عندما تَتَعامَلُ أميركا مع العالم كصَفقَة
كابي طبراني*
لم يَكُن النظامُ الدولي الذي تََشَكّلَ بعد الحرب العالمية الثانية نظامًا مثاليًا أو خاليًا من التناقُضات. لقد حَمَلَ في داخله كثيرًا من الازدواجية، وغَضَّ الطرف عن تجاوزات، وخَضَعَ أحيانًا لمصالح القوى الكبرى على حساب الآخرين. لكنه، رُغمَ كل ذلك، قامَ على فكرةٍ جوهرية واحدة: أنَّ الدولة الأقوى في العالم تقبلُ بوَضعِ قيودٍ على نفسها، مُقابلَ نظامٍ أكثر استقرارًا، وأكثر قابلية للتنبؤ، وأقل مَيلًا نحو الحروب الكارثية.
اليوم، تتعرّضُ هذه الفكرة لاختبارٍ غير مسبوق.
السياسةُ الخارجية الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب لا تسعى إلى إصلاحِ النظام الدولي أو تحديثه، بل تتعامَلُ معه باعتباره عبئًا أو وَهمًا. التحالفات لم تَعُد التزاماتٍ طويلة الأمد، بل صفقات قابلة لإعادة التفاوض. التجارةُ لم تَعُد أداةً للنمو المشترك، بل وسيلة ضغط وعقاب. والمؤسّسات الدولية التي أنشأتها واشنطن نفسها بعد 1945 باتت تُصَوََّرُ كقيودٍ يجب تجاوزها أو استبدالها بترتيباتٍ شخصية ومؤقتة.
أنصارُ هذا النهج يرون فيه واقعية مطلوبة. لماذا تلتزمُ الولايات المتحدة بقواعد لا يلتزم بها الآخرون؟ لماذا تحمي حلفاءً لا يدفعون “ثمن الحماية”؟ ولماذا تُقدِّمُ المبادئ على المكاسب المباشرة؟ هذه الأسئلة تجد صدى لدى جمهورٍ أميركي تعبَ من الحروب الخارجية، ومن عَولمةٍ لم تُوَزِّع مكاسبها بعدالة، ومن نُخَبٍ وَعَدَت بالاستقرار لكنها لم تمنع الأزمات.
لكنَّ المشكلة أنَّ هذه “الواقعية” تختزلُ السياسة الدولية في مَنطقِ الصفقة القصيرة الأجل. النظامُ الدولي بعد الحرب لم يَكُن عملًا خيريًا، بل استثمارًا استراتيجيًا. الدروسُ التي خرجَ بها العالم من النصف الأول من القرن العشرين كانت واضحة: حين تتصرّفُ الدول الكبرى بلا قيود، وتتعاملُ مع القوة كحقٍّ مُطلَق، تكونُ النتيجةُ سباقَ تسلُّح، وحروبًا تجارية، ثم صداماتٍ عسكرية واسعة النطاق.
ما يلفتُ اليوم ليس فقط أنَّ واشنطن تتراجَعُ عن هذا الإطار، بل أنَّ كثيرًا من الدول الأخرى لا تسعى لمواجهتها، بل لتكييف نفسها مع الواقع الجديد. حلفاءٌ تقليديون بَدَؤوا بهدوء في تنويع شراكاتهم الأمنية والاقتصادية. دولٌ تعتمدُ على السوق الأميركية تبحثُ عن بدائل لتقليل المخاطر. قوى إقليمية طالما اشتكت من “ازدواجية المعايير الغربية” ترى في هذا التفكُّك فُرصة، لا تهديدًا.
لكن هذا لا يعني أننا أمامَ نظامٍ عالميٍّ جديد. ما نشهده هو فراغ. لا تُوجَدُ قواعد بديلة مُتَّفَقٌ عليها، ولا رؤية مشتركة، بل شبكة مُتشابكة من الصفقات، ومناطق النفوذ، والتفاهُمات المؤقتة. في مثل هذا العالم، الثقة —وهي العمود الفقري غير المرئي للتجارة العالمية، والمال، والتحالفات الأمنية— تتآكل بسرعة.
الآثار الاقتصادية لهذا التحوُّل بدأت تظهر بوضوح. مكانةُ الدولار، وجاذبيةُ الأسواق الأميركية، وقدرةُ واشنطن على قيادة استجاباتٍ دولية للأزمات، كلها قامت تاريخيًا على الثقة في استقرار المؤسّسات الأميركية وقابلية التنبُّؤ بسياساتها. حين تُصبِحُ القرارات رهينةَ المزاج السياسي أو الحسابات اللحظية، تبدأ الحكومات والمستثمرون في التحوُّط. قد لا يكون هناك بديلٌ فوري للولايات المتحدة، لكن مسار التفكُّك يبدأ عادةً قبل أن يظهرَ البديل.
واللافت أنَّ هذا العالم القائم على “منطق القوة” لا يخدمُ بالضرورة خصوم أميركا. الدولُ التي طالما دعت إلى نظامٍ “مُتعدّد الأقطاب” تكتشفُ أنَّ تراجُعَ القواعد لا يفتحُ المجالَ تلقائيًا أمام صعودها، بل يفرضُ معايير أكثر قسوة: القوة العسكرية، التفوُّق التكنولوجي، والقدرة الاقتصادية الحقيقية. في غيابِ القواعد، تُختَبَرُ القدرات بلا تجميل.
الخطرُ الأكبر لا يَكمُنُ فقط في الصراعات بين الدول، بل في إدارةِ الأزمات العالمية. الأوبئة، تغيُّر المناخ، الانهيارات المالية، والنزاعات الإقليمية لا تنتظر نظامًا دوليًا مستقرًّا كي تنفجر. التعامُلُ معها يتطلّبُ مؤسّسات، وعادات تعاون، وثقة بُنِيَت عبر عقود، لا حلولًا مُرتَجَلة أو تفاوضًا كل مرة من الصفر.
قد يكون من المُغري اعتبار ما نعيشه مرحلةً عابرة، ستنتهي بتغييرٍ سياسي في واشنطن. لكن هذا التفاؤل قد يكونُ مُضَلِّلًا. الأنظمة الدولية لا تقومُ على القوانين فقط، بل على التوقُّعات. حين تعتادُ الدول أنَّ الالتزامات قابلةٌ للنقض، وأنَّ القواعد اختيارية، فإنها تُعيدُ حساباتها على هذا الأساس — حتى لو تغيّرَ الخطابُ لاحقًا.
السؤالُ الحقيقي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعودُ إلى “القيادة”، بل أي نوعٍ من القيادة سيكون مُمكنًا بعد هذه التجربة. التاريخ يُعلّمنا أنَّ التراجُعَ غالبًا ما يُقاسُ بعدد الفُرَص الضائعة، لا بعددِ القرارات الصاخبة.
في النهاية، الخيارُ ليس بين الهيمنة أو الانسحاب، ولا بين المثالية والواقعية. بل بين استخدام القوة بحسابٍ طويل الأمد، أو استهلاكها في صفقاتٍ قصيرةِ النظر. النظامُ الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية لم يَكُن مثاليًا، لكنه كان محاولةً واعية لتجنُّب كوارث عرفها العالم جيدًا. التخلّي عنه بلا بديلٍ واضح قد يعني أنَّ تلك الدروس ستُعاد، لكن بكلفةٍ أعلى بكثير.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



