في إشارةٍ واضحة إلى شبكة حلفائها الإقليميين، وفي مقدمهم “حزب الله”.

إلى جانب الضغوط المالية، يواجه الحزب أزمة متفاقمة في مجال الاستخبارات المضادة. فالهجمات الإسرائيلية التي شملت تفجيرات أجهزة النداء والاتصالات، إضافة إلى سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قياداته، كشفت حجم الاختراق الذي تمكنت إسرائيل من تحقيقه داخل صفوفه، وهو اختراق يشبه إلى حد كبير ما حققته أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية داخل إيران نفسها. ويجد الحزب نفسه اليوم أمام مهمة شاقة تتمثل في كشف شبكات التجسس داخله وتأمين منظومة اتصالاته، وهي عملية معقدة حتى في أوقات السلم، وتصبح أكثر صعوبة تحت ضغط المواجهة المستمرة. ونتيجة لذلك، يواجه قادته صعوبات متزايدة في التواصل والتنسيق، فضلًا عن تآكل الثقة داخل بنيته التنظيمية.

في الداخل اللبناني، تبدو الفصائل السياسية المنافسة أكثر استعدادًا لتحدي الحزب. فقد انتشرت القوات المسلحة اللبنانية في جنوب البلاد لتتولى مهمة نزع سلاح وحداته هناك واستبدالها، وهي خطوة كان من الصعب تصوّرها قبل العام 2023. كما قامت وحدات من الجيش بتفتيش منازل بحثًا عن أسلحة تابعة للحزب، استجابةً لضغوط إسرائيلية. وإلى جانب ذلك، بات الجيش اللبناني يسيطر على مطار بيروت، الذي استخدمه الحزب لسنوات لنقل الأسلحة والإمدادات جوًا.

وشهد الخطاب السياسي اللبناني تحوّلات لافتة في هذا السياق. ففي تشرين الثاني (نوفمبر)، كسر الرئيس اللبناني جوزيف عون أحد المحظورات السياسية عندما أقرّ بأن بلاده “لا تملك خيارًا سوى التفاوض مع إسرائيل”، سواء في ما يتعلق بترسيم الحدود أو ربما في إطار تسوية أوسع.

ومع استمرار الضغوط على إيران عقب الجولة الأخيرة من القتال، يرجح أن يزداد خصوم “حزب الله” في الداخل اللبناني جرأة في مواجهته. وقد برز ذلك بوضوح عندما أعلنت الحكومة اللبنانية، يوم الاثنين، ردًا على هجوم الحزب على إسرائيل، حظر أنشطته العسكرية. ورُغمَ أنَّ قدرة الدولة على فرض هذا القرار وتنفيذه تبقى محدودة، فإنَّ صدوره يعكس تحوّلًا في المزاج السياسي واستعدادًا أكبر لمواجهة نفوذ الحزب.

إتمام المهمة

تكمن إحدى أبرز نقاط قوة “حزب الله” في ضعف خصومه داخل لبنان. فالجيش اللبناني، رُغمَ انتشاره في بعض المناطق الحساسة، لا يبدو راغبًا –وربما غير قادر– على خوض مواجهة مباشرة مع الحزب في مختلف أنحاء البلاد. أما داخل الحكومة اللبنانية، فعلى الرُغم من معارضة عدد من الشخصيات السياسية لنفوذ الحزب، فإنَّ هذه القوى تبقى منقسمة ومُثقَلة بتاريخ طويل من الخلافات الداخلية، ما يحدّ من قدرتها على تشكيل جبهة سياسية موحّدة في مواجهته.

ويستند “حزب الله” كذلك إلى قاعدة دعم داخل الطائفة الشيعية في لبنان، التي تشكّل نحو 32 في المئة من السكان. صحيح أنَّ كثيرين من الشيعة اللبنانيين يبدون امتعاضًا من فساد الحزب وأساليبه الضاغطة وعنفه، إلّا أنهم لا يرون في الأفق بديلًا سياسيًا واضحًا. فالحزب، بالنسبة إلى شريحةٍ واسعة منهم، يبقى الأداة الأساسية للدفاع عن حصتهم في نظامٍ سياسي يقوم أصلًا على تقاسم السلطة بين الطوائف. وقد انعكس هذا الواقع في نتائج الانتخابات البلدية التي جرت في أيار (مايو) 2025، حيث حافظ الحزب على حضور قوي.

لهذه الأسباب، من المرجح أن يقاوم “حزب الله” بقوّة المساعي الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى نزع سلاحه بالكامل. فالسلاح ليس مجرّد أداة عسكرية بالنسبة إليه، بل عنصرٌ مركزي في هويته السياسية والتنظيمية، حتى إنَّ علمه يتضمن صورة بندقية هجومية. ومع ذلك، قد تكون هناك إمكانية لبحث أشكال محدودة من نزع السلاح. فقد ناقش الحزب داخليًا خلال العام الماضي سيناريوهات من هذا النوع، كما طرح الجيش اللبناني مؤخرًا تصوُّرًا يقضي بنزع سلاح الحزب في المنطقة الواقعة بين نهرَي الليطاني والأولي.

في المقابل، ترى واشنطن أنَّ إضعاف “حزب الله” في المدى الطويل يمرّ عبر تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش. بعض المساعدات العسكرية والمالية قد يحقق نتائج محدودة، بينما قد تتعثر برامج أخرى كما حدث في تجارب سابقة. ومع أنَّ التقدّم في بناء قدرات الجيش اللبناني ظل متواضعًا، فإنَّ الاستثمار في هذه المؤسسة لا يزال يُعد خيارًا ضروريًا.

كما يُنظر إلى إعادة إعمار لبنان بوصفها ساحة أخرى للصراع على النفوذ. إذ ينبغي –من وجهة نظر واشنطن– أن تتولى الدولة اللبنانية، لا “حزب الله”، قيادة جهود إعادة الإعمار. ووفق تقديرات البنك الدولي لعام 2025، يحتاج لبنان إلى نحو 11 مليار دولار لإعادة بناء ما دمرته الحروب والأزمات، وهو رقمٌ لا يشمل الأضرار الناجمة عن جولة القتال الجارية. وإذا عجزت الدولة عن توفير الخدمات الأساسية، فمن المرجح أن يلجأ اللبنانيون، ولا سيما الشيعة منهم، إلى مؤسّسات الحزب للحصول على الدعم.

لهذا، يتمثل الهدف الأميركي في توسيع نفوذ الدولة اللبنانية تدريجًا داخل المجتمع، وخلق مساحة سياسية واجتماعية تسمح بظهور بدائل أقل عنفًا وتأثيرًا من “حزب الله”.

في هذا السياق، ينبغي على الولايات المتحدة أن تعمل بجد لتقريب المواقف بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل. فواشنطن قادرة على تشجيع بيروت على الدخول في مفاوضاتٍ تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، على أن تشكل هذه الخطوة مدخلًا لمسارٍ أوسع قد يقود في نهاية المطاف إلى سلام دائم. ومن الضروري أن يتضمن أيُّ تفاوض بندًا واضحًا بشأن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، لأن استمرار هذا الوجود يمنح “حزب الله” حجة دائمة لتبرير احتفاظه بالسلاح بذريعة الدفاع عن السيادة الوطنية.

ويُفتَرَض أن تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخ معادلة مختلفة في الوعي السياسي اللبناني: مفادها أنَّ التغيير الإيجابي يأتي عبر التفاوض والمؤسسات، لا عبر منطق “المقاومة” المسلحة. كما ينبغي أن يكون واضحًا أنَّ سياسات التصعيد التي يعتمدها “حزب الله” تحملُ كلفةً باهظة على اللبنانيين أنفسهم. وفي ظل هذه المعادلة، سيجد الحزب نفسه أمام خيارين: إما الانخراط في مسار التفاوض، أو مواجهة احتمال تحمّل مسؤولية جرّ المدنيين اللبنانيين إلى جولات جديدة من الحرب.

في الوقت نفسه، فإنَّ أيَّ تقدُّم تحققه الولايات المتحدة في مواجهة إيران –سواء عبر الضغط العسكري أو المسار التفاوضي– من شأنه أن ينعكس مباشرة على وضع “حزب الله”. وحتى إذا لم تتمكن واشنطن من إقناع طهران بالتخلي عن وكلائها في المنطقة، فإنَّ إضعاف الاقتصاد الإيراني واستنزاف قدراته قد يقلّص إلى حد كبير قدرتها على تمويلهم، ما يهدد مكانتها كراعٍ موثوق لشبكة حلفائها الإقليميين.

لهذا، يبدو أنَّ الاستراتيجية الأكثر فاعلية تكمن في استثمار اللحظة الراهنة التي تشهد تراجع نفوذ طهران، عبر دعم القوى اللبنانية المعارضة لهيمنة “حزب الله”. وحتى إن لم يؤدّ ذلك إلى تغيير سريع في موازين القوى، فإنَّ استمرار هذا الضغط كفيلٌ بإبقاء الحزب في حالة دفاع وعدم استقرار، وهو ما قد يفتح المجال تدريجًا أمام تحولات أعمق في المشهد السياسي اللبناني.

  • دانيال بايمان هو أستاذ في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون ومدير برنامج الحرب والتهديدات غير النظامية والإرهاب في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
  • يصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أفّيرز” الأميركية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى